عبد العزيز العمراني
أستاذ التعليم العالي
المغرب
في ظل التصعيد الإسرائيلي غير المسبوق في غزة واستمرار قمع الفلسطينيين في الضفة الغربية، يتجلى بوضوح الدعم الكبير الذي تحظى به إسرائيل من القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة. والأدهى أن استئناف آلة الحرب الإسرائيلية تدميرها في غزة لم يكن قرارًا إسرائيليًا صرفًا، بل جاء نتيجة مباشرة للضوء الأخضر الذي منحته إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ولم يقتصر هذا الدعم على التصريحات السياسية، بل تُرجم عمليًا من خلال تزويد إسرائيل بالأسلحة الثقيلة، بينما ترفع واشنطن شعارات السلام الزائفة. فكيف يمكن لرئيس أمريكي أن يصف نفسه برجلِ السلام، في الوقت الذي يسمح فيه لإسرائيل بقتل أكثر من أربعمئة مدني فلسطيني في يوم واحد خلال شهر رمضان؟ وكما يقول المثل المصري الشعبي: “حاميها حراميها”، فإن واشنطن، التي تدّعي السعي للسلام، هي ذاتها التي تزود آلة الحرب الإسرائيلية بكل ما تحتاجه لمواصلة جرائمها ضد الفلسطينيين.
لا يمكن التعامل مع واشنطن كوسيط نزيه في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، بل كشريك رئيسي في الجرائم المرتكبة ضد الشعب الفلسطيني. فمن دون الدعم الأمريكي المستمر، لما تمكنت إسرائيل من ترسيخ احتلالها، وتعزيز نظامها الاستيطاني، وإحكام قبضتها على الأراضي الفلسطينية. فمنذ نشأة إسرائيل، قدمت لها الولايات المتحدة دعمًا سياسيًا وعسكريًا غير محدود، زوّدتها بأحدث أنواع الأسلحة، وحمتها من أي مساءلة دولية عبر استخدام الفيتو في مجلس الأمن. ومع إدارة ترامب، ازداد هذا الانحياز بشكل صارخ، وتكثّفت المساعدات العسكرية، وتجاهلت واشنطن القانون الدولي وحقوق الإنسان. وهذا يؤكد أن الدعم الأمريكي لإسرائيل ليس مجرد تحالف استراتيجي، بل هو انحياز أيديولوجي وسياسي راسخ، تغذيه اللوبيات الصهيونية داخل الولايات المتحدة، والتي لم تكتفِ بتوجيه السياسة الخارجية الأمريكية، بل أصبحت تهدد التوازن السياسي الداخلي والخارجي لأمريكا نفسها. والأخطر من ذلك أن الصهيونية الدينية لم تعد مجرد أيديولوجيا داعمة لإسرائيل، بل باتت تهدد المجتمع الأمريكي ذاته، حيث تتغلغل في مؤسساته السياسية والإعلامية، مؤثرة في توجهاته الداخلية والخارجية على نحو غير مسبوق.
رغم أن الولايات المتحدة كانت أحد المؤسسين الرئيسيين للأمم المتحدة، التي يُفترض أن تكون منصة لحل النزاعات بطرق سلمية، فإنها لم تمارس أي ضغط حقيقي على إسرائيل لوقف المجازر ضد الفلسطينيين، بل على العكس، استخدمت الفيتو أكثر من أربعين مرة لحماية إسرائيل من أي مساءلة دولية، مما أفقد المنظمة الدولية مصداقيتها وجعلها عاجزة عن تنفيذ قراراتها المتعلقة بالقضية الفلسطينية. حتى الدول الأوروبية، التي بدأت مؤخرًا بانتقاد السياسات الإسرائيلية، ما زالت مقيدة بتحالفاتها مع واشنطن، ما يجعل تأثيرها محدودًا.
آن الأوان للدول العربية أن تتخذ موقفًا موحدًا لحماية أمنها القومي، بعيدًا عن الارتهان لواشنطن، التي أثبتت أنها لا تعير مصالح العرب أي اعتبار. التجربة الأوروبية اليوم تثبت هذه الحقيقة؛ فبعد عقود من الاعتماد على الحماية الأمريكية، بدأت الدول الأوروبية تدرك خذلان واشنطن، وتسعى إلى بناء بدائل أمنية مستقلة. فلماذا لا تقوم الدول العربية بالمثل؟ لماذا لا تسعى لإنشاء نظام أمني عربي مشترك، قائم على تعزيز التكامل الاقتصادي والعسكري، واستغلال الأدوات الضاغطة مثل الثروة النفطية والدبلوماسية، لإعادة توازن القوى وإجبار المجتمع الدولي على احترام الحقوق الفلسطينية؟
تؤكد الأدبيات ما بعد الاستعمارية أن الشعوب التي قاومت الاستعمار، رغم ما واجهته من عنف ممنهج ومذابح، انتصرت في النهاية، وهذا ما سيحدث في فلسطين. فإسرائيل، مهما طال احتلالها، لن تستطيع كسر إرادة الفلسطينيين، الذين أثبتوا عبر تاريخهم النضالي، من الانتفاضات إلى المقاومة السلمية، أن الحقوق لا تُنتزع بالقوة فقط، بل تُنتزع أيضًا بالإصرار والصمود. إن تحقيق سلام حقيقي في الشرق الأوسط لن يكون عبر “صفقات القرن” المزعومة، بل عبر الاعتراف الكامل بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها إقامة دولة مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشريف. وحتى يتحقق ذلك، ستظل المقاومة مستمرة، وسيبقى نضال الفلسطينيين جزءًا من مسيرة التحرر التي أثبت التاريخ أنها لا تنتهي إلا بانتصار المظلوم على الظالم.
الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي ليس مجرد نزاع عسكري، بل اختبارٌ للعدالة والأخلاق في النظام الدولي. إن استمرار إسرائيل في الإفلات من العقاب، بدعم غالبية الدول الغربية، يكرّس ثقافة العنف والاحتلال، ويهدد الأمن العالمي. على الدول العربية أن تتبنى استراتيجيات فعالة، تتجاوز البيانات والشجب غير المجدي، وأن تتحرك ككتلة موحدة للدفاع عن القضية الفلسطينية، واستثمار أوراقها الاقتصادية والدبلوماسية بذكاء. أما على المستوى الدولي، فقد آن الأوان للمجتمع الدولي أن ينتصر للقانون والعدل، وألا يبقى رهينة للنفوذ الأمريكي والصهيوني. فكما انتصرت حركات التحرر في العالم، ستنتصر فلسطين، لأن الاحتلال لا يدوم.





