عبد القادر الفرساوي
في زمن يُفترض أن يكون فيه الإعلام منارة للحق وصوتا للحقيقة، تحولت بعض المنابر الإعلامية إلى مصانع للكراهية، تبث السموم في العقول وتغذي العداء ضد المسلمين، متجاهلة بذلك أبسط مبادئ النزاهة والموضوعية. المتابع لما تنشره بعض القنوات والصحف الكبرى لا يسعه إلا أن يتساءل: هل الإعلام ما زال مرآة للواقع، أم أصبح مجرد بوق لأجندات خفية؟ فبينما يُفترض أن يلتزم الصحفيون بالمهنية، نجدهم في أحيان كثيرة يتورطون في خطاب الكراهية، ويصورون المسلمين على أنهم مصدر تهديد مستمر، متغافلين عن حقيقة أن هؤلاء الناس ليسوا مجرد أرقام أو عناوين مثيرة، بل أفراد لهم أحلام وطموحات وآمال.
أذكر ذلك وأنا جالس في قاعة المفوضية الأوروبية ببروكسل، حيث كانت تتحدث مايا سيفر، رئيسة الاتحاد الأوروبي للصحفيين، في محاضرة خصصت لمناقشة انتشار خطاب الكراهية في وسائل الإعلام. كانت تتحدث بعينين تعكسان يقينا عميقا بما تقول، تحرك يديها بحدة كلما أرادت أن تؤكد على نقطة، وكأنها تريد أن تُحدث أثرا مباشرا في كل شخص يجلس أمامها. قالت بصوت يفيض ألما: “التغطية الإعلامية للضحايا غالبا ما تكون مجرد أرقام، لا أحد يبحث عن قصصهم، عن أحلامهم، عن أحزانهم. كل ما نراه هو إحصائيات تتزايد كل يوم”كلامها أعادني إلى مشهد يتكرر دائما في الإعلام الغربي؛ عندما يحدث اعتداء على امرأة مسلمة ترتدي الحجاب في الشارع، يمر الخبر مرور الكرام، وكأنه حادث فردي لا يستحق التغطية، بينما إذا خاضت امرأة غربية جدلا بسيطا حول حقها في ارتداء لباس معين، تتحول قصتها إلى “قضية رأي عام” تحت عناوين كبرى، وتحظى بتغطية واسعة تفيض بالمواقف الأخلاقية حول الحريات والحقوق الفردية. هذه الازدواجية ليست مجرد خطأ مهني، بل هي جزء من خطاب مقصود، كما قالت السيدة مايا: “المسلمون لا يُعاملون كأفراد، بل كظاهرة يجب أن يتم احتواؤها أو مراقبتها.”
وفي موقف آخر خلال المحاضرة، تحدثت عن الصحفية الفلسطينية هيبا العبد الله، التي قتلت مع ابنتها، ولم تكن بالنسبة للإعلام الغربي سوى “الرقم 111” في إحصائيات القتلى. “بحثت عن تفاصيل حياتها، عن أي شيء يقول لنا من كانت هذه المرأة، لكنني لم أجد شيئا في وسائل الإعلام الإنجليزية،” قالتها مايا وهي تنظر إلينا مباشرة، وكأنها تتحدانا جميعا لنفكر فيما نقوم به. “فقط عندما لجأت إلى المصادر العربية، عرفت أنها كانت أُما لطفلة صغيرة، مذيعة أخبار، أستاذة جامعية، ناشطة إعلامية… هل أصبح الإعلام عاجزا عن رؤية البشر كأكثر من مجرد أرقام؟”
بينما كانت تتحدث، كنت أراقب وجوه الحاضرين؛ بعضهم كان يهز رأسه موافقا، وبعضهم ينظر في هاتفه، وكأن هذه الحقائق لم تعد تعنيه.
على كل حال، ربما هذا هو جوهر المشكلة؛ الإعلام لم يعد يبحث عن الحقيقة، بل عن القصة الأكثر جاذبية، حتى وإن كانت قائمة على التلاعب والمبالغة. وكما قالت مايا بحدة: “غرف الأخبار اليوم تفضل العناوين المثيرة على النزاهة، والنتيجة؟ تعزيز الكراهية، انتشار الصور النمطية، وتحوّل الصحافة إلى أداة في يد من يريدون تقسيم المجتمعات.”
خرجت من القاعة وأنا أفكر: إذا كان الصحفي نفسه قد أصبح جزءا من المشكلة، فمن سيحمي الحقيقة إذن؟.





