د.رشيد حميمز
أستاذ التعليم العالي
باحث في العلوم الاجتماعية
في منشورٍ سابق، نقلتُ كلماتٍ حديثة للشيخ سيدي جمال، قالها أثناء فترة تعافيه ـ شافاه الله شفاءً تامًّا ـ في عيادة بمدينة وجدة. يمكنكم الاطلاع على الرابط هنا:
https://www.facebook.com/share/p/1Fsgr6NNQK/?mibextid=wwXIfr
كان كلام سيدي جمال واضحًا، لا لَبْس فيه ولا غموض:
«من لم يُسَلِّم لسيدي منير، فلن أُقِرَّه في الدنيا ولا في الآخرة. من عرف كيف يتعامل معه انتفع واستفاد. اتبعوه، اتبعوه، اتبعوه.»
إرثٌ موثَّق في الحسيمة
قبل أكثر من عام، وخلال زيارة سيدي جمال لفقراء مدينة الحسيمة بمنطقة الريف المغربي، خاطب أحد المريدين القادمين من الرباط، وكان برفقة مجموعة من الإخوان، قائلًا:
«سيدي منير ذهبٌ خالصٌ، وكما أن الشيخ الحاج عباس ـ ومن بعده والدي الشيخ سيدي حمزة ـ قد ضَمِنَاه، فأنا أيضًا أضمنه.»
هذه الكلمات، التي قيلت في مناسبات وأزمنة مختلفة، تلتقي عند حقيقة واحدة:
سيدي منير كنزٌ لا يُقَدَّر بثمن، وارثٌ أصيل للطريقة الصوفية، مُؤيَّدٌ ومُزَكّى من قبل سلسلة الأولياء الذين حملوا هذا السرّ عبر الأجيال، وحافظوا على أمانته في قلوبهم وأعمالهم.
إضاءة على حقيقتين عميقتين
ما أكتبه هنا ليس مجرد نقلٍ لكلمات سيدي جمال، بل هو تأملٌ شخصيّ في حقيقتين جوهريتين أبرزَهما بقوة. من الواضح أن هذا النص يمثّل رؤية محبّ صادق لسيرة سيدي منير — نظرة مشبعة بالمحبة والصدق، لكنها تبقى اجتهادًا بشريًا لا يُقصد به ادّعاء، ولا يُقدَّم كيقين مطلق، فالحقيقة الكاملة لا يدركها إلا الحقّ.
«من عرف كيف يتعامل معه انتفع واستفاد.»
«سيدي منير ذهبٌ خالصٌ.»
هاتان العبارتان تكشفان أن معرفة سيدي منير ليست مسألة ظاهرية تُدرَك بنظرة سطحية، ولا يُمكن الحكم عليه بمقاييس البشر الدنيوية. بل هي بصيرةٌ روحية لا يرزقها الله إلا لمن أخلص نيته، وتطهّرت سريرته، فاستطاع أن يرى ما وراء الأستار، حيث يكمن الذهب الحقيقي الذي يُجسّده سيدي منير.
ذلك الذهب الخالص الذي أشار إليه سيدي جمال، ليس شيئًا محسوسًا يُرى بالعين المجردة، بل هو مخبوء في نقاء النيّة، وفي عطاءٍ خفيٍّ لا يُعلَن، وفي مواقف الحكمة والصبر، وفي تضحيات لا يدركها إلا من رُزِق نور الفهم.
فمن تعامل مع سيدي منير بأدبٍ وتواضع، وبقلبٍ متفتّحٍ على الحقائق، أدرك هذا الكنز وجنى ثماره في الدنيا والآخرة. لأن اتباع سيدي منير ليس مجرد التزامٍ ظاهري، بل هو سلوك لطريقٍ نحو الارتقاء، طريق لا يُدرَك كماله إلا بقلبٍ طاهر وبصيرةٍ نافذة.
سيدي منير: التَجَسُّد الحَيّ للوَصِيَّة الرُّوحِيَّة
ماذا نرى في سيدي منير بعد هذه السنوات الطويلة من صحبته؟
الحقيقة التي تتجلّى بوضوح لا تقف عند حدود الكلمات والوصايا التي تركها الأولياء، وفي مقدّمتهم التوصيات الأخيرة لسيدي جمال. تلك الوصية، بما تحمله من عمقٍ روحيّ، تتجاوز مداركنا البشرية، ومع ذلك، لا يملك المريد الصادق أمامها إلا التسليم والتواضع.
لكن الأهمّ أن هذه الوصية ليست مجرّد كلماتٍ تُتلى، بل أمانة تُجسَّد وتُحيا. وهذا ما نراه جليًّا في سيدي منير: تجسيد حيّ لتلك الوصية، في سلوكه، وفي أخلاقه، وفي تربيته للفقراء.
الوصية مقدّسة، لكن مصداقيّتها تتجلّى حين تنعكس في السلوك اليومي، وفي الأفعال النابعة من القلب. وهذه المصداقية تظهر بجلاء في كيفية تعامل سيدي منير مع الناس، مع الفقراء، ومع محيطه. فهل تنسجم الوصية مع سموّ الأخلاق والفضائل التي يتحلّى بها؟
الجواب واضحٌ لكل من عرفه، وعاش قربه، وأدرك نوره؛ فالنور لا يُخفى، و الذهب الخالص لا يُقَدَّر بثمن.
التجرّد من الماديات: سيدي منير، قلب معلّق بالآخرة
يعيش سيدي منير في تجرّد عميق، في زمن أصبح فيه الكثيرون عبيدًا للمادة.
لم يكن سيدي منير من أهل التعلّق، ولا سكن حبّ الدنيا قلبه، وإن عاش فيها وبين أهلها.
كان يتعامل مع المادة كوسيلة، لا كغاية، وقلبه مشغولٌ بما هو أبقى.
فالتجرّد لا يعني الهروب، بل أن تكون في الدنيا… دون أن تكون الدنيا فيك. وهذا ما كان يعبّر عنه سيدي حمزة بهذه القولة البليغة: “أحمد في الحانوت، والقلب في الملكوت”.
يُروى عن أحد المريدين الذين رافقوه لسنوات طويلة قوله:
“ما زال يسكن في الغرفة نفسها التي التقيناه فيها لأول مرة قبل أربعين عامًا، في بيت والده. الغرفة نفسها، الخزانة نفسها، لا يملك عقارًا، ولا منزلًا آخر، ولا حتى سيارة فاخرة.”
ورغم المسؤوليات العظيمة التي يحملها على عاتقه — من نشر للطريقة الصوفية، وتنظيم لمؤتمرات عالمية مثل المؤتمر العالمي للتصوف — فإنه لا يزال يعيش في بساطة متناهية، غير مكترث بزخارف الدنيا، وكأن قلبه قد ارتقى فوقها. بل إن زهده يبلغ حد تحمّل ديون ثقيلة يعجز عن سدادها، لأن قلبه منشغل بالجوهر، غافل عن زخارف المادة. ورغم هذه الديون، يظل سيدي منير يعطي بلا حساب، كأنما خُلق للعطاء، حتى وهو يحيط به الضيق من كل جانب.
إذا كان هناك نور ثابت يخترق سلاسل مشايخ الطريقة، من الحاج عباس إلى سيدي حمزة، ومن سيدي جمال إلى سيدي منير، وارث السر الروحي لسلفه، فإنه نور التجرد التام من شوائب العالم المادي.
فلم يكن لهذا العالم موضع في قلوبهم، بل كان لديهم مجرد أداة في الأيدي، يُسخّرونها لخدمة الخير، لا تعلق فيها ولا وهم. وإن سعوا إليها، فليس لأنفسهم، بل لإطعام جائع، أو إعانة محتاج، أو تهذيب مريد، أو تفريج كرب.
فحب المادة وحب التسلط لا يجتمعان مع حب الله في قلوب الأولياء؛ إذ كلما تجلى الحضور الإلهي، انمحى من القلب كل شوق إلى التملك.
كرمٌ بلا حدود: عندما يصبح العطاء طبعًا لا تكلُّفًا
يحكي أحد المريدين الذين عرفوا سيدي منير عن قرب:
“لا مكان للماديات في قلبه، وجيبه لا يحتفظ بشيء. كل ما يصله يعطيه دون تردد.”
لكن هذا الكرم ليس مجرد عادة، بل هو حالة وجود.
لم يكن سيدي منير يومًا ممّن يُظهرون حاجتهم أو يشكون حالهم، مهما اشتدّ عليه الحال.
كان يعيش بين الناس بجسدٍ في الدنيا، وقلبٍ معلقٍ بالآخرة، لا يفكّر في نفسه، بل في جوع الفقراء واحتياجهم.
فالصبر والتجرّد سكنا جوارحه، وهمّ المساكين لم يفارق قلبه.
لا يشكو إلا إلى الله، ولا يتألم إلا لأجل من أُثقلهم الفقر وكسرهم العوز.
عطاءٌ يتدفّق كالنهر، بلا انقطاع
كرم سيدي منير يتجاوز الوصف. يروي أحد المريدين قائلًا:
“سيدي منير كريمٌ بلا حدود!”
ويضيف مريدٌ آخر حضر الجلسة:
“عندما تدخل على سيدي منير، لا تخرج أبدًا خالي اليدين، مهما كانت حالتك. لا بد أن تخرج بشيء: عطر، هدية، أو حتى لمسة اهتمام.”
لكن كرمه لم يقتصر على الزوّار والضيوف، بل امتدّ إلى سكان القرية المتواضعة “الحرشة” المجاورة للزاوية الأم، الذين كانوا يفدون إليه ويعودون محمّلين بالعطايا والبركة.
وكذلك كان حال فقراء الزاوية، الذين وجدوا فيه سندًا وعونًا، يمسح عنهم غبار الفاقة بكرمٍ لا يعرف الحدود
عطاءٌ يتخطّى الماديات: قلبٌ ينبض بالرحمة
كان سيدي منير يُعطي بلا حساب، رغم أنه مُثقل بديونٍ لم تكن لمصلحةٍ شخصية، بل تكبّدها من أجل خدمة الطريقة، وتمكينها من الاستمرار في أنشطتها الفكرية والدعوية، كالمؤتمر العالمي للتصوف، لتصل أنوارها إلى آفاق أوسع. لم تكن الممتلكات المادية تمكث طويلًا بين يديه، لأنها كانت تختفي سريعًا بين يدي المحتاجين. وكان دائمًا يقول لي:
“ليس لديّ، لكني أُعطي… ويجب أن أُعطي.”
هذا العطاء لم يكن تصرفًا عابرًا، بل انعكاسًا لحقيقة كيانه، لأن قلبه لم يكن معلقًا بالمادة، بل متصلًا بنبع الرحمة الإلهية الذي لا ينضب. كان يعيش بمقولة النبي (ﷺ).
«ما نقص مالٌ من صدقة، بل تزده، بل تزده…»
وقد جسّد هذه الحكمة النبوية في حياته اليومية، حتى صار العطاء جزءًا لا يتجزأ من كيانه؛ فقيرًا في الدنيا، غنيًا بالله.
تواضع يتجاوز المواقف: دروسٌ في الأدب والصمت الحكيم
لا يمكن إدراك أدب سيدي منير إلا من خلال مواقفه، فالتصوف في جوهره مواقف لا عواطف — أي ليس مجرد مشاعر عابرة.
ذات يوم، طلب بعض مسؤولي الطريقة لقاءه في زاويةٍ بإحدى المدن المغربية، وقالوا له:
“أنت طالب، أما نحن فقد عيّننا سيدي حمزة مسؤولين. حلقات الذكر من اختصاصنا.”
كانوا يعتبرون النشاط الذي يقوده سيدي منير مع الفقراء تجاوزًا لصلاحياتهم. بل إن أحدهم قال له صراحة:
“أنت مجرد مريد مثلنا.”
استمع إليهم سيدي منير برأس منحنٍ وصبر عجيب، ثم أجابهم بتواضع نادر:
“أشكركم. أنا حقًا واحد منكم. وإذا رغبتم في أن أتوقف عن تنظيم حلقات الذكر، فسأمتثل لذلك بصدر رحب ودون تردد. وسأكتفي من الآن فصاعدًا بمتابعة دراستي.”
وبقي جالسًا معهم ساعتين كاملتين، برأسٍ منخفض، دون أن يذكر ولو مرة واحدة أنه حفيد الشيخ، أو أنه صاحب رسالة موكولة إليه.
وفي نهاية اللقاء، نهض وقبّل رؤوسهم، طالبًا منهم السماح والدعاء.
هذا الموقف، المفعم بالحِلم والتواضع العميق، يُعد من أروع تجليات شخصيته. فقد اختار الامتثال في صمت، بدل الدخول في جدال قد يُفسد روح المحبة والإخلاص، واضعًا مصلحة الطريقة فوق كل اعتبار شخصي. بل أنصف نفسه ورفع من قدرهم.
قلبٌ مع المحرومين: عطاءٌ ينبض بالرحمة
تجلّى نُبل سيدي منير في حرصه الدائم على المحتاجين والمنسيين. أثناء وجبات الزاوية، وبينما كان الجميع منشغلين بالأكل، كان سيدي منير يختلس جزءًا من الطعام بهدوء، ويطلب إيصاله لفقير يجلس في الزاوية، غارقًا في ذكره.
لم يكن يستطيع أن يأكل مرتاحًا وهو يعلم أن أحدًا بالقرب منه يعاني الجوع.
كان قلبه دائمًا مع الضعفاء والمحرومين، وكان يرى أن:
“لا أحد تافه في عيون الله، فلا ينبغي أن يُهمل أحد.”
حماية المستضعفين: غيرة لا تهدأ، وعدالة لا تخشى اللوم
يروي أحد الفقراء المتواضعي الحال، ممّن كانوا شهودًا على سلوك سيدي منير عن قرب:
“ذات يوم، كنا جالسين مع سيدي منير في الرباط، في مجلسٍ ضمّ بعض المريدين المثقفين، نتبادل الآراء حول قضايا الطريقة. أبديتُ رأيًا متواضعًا، فهاجمني أحدهم بحدةٍ وبألفاظ جارحة.
سألني سيدي منير إن كان لديّ ما أقول، فصمتُّ أولًا، ثم قلت:
«أستطيع الرد، لكن ما يمنعني هو الأدب الذي تعلمته في هذه الطريقة، ومقامكم الذي لا يسمح بذلك.»”
حينها التفت سيدي منير إلى ذلك المريد، وقال له بحزمٍ ممزوجٍ بالحكمة:
“الطريقة لا تحتاج إلى مثقفٍ يُفرّغها من جوهرها. الطريقة، قبل كل شيء، مسارٌ تربوي يُهذّب النفوس ويرتقي بها…
فأخبرني، ماذا جنيتَ من هذه الطريقة إن لم تُهذّب لسانك؟”
في ذلك اليوم، رأيتُ في سيدي منير إحدى أبرز سماته: غيرةٌ نبيلة، وحمايةٌ لا تلين للمستضعفين.
لم يكن يقبل أن يُهان مريدٌ ضعيف أو يُحتقر، وكان قلبه دائمًا في صف المظلومين، يذود عنهم بلسانه وقلبه، كأنما يحمي كرامتهم وكأنها جزء من كرامته.
البحث عن المحتاجين: عطاءٌ يسبق الطلب
يحكي أحد المريدين:
“المحتاجون لا يأتون إلى سيدي منير، بل هو الذي يبحث عنهم.”
ويضيف:
“ذات مرة، أعدّ سيدي منير قائمة بأسماء المحتاجين — فقراء، عائلات معوزة، حتى من غير المريدين — كان قد رصدهم بعناية، ثم قال لي:
«سيدي، يجب أن نوفر خروفًا لكل هؤلاء في العيد. هذا أمر ضروري. لا ينبغي أن يُحرم أحد من فرحة العيد.»”
لم تكن هذه مجرد نية حسنة، بل التزامًا عمليًا كاملًا. ضمّت القائمة عشرات، وأحيانًا مئات الأسماء، وأُرسلت الأضاحي إلى مدن بعيدة كي لا يُنسى أحد.
لم يكن سيدي منير يكتفي بمساعدة من يطرق بابه، بل كان يبحث بنفسه عن المحتاجين، أولئك الذين تمنعهم كرامتهم من طلب العون.
عامًا بعد عام، كان يحرص على أن يحتفل كل محتاج بالعيد بكرامة وسعادة.
كان يعطي بلا حدود، ويبحث عن الفقراء حتى قبل أن يأتوا إليه، كأن العطاء يسبقهم ليصلهم قبل أن يشتكوا أو يُظهروا حاجتهم.
سيدي منير: قلبٌ مفعم بالرحمة، وعطاءٌ لا ينضب
هذه هي صورة سيدي منير: قلبٌ يفيض بالرحمة، وروحٌ تسابق الزمن لإغاثة المحتاجين، ونفسٌ تُعطي في صمت، كأنما العطاء صلاتها الدائمة.
لقد جسّد سيدي منير، كما قلت سابقًا، قول النبي (ﷺ):
«ما نقص مالٌ من صدقة، بل تزده، بل تزده…»
كان عطاؤه يزداد كلما أعطى، لأن قلبه كان متصلًا بنبعٍ لا ينفد. كان يعطي بقلب مطمئن، يعلم أن ما عند الله خير وأبقى.
هكذا عاش سيدي منير، ولا يزال، نموذجًا حيًا للزهد في الدنيا والارتباط بالآخرة؛ لا يملك من متاع الدنيا شيئًا، لكنه يحمل كنزًا لا يُقدَّر بثمن: قلبًا لا يعرف إلا العطاء.
قلبٌ لا يختزن شيئًا لنفسه: العطاء جوهره
في زيارةٍ حديثة، أحضر أحد المريدين لسيدي منير بعض قوارير العسل التي جمعها بعناية، ثمار جهدٍ متواضع من خلايا النحل القليلة التي يمتلكها.
كان هذا العسل يعني له الكثير، لكنه قدّمه لسيدي منير بكل محبةٍ وإخلاص، كأنما يهديه قطعةً من قلبه.
وما إن وضع القوارير أمامه، حتى أخرج سيدي منير أوراقًا نقدية من جيبه وناولها له. انتفض المريد مندهشًا، وقال:
“لا يا سيدي، لم أحضر هذا لأتقاضى مقابله مالًا.”
لكن سيدي منير أجابه بلطفٍ وبسمةٍ هادئة:
“أنت قدّمت لي ثمرة جهدك، ولكن الهداية يجب أن تكون متبادلة، ولك مني جزيل الشكر والتقدير.”
لم يكن سيدي منير يقبل هدية، مهما كانت بسيطة، دون أن يُكافئ مُقدّمها. قلبه النقي لم يكن يحتمل أن يأخذ شيئًا دون أن يُعطي في المقابل، لأنه كان يرى أن كرامة الإنسان تتجلّى في عطائه، تمامًا كما تتجلّى في طريقة تلقيه للهدايا.
هذا الموقف لم يكن مجرد تصرفٍ عابر، بل انعكاسٌ صادق لنبل روحه، وحرصه الدائم على الإنصاف، وتقدير محبة المخلصين.
كل فعلٍ صغير عنده، كان يحمل في طياته معنىً أعمق، لأن قلبه مشبعٌ بفهمٍ دقيق لما تعنيه الكرامة الإنسانية والتوازن في الأخذ والعطاء.
سيدي منير: مرآة حيّة للوصية، في كل لحظة
فضائل سيدي منير لا تُختزل في كلماتٍ أو خطب، بل تتجسّد في أفعاله التي تنبض بالحكمة والرحمة.
في تلك المواقف الصامتة، الكبيرة منها والصغيرة، يتجلى جوهر روحه.
لم يكن يسعى إلى تجسيد الوصية التي تركها الأولياء… بل عاشها ببساطة وتلقائية، حتى أصبحت جزءًا من كيانه، ومرآةً حيّة لها.
كان يتنفس الوصية كما يتنفس الهواء، بلا تصنّعٍ أو تكلّف.
لم يكن يكررها بلسانه، بل كان يُجسّدها في سلوكه وتعامله مع الناس.
كانت تنبض في كل نظرة، وتُعاش في كل حركة، وتتجلى في أدق تفاصيل حياته اليومية.
وهذا هو جوهر العظمة الحقيقية: أن تتحول الوصية من كلماتٍ محفوظة إلى حياةٍ تُعاش، أن تُصبح جزءًا من الذات، تتنفسها وتُجسدها في صمت يُنير القلوب.
الذهب الخالص الذي لا يُقدَّر بثمن
وهذا بالضبط ما يجعل سيدي منير ذلك الذهب الخالص، الذي لا تُدرك قيمته إلا بصيرة ترى ما وراء الظاهر.
الذهب الخالص، النقي، الصافي، النادر، تشعّ منه الحكمة والمحبة.
وهو ما يترك أثرًا عميقًا في الأرواح، يغيّر القلوب، ويعلّم الناس أن العطاء الصادق هو ما يظل خالداً في الوجدان.
وهكذا، كان سيدي منير يُعطي بلا حساب، لا طلبًا لمقابل، بل لأن العطاء كان جوهره، ونبض روحه، وامتدادًا لما ورثه عن أسلافه.
وكل من عرفه، لم يجد أصدق من وصف والده الشيخ سيدي جمال له: “الذهب الخالص”، كنزٌ لا يُقدّر بثمن، لأنه نور يتجلّى في المواقف، لا في الكلمات التي تُتلى
ومهما ظننا أننا أدركنا حقيقته، فمعرفة سيدي منير في الظاهر، كمعرفة السيف في غمده.
سيدي منير: حضورٌ يلامس جميع شرائح المجتمع
في مداخلة سابقة له بزاوية مدينة الرباط، أشار سيدي أحمد قسطاس إلى أن على المريد أن يتحلّى بصفة أساسية:
التسليم — أي تفويض القلب واستسلامه لله.
وقد أكّد على ضرورة أن نكون “مُسَلَّمِينَ” بكل كياننا، في علاقتنا مع الجميع، وبالأخص مع شيخنا أو وارثه الروحي.
فمواقفهم، حتى وإن بدت لنا غير منطقية أو مستحيلة، أو خالفت كل معيارٍ ظاهري، تتطلب تسليمًا واثقًا.
لأن في هذا التسليم غيابًا للحكم المسبق، ذلك الميزان الذي قد يكون قاتلًا لمسارنا الروحي.
انفتاح على الجميع: دعوةٌ بلغة الناس
من أبرز تجليات انفتاح سيدي منير على جميع مكونات المجتمع، اهتمامه الظاهر بكرة القدم والمناسبات الرياضية، سواء مع نادي نهضة بركان أو مع المنتخب الوطني.
يحكي أحد المريدين القدامى:
“سألني مريدٌ ذات يوم:
يا سيدي، أنا مندهشٌ من انخراط سيدي منير في شؤون كرة القدم، ودعمه لنادي بركان…”
فأجبته:
صحيحٌ أنه يحب كرة القدم، لكن سيدي منير ليس لشريحة بعينها، بل هو ملك للجميع:
للاعب الكرة، وللموسيقي، وللسكير، وللمطيع، وللعاصي.
ألم تلاحظ كيف يستقبل في الزاوية الموسيقيين والمغنين وغيرهم؟
لاعبو نادي نهضة بركان، والأفارقة من مالي والسنغال وغيرهما، كثيرٌ منهم انتهى بهم المطاف في الطريقة الصوفية، بعد أن لمسوا كرمه وحنانه.”
ثم أضاف:
“كان نادي بركان يمرّ بأزمة مالية خانقة، فتدخّل سيدي منير بمبلغٍ قدر استطاعته.
وكان لهذا التدخل أثرٌ عميق: فقد غيّر نظرة مشجعي النادي إلى الزاوية.
من نظرة لا مبالاة، وأحيانًا عداء، أصبحت الزاوية تحظى باحترام وتقدير جديدين.”
سيدي منير دائمًا في حالة دعوةٍ إلى الله، بأساليب يفهمها الناس.
ومن أدرك هذا، فقد فُتح عليه باب المعرفة.
وأما من لم يُدرك، فتسري عليه قولة سيدي عبد الرحمن المجذوب: “الخلق هم الحجب الأعظم”، دون أن ينتبه أن “المدخل فيهم” — كما يقول — أي أن الحجاب في قلبه قبل أن يكون في غيره.
وسيدي عبد الرحمن نفسه، رضي الله عنه، كان حجابًا أعظم لكثير من معاصريه، إذ لم يدركوا سره، رغم قربهم منه.
رؤية استراتيجية تتجاوز الظاهر: تجديد صورة الزاوية
أكد سيدي منير هذه الرؤية بنفسه خلال زيارته الأخيرة إلى الرباط. وبينما كنا جلوسًا إلى مائدته، قال لنا:
“البعض يتعجّب من اهتمامي بكرة القدم. صحيح أني أحبّها، وقد رافقتني منذ نعومة أظفاري لاعبًا ومُحبًّا، لكن ليس إلى حدّ الهوس.
ما لا يعرفونه هو تأثير ذلك على صورة الطريقة. لطالما نظر الناس إلينا كمتنسكين، منعزلين في الزاوية، بعيدين عن هموم المجتمع.
لكن بحضورنا المباريات، نصبح جزءًا من الحياة اليومية، قريبين من الناس حيث هم.
في كل مباراة أحضرها، العشرات من عمّال الملعب — من عمال النظافة، والموظفين، وجامعي الكرات — يأتون إليّ بعد المباراة طالبين المساعدة.
وأُعطيهم.
في كل مرة أذهب فيها لمتابعة مباراة، أضع في جيبي ما لا يقل عن ثلاثة آلاف درهم لأوزّعها على المحتاجين.”
ثم أضاف:
“هذا الاهتمام الذي أُبديه تجاه أهالي بركان وناديهم ليس مجرد وَلَعٍ بكرة القدم،
بل هو خطوة واعية لتصحيح صورة الزاوية.
لذلك، لا ينبغي للفقراء أن يحكموا عليّ بظاهر الأمور، بحجة أن هذا السلوك يبدو بعيدًا عن الروحانية.
فمن فهم الباطن، أدرك الحكمة.”
وهذا هو جوهر الرسالة الصوفية: الذهاب إلى الناس، حيثما كانوا، وحمل النور إليهم في أي سياق.
فالحقيقة لا تُقيّدها الأمكنة، بل تتجلّى في كل زمانٍ ومكانٍ لمن سعى إلى فهمها بصدق.
يرى سيدي منير في كرة القدم ساحة حيّة لتجسيد القيم الروحية. ففي الملعب تتجلّى معاني التضامن، والتعاون، والإيثار، والصبر، والتواضع:
حيث يلعب الفريق بروح واحدة، يصنع اللاعب الفرصة لزميله، يلتزم الهدوء أمام الاستفزاز، يتجاوز الزلّات، ويُضحّي بذاته من أجل مصلحة الفريق.
بالنسبة له، كرة القدم ليست مجرّد فرجة أو سباق نحو الانتصار،
بل هي انعكاس حيّ للمبادئ التي يؤمن بها.
وعندما يجسّد فريقٌ ما هذه القيم النبيلة، يصبح سفيرًا حقيقيًا لوطنه، لا بأدائه فقط، بل بأخلاقه وروحه الرياضية.
أما المريد الذي يُتابع المباراة بهذه النظرة الواعية، فيراها مرآةً تعكس مدى تقدّمه أو تعثّره، ما يدفعه إلى محاسبة نفسه والثبات على طريق السلوك الروحي.
