المغاربة في إسبانيا.. جالية تصنع المستقبل رغم التحديات

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

عبد القادر الفرساوي

 

 

ليسوا مجرد أرقام في إحصائيات الضمان الاجتماعي الإسباني، ولا مجرد أيدٍ عاملة تسد فراغا في سوق الشغل، بل هم رجال ونساء صنعوا جسورا بين المغرب وإسبانيا، وباتوا جزءا لا يتجزأ من نسيجها الاقتصادي والاجتماعي. المغاربة اليوم هم أكبر جالية أجنبية من خارج الاتحاد الأوروبي مساهمة في سوق العمل الإسباني، متجاوزين الجالية الرومانية التي تصدرت المشهد لسنوات.
أكثر من 350 ألف مغربي منخرطون في الضمان الاجتماعي الإسباني، يكدحون في مجالات متنوعة، من البناء والزراعة إلى الخدمات والصناعة. يذهبون كل صباح إلى العمل كما يفعل أي مواطن إسباني، يدفعون الضرائب، ويساهمون في عجلة الاقتصاد، لكنهم في المقابل يواجهون ظروفا قاسية، وسوقا لا يرحم الغرباء.
الزراعة، البناء، الضيافة.. هذه القطاعات التي توصف بأنها الأكثر قسوة، هي نفسها التي تحتضن معظم العمال المغاربة. ليس لأنهم اختاروها، بل لأنها هي الباب الوحيد الذي يُفتح لهم. كثيرون منهم يعملون لساعات طويلة بأجور زهيدة، بينما بعضهم لا تُسجل أسماؤهم حتى في الضمان الاجتماعي، وكأن وجودهم غير معترف به رسميا إلا حين يكون ذلك في مصلحة السوق.


ورغم هذه الأرقام الدالة على الدور المحوري للجالية المغربية في الاقتصاد الإسباني، لا تزال هناك أصوات ترى فيهم مجرد “مهاجرين غير مرغوب فيهم”، أُناسا جاؤوا لأخذ فرص العمل بدلا من خلقها. الحقيقة أن الكثير من المغاربة أسسوا مشاريعهم الخاصة، وخلقوا فرص عمل لغيرهم، بل إن هناك من برع في مجالات متقدمة مثل الهندسة، الطب، وريادة الأعمال.
ولكن، متى كانت الصورة النمطية تستند إلى الواقع؟ لا يزال البعض يربط المغربي بالمهن الدنيا، وينسى أن هناك مئات الشباب الحاصلين على شهادات عليا، والذين يجدون أنفسهم في مواجهة جدار من العنصرية والتمييز المهني، حيث يُنظر إليهم على أنهم “مهاجرون” وليسوا “كفاءات”.

لا يمكن الحديث عن الجالية المغربية في إسبانيا دون التطرق إلى المرأة المغربية التي تواجه تحديات مضاعفة. الأرقام تقول إن 26% فقط من المغاربة المسجلين في الضمان الاجتماعي الإسباني هنّ نساء. المجتمع، سواء في المغرب أو في المهجر، لا يزال يرى أن الرجل هو المعيل، والمرأة تُترك في المنزل. ومع ذلك، هناك نساء مغربيات يعملن بجد في مجال الرعاية المنزلية والخدمات، لكن بدون عقود عمل تحميهنّ، وبدون ضمان اجتماعي يضمن لهنّ مستقبلا آمنا.
يحتاج الاقتصاد الإسباني إلى العمالة المهاجرة، وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها. والحقيقة الأخرى أن المغاربة لا يأخذون أكثر مما يقدمون، فهم يساهمون في النظام الضريبي، يدفعون اشتراكات الضمان الاجتماعي، ويملؤون الفراغات في سوق العمل.
من السهل أن يُحمّل المهاجرون مسؤولية المشاكل الاقتصادية، لكن الواقع يقول إنهم رافد من روافد التنمية، وليسوا عبئا عليها. الحديث عن الجالية المغربية يجب أن يكون بعيدا عن الصور النمطية، ويجب أن يُنظر إليهم كما هم: أناس جاؤوا ليعملوا، ليبنوا مستقبلهم، وليكونوا جزءا من المجتمع، وليس غرباء فيه.

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...