عبد القادر الفرساوي
كان الليل قد أرخى سدوله على المدينة، وبدأت الأنوار الشاحبة تتراقص فوق الأرصفة الخالية. في إحدى الزوايا المظلمة، كان رجلان يراقبان نوافذ الطابق الثالث من بناية قديمة في شمال مدينة مالاغا الإسبانية. لقد مضت أيام وهما يتابعان حركة السكان، يتأكدان من أن تلك الشقة لا يدخلها أحد، ولا تخرج منها أصوات. كانت هذه فرصتهما، فالمنزل بدا مهجورا منذ زمن، والمأوى في مدينة مثل هذه لم يكن أمرا سهلا.
ما حدث في مدينة مالاغا جنوب إسبانيا هذا الأسبوع لم يكن مشهدا من رواية غامضة، بل واقعة حقيقية هزّت الجميع، حين اقتحم رجلان شقة مهجورة ليجدوا أنفسهم أمام جثة امرأة جلست في صمت لسنوات، دون أن يسأل عنها أحد.
اقتربا من الباب بحذر، وبأيد خبيرة، نجحا في كسر القفل. دفعا الباب ببطء، فتسلل تيار هواء بارد من الداخل، رائحة قديمة، مزيج من الغبار والعفن، استقبلت أنفيهما. دخلا بخطوات واثقة، متخيلين بالفعل كيف سيعيدان ترتيب المكان، كيف ستصبح هذه الجدران الصامتة مأوى لهما بعد ليالٍ طويلة من التشرد والتعب.
لكن ما لم يتوقعاه كان ينتظرهما خلف أحد الأبواب المغلقة.
حين فتحاه، تسمرت أقدامهما عند العتبة. هناك، في زاوية الغرفة، كان جسد امرأة، جالسا على كرسي، مغطى بطبقة رقيقة من الغبار، لكنه لم يكن كأي جسد عادي… لقد كان مومياء بشرية، عينان غائرتان تحدقان في الفراغ، جلد جاف متشبث بالعظام، كأن الزمن توقف عند لحظة موتها.
ارتد أحدهما إلى الخلف، مصطدما بالحائط، فيما تسمرت عينا الآخر على المشهد غير القابل للتصديق. للحظة، بدا وكأن الجثة تتحرك، أو ربما كان ذلك مجرد خيال عابر.
“علينا الخروج من هنا…” تمتم أحدهما بصوت مرتجف.
لكن الأقدام كانت متجمدة، والعقل عاجز عن استيعاب ما يحدث. ما هذه المرأة؟ منذ متى هي هنا؟ وكيف لم يكتشفها أحد؟
استجمعا شجاعتهما وأخرجا هاتفيهما. لم يكن أمامهما خيار سوى الاتصال بالشرطة، ففي لحظة كهذه، لم يكن بإمكانهما الفرار. حين وصل رجال الشرطة، لم يكن المشهد أقل صدمة لهم. تطلب الأمر وقتا قبل أن يستوعبوا كلمات الرجلين المرتجفة:
“نعم، كنا ننوي احتلال المنزل… لكننا لم نقتلها. لم نعرف حتى أنها كانت هنا!”
كان الشرطي يحدق في الجثة بصمت، كأنما يحاول سماع صدى قصة لم تُروَ بعد، قصة امرأة ظلت جالسة هناك، في وحدتها المطلقة، دون أن يسأل عنها أحد، حتى جاء غريبان لسرقة بيتها… فوجداها فيه قبلهما.