نحن هنا أمام تساؤل جوهري:
هل يشبه نظرُ أولياء الله نظرَنا؟
وكيف يسوغ لنا أن نحكم على مداه أو نقيس صوابه، ونحن نجهل المعايير التي تنسج هذا النظر من أعماق الغيب؟
إنه نظرٌ يتجاوز الأطر المألوفة، يستمدّ نوره من مصدرٍ أرفع من الإدراك العادي، ويقوم على بصيرةٍ موهوبة لا تُوزن بمقاييس العقول المجرّدة.
الصوفي ابن زمانه: حضورٌ في قلب المجتمع
هنا نلامس جانبًا جوهريًا من حقيقة التصوف في عصرنا:
كيف ندعو الناس إلى طريق الله إن لم نظهر لهم أننا منهم، نشاركهم همومهم، ونتفاعل مع اهتماماتهم، ونحضر معهم في لحظات الفرح والألم على حدّ سواء؟
هل يُعقل أن نؤثّر في القلوب ونحن ننظر إلى المجتمع من برجٍ عالٍ، نطلب منهم أن يصعدوا إلينا بينما نرفض النزول إليهم؟
كلا، الأمر لا يسير هكذا. لا بد للصوفي الحق أن ينزل إلى الناس، أن يختلط بهم في أدنى مستويات المجتمع، ثم يرفعهم رويدًا رويدًا نحو آفاق أسمى.
في هذا القرب الصادق، تنبت بذرة الوعي بحقيقة أعمق: طريق العودة إلى الله.
هكذا كان دأب الأولياء دائمًا، وهكذا فعل سيدهم محمد (ﷺ).
فلنعد إلى قراءة سيرته: سنجدها نموذجًا حيًا للقرب الحقيقي من الناس بمختلف فئاتهم، وانخراطًا عميقًا في واقعهم الاجتماعي والاقتصادي والروحي.
أي مصداقية لخطابنا إن بقينا بمعزل عن هموم الناس؟
كيف نطمح أن نكون أدوات تغييرٍ ونحن غرباء عن آلامهم وآمالهم؟
الصوفي الحق لا يعيش على هامش عصره؛ إنه ابن زمانه — وليد المجتمع الذي يعيش فيه، واعٍ تمامًا بوقائعه، لكنه قادرٌ على تجاوزها، ليفتح للنفوس بابًا نحو النور.
تلك هي الحكمة الأزلية التي توارثتها الأجيال:
“الصوفي ابن زمانه”، متجذرٌ في زمنه ومجتمعه، لكنه في الوقت نفسه نورٌ ينير الطريق إلى عوالم أسمى.
سيدي منير: الصدق والصراحة بلا مواربة
من أبرز سمات سيدي منير، كما تتجلى في مواقفه، الصدق والصراحة.
إذا رأى أحدًا يخطئ أو يحيد عن الجادة، يقول له الحق بلا مواربة ولا تزييف.
كلماته المجردة من الزخارف قد تفاجئ أحيانًا أو تُصدم، لكنه يرى أن الحق حقٌ، والباطل باطل.
لا يُخفي شيئًا، ولا يغطي على أي حقيقة، حتى وإن بدت قاسية.
سيدي منير واضحٌ وصادقٌ في قوله وفعله، لا يعرف الالتواء ولا المداراة. ويجب أن نتقبله كما هو.
لكن هذا الحزم لا يترك في قلبه مكانًا للحقد.
في اليوم التالي، قد ينادي من قال له الحقيقة ويعامله وكأن شيئًا لم يكن.
لا يحمل في قلبه ضغينة، ولا يُبقي أثرًا للألم.
كما يقول هو بنفسه:
“أنا أحرق وأكوي فورًا.”
يتعامل بالعدل والإنصاف، وإن وبّخ أحدًا فلكونه أخطأ فعلًا.
لا ظلم عنده ولا تجاوز، فقط حرصٌ صادق على إعادة الأمور إلى نصابها.
قلبٌ يعفو حتى في المحنة: الرحمة فوق الجراح
يروي أحد المريدين:
“مرّ سيدي منير بامتحان مؤلم، حين حاول بعضهم الإساءة إليه أمام الشيخ سيدي حمزة.
كانت تلك الخيانة طعنة غائرة، تركت جرحًا عميقًا في قلبه.
ومع ذلك، تجاوز هذا الظلم، وعفا عنهم، ولم يحتفظ في قلبه بأي أثر للضغينة تجاه من آذوه.”
بل وأكثر من ذلك، حين واجه هؤلاء أنفسهم محنًا صعبة — خصوصًا بعد أن غضب عليهم سيدي حمزة بسبب بعض التصرفات غير اللائقة — كان سيدي منير أول المدافعين عنهم، يترافع عنهم أمام الشيخ بكل ما أوتي من قوة، ناسيًا كل الأذى الذي تسببوا فيه له.
