الشعبويّة والاسترزاق السيّاسي: قراءة نقديّة وتحليليّة في العجز المتعدد الأبعاد..
* الدكتور عبد الله شنفار
تشهد العديد من المجتمعات صعودًا لافتًا للخطاب الشعبوي في المشهد السياسي، وهو ليس بظاهرة جديدة، لكنه بات أكثر تأثيرًا بفعل توالي الأزمات الاقتصاديّة والاجتماعيّة وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي.
هذا، تعتمد الشعبويّة على عدة آليات وأدوات واستراتيجيات مختلفة، تستهدف بالأساس تحريك العواطف وتبسيط القضايا، بدلًا من تقديم حلول واقعيّة ملموسة، ومخاطبة عقول الجمهور وكأنهم مجموعة أطفال صغار أو معاقين ذهنياً وتجريدهم من الحس النقدي، مما يخلق حالة من الاستقطاب ويضعف النقاش العقلاني في الفضاء العام. لكن هل الشعبويّة مجرد عارض زائل أم أنها نتيجة طبيعيّة لاختلالات عميقة في النظم السياسية؟ وهل تمثل خطرًا على الديمقراطية أم أنها تعبير عن مطالب حقيقيّة لم تُستجب بعد؟ وكيف يمكن للمجتمعات مواجهتها دون الوقوع في فخ القمع أو الإقصاء؟
لكن ما هي أسباب صعود وتنامي ظاهرة الشعبوية؟
– ضعف المؤسسات الحزبيّة والسياسيّة:
في كثير من البلدان، أدى فقدان الأحزاب السياسيّة التقليديّة لمصداقيتها وعجزها عن تقديم حلول ناجعة إلى خلق فراغ ملأه السياسيون الشعبويّون، الذين يقدمون أنفسهم كبدائل “قريبة من الناس”.
في المغرب، على سبيل المثال، برزت خطابات سياسيّة تعتمد على الإثارة بدل البرامج الواقعيّة، مستغلة في ذلك، مستوى الإحباط الشعبي تجاه المؤسسات.
وفي أوروبا وأمريكا اللاتينية، صعدت حركات مثل “فرنسا الأبيّة” بزعامة (جان لوك ميلونشون) وحزب “فوكس” اليميني في إسبانيا، كرد فعل على أزمة الثقة في النخب الحاكمة. فهل يعود ذلك إلى فشل الديمقراطية التمثيليّة في احتواء التنوع المجتمعي؟ أم أن المشكلة تكمن في طبيعة العلاقة بين المواطن والدولة؟
– الأزمات الاقتصادية والاجتماعية:
لا يمكن فصل صعود الشعبويّة عن الأوضاع الاقتصاديّة المتدهورة. فحينما يشعر المواطنون بأنهم مهمشون اقتصاديًا، يصبحون أكثر استعدادًا للاستماع إلى خطابات تعدهم باستعادة “الكرامة” و”العدالة” و”الحرية” حتى وإن كانت غير واقعيّة.
الأزمة الماليّة لسنة 2008، مثلًا، عززت صعود الشعبويّة في الغرب، سواء في خطاب “بيرني ساندرز” اليساري في الولايات المتحدة أو “دونالد ترامب” الذي تبنى نهجًا يمينيًا قوميًّا. فهل تعكس الشعبويّة فشل النموذج الاقتصادي السائد في تحقيق العدالة الاجتماعيّة والمجاليّة وردم الهوة والفجوة بين شرائح المجتمع؟ أم أنها مجرد استغلال للأزمات لتحقيق مكاسب سياسية؟
– وسائل التواصل الاجتماعي وانتشار الأخبار المضللة:
أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي منصة مثالية لنشر الخطاب الشعبوي، حيث تسمح للشخصيات السياسية ببناء قاعدة جماهيريّة سريعة دون المرور عبر المؤسسات التقليديّة. في المغرب مثلًا، تتحول بعض القضايا الاجتماعيّة إلى موجات غضب عارمة يقودها مؤثرون بدون وجود خلفيّة سياسيّة واضحة، مما يعكس تحول النقاش العام نحو الإثارة بدل التحليل العقلاني. لكن هل يمكن اعتبار الشعبويّة نتيجة طبيعيّة لتحول الإعلام إلى فضاء مفتوح؟ أم أن المشكلة تكمن في غياب الثقافة النقديّة لدى الجمهور؟
– مظاهر الشعبويّة وتأثيرها على الحياة السياسية:
1. هيمنة الخطاب العاطفي على العقلاني: تعتمد الشعبويّة على استثارة المشاعر بدل تقديم بدائل عملية، مما يؤدي إلى استقطاب سياسي حاد. فالسياسي الشعبوي يوهم الناس بأنه يتحدث باسمهم، لكنه في الواقع يكرس الانقسامات بدل البحث عن حلول مستدامة. فهل يمكن للخطاب السياسي أن يكون مؤثرًا دون اللجوء إلى العاطفة؟ وأين الحد الفاصل بين الخطاب السياسي الجذاب وبين الخطاب الشعبوي التضليلي؟
2. ضرب الثقة في المؤسسات والنخب العلميّة: فغالبًا ما تهاجم الشعبوية النخب المثقفة، متهمة إياها بالانعزال عن “هموم الشعب”، مما يؤدي إلى تهميش الخبراء في صياغة السياسات العامة. بحيث نجد أن بعض التيارات السياسيّة تروج لفكرة أن الجامعات ومراكز الأبحاث بعيدة عن الواقع، مما يجعل القرارات تُتخذ بناءً على الاعتبارات الشعبويّة بدلًا من المعرفة العلمية. فهل الشعبوية نتيجة لفشل النخب في التواصل مع المجتمع؟ أم أن هناك توجها ممنهجًا لضرب الفكر النقدي والعقلاني؟
3. استبدال المخططات والبرامج التنموية بالتحريض والصراعات: بدلًا من تقديم خطط اقتصاديّة واجتماعيّة قابلة للتنفيذ، يعتمد الشعبويّون على تأجيج الصراعات بين الفئات الاجتماعيّة، مثل تصوير النخب الاقتصاديّة على أنها عدو للفقراء، أو إلقاء اللوم على جهات معيّنة في كل الأزمات. وهذا النهج يؤدي إلى زيادة التوتر الاجتماعي دون تحقيق أي تغيير حقيقي.
4. لكن لماذا ينجذب الناس إلى الخطاب التحريضي رغم عواقبه الوخيمة؟ وهل يمكن للوعي السياسي أن يكون كافيًا لمواجهة هذه الظاهرة؟
كيف يمكن مواجهة الشعبوية بوسائل ديمقراطية؟
من توصيات ثلاثية الأبعاد:
1. تعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات: لا يمكن محاربة الشعبوية دون إصلاح المؤسسات وجعلها أكثر شفافية وفعالية. على السياسيين التقليديين أن يدركوا أن الشعبوية ليست مجرد خطاب بل هي رد فعل على الإحباط الشعبي. فكيف يمكن تجديد الخطاب السياسي ليصبح أكثر جاذبية دون الانزلاق إلى الشعبوية؟
2. تطوير الإعلام وتعزيز التربية السياسية: يحتاج المجتمع إلى إعلام قوي يعزز النقاش العقلاني بدلًا من الترويج للخطابات العاطفية. كما أن إدراج التربية السياسية في المناهج الدراسية يمكن أن يساعد المواطنين على التمييز بين الخطاب الشعبوي والخطاب الواقعي المبني على الحقائق. فهل يمكن أن تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورًا إيجابيًا في محاربة الشعبوية بدل تعزيزها؟
3. تشجيع الأحزاب على تبني برامج واضحة وقابلة للتحقيق: لا يمكن مواجهة الشعبويّة إلا بأحزاب سياسيّة تمتلك رؤى واضحة لحل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية. الأحزاب مطالبة اليوم بتحديث آليات عملها وإشراك الشباب والخبراء في صياغة سياساتها بدل الاعتماد على الشعارات الفضفاضة. لكن هل الأحزاب التقليديّة مستعدة لهذا التحول؟ أم أنها أيضًا جزء من المشكلة؟
* الخلاصة في شكل أسئلة مفتوحة:
الشعبويّة ليست مجرد ظاهرة عابرة، بل هي نتيجة لتحولات عميقة وخلل عام في العلاقة بين المجتمع والسياسة. وعلى الرغم من أنها قد تحقق مكاسب سريعة لبعض السياسيين، إلا أن آثارها السلبية على المدى الطويل تجعلها تهديدًا للاستقرار الديمقراطي.
فهل يمكن القضاء على الشعبويّة تمامًا، أم أنها ستظل جزءً من المشهد السياسي طالما استمرت الأزمات والتحديات؟ وكيف يمكن إيجاد توازن بين خطاب سياسي قريب من هموم ومشاغل الناس دون السقوط في فخ التبسيط المخل والمزايدات؟