في ذلك اليوم، رأينا عظمة روحه؛ روحًا تتجاوز الحقد، وتحتضن العفو في أسمى معانيه.
وكان ذلك تجسيدًا حيًّا لقول الله تعالى:
{وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}
سورة آل عمران، الآية 134
سيدي منير: مدرسةٌ في التسامح الحقيقي
ما قدّمه سيدي منير لم يكن موقفًا عابرًا، بل كان درسًا عميقًا في التربية الروحية.
يُعلّمنا أن العفو لا يكون كلماتٍ تُقال، بل حالة قلبية تتجاوز الجراح، وتفتح أبواب الرحمة حتى لمن أساؤوا.
في زمنٍ أصبح فيه الحقد سيّد المواقف، يُذكّرنا سيدي منير بأن القوة الحقيقية تكمن في أن تسامح، وأن تعفو، وأن تنسى الإساءة؛ لتبقى القلوب نقية، والأنفس صافية، مستعدة لاستقبال نور الله.
كثيرًا ما يُسمَع سيدي منير يردّد هذا الحديث النبوي الشريف، قائلًا:
“هذه هي طريقة نبينا، وهذه هي سُنّة السالكين في الطريق الصوفي.”
وليس ترديده له مجرّد ذِكر باللسان، بل هو سعي دائم وجهاد صادق لتجسيد معانيه في السلوك والروح.
إنه حديث يُلخّص جوهر الرسالة المحمدية:
السمو في المعاملة، والتخلّي عن التعلّق بالدنيا، والتطهّر من نوازع النفس.
هو دعوة للتحرّر من حبال العالم الحسي، والصعود إلى مقام الأرواح المصفّاة، أولياء الله وأصفيائه.
“صِلْ من قطعك، واعفُ عمَّن ظلمك، وأعطِ من حرمك.” (حديث نبوي)
العفو البشري والعدل الإلهي: حقيقة روحية عميقة
علينا أن نتأمل بعمق في هذه الكلمات الجليلة التي قالها سيدي جمال لأحد مقرّبيه:
“أنا كإنسان أعفو دائمًا، لكن المقام قد لا يعفو.”
كلماتٌ محمّلة بدلالاتٍ عميقة، تكشف عن حقيقة روحية سامية: هكذا هي الولاية.
فالولي، وقد تشرب قلبه برحمة الله، يعفو بلا تردد، لأن قلبه مرآة لرحمة الله الواسعة.
لكنه، في مقامه الروحي، عبدٌ لله، خاضعٌ لأمره، وفي هذا المقام قد يتجلّى العدل الإلهي.
الوليّ قناةٌ لرحمة الله، لكنه أيضًا شاهدٌ على الحق، والحق قد يقتضي حكمًا لا تعلّقه الرحمة البشرية.
التوازن الدقيق بين الرحمة والعدل
تاريخ التصوف مليء بأمثلة لأولياء، رغم عفوهم الصادق، ولينهم اللامحدود مع من أساء إليهم،
شهدوا تجلّي العدل الإلهي بما يتجاوز إرادتهم.
ذلك لأن الولي، في مقامه، لا يتصرّف من تلقاء نفسه، بل هو خاضع لمشيئة الله،
ولا يتدخل في إرادة الحقّ الإلهي.
وحين يقتضي ميزان العدل الإلهي قصاصًا أو جزاءً، لا يملك الولي الاعتراض،
لأن المقام لله، لا للإنسان.
وفي هذا التوازن الدقيق بين رحمة الولي وعدل الله المتجلّي من خلاله، يكمن سرّ الولاية.
فمن ظنّ أنه نجا من العقوبة بعفو الولي البشري، قد يصطدم — دون أن يدري — بحقائق العدل الإلهي،
الذي يسير وفق قوانين لا يعلم كنهها إلا الله بحكمته المطلقة.
نعرف جميعًا هذه القصة المدهشة عن الشيخ العارف بالله المغربي مولاي العربي الدرقاوي (نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر).
ذات يوم، وبعد أن حلق رأسه عند الحلاق، جاء رجل وسخر منه، فوضع يده على رأسه المكشوفة وقال ساخرًا:
“آش هاد الدلاحة (يا لها من بطيخة)!”
فأسرع الناس إلى مولاي العربي، يطلبون منه أن يعفو عنه.
فأجابهم بهدوء:
“طبعًا، الأمر لا يساوي شيئًا.”
لكن في اليوم التالي، عُثر على الرجل مشنوقًا في بيته.
فجاءوا إلى الشيخ متعجّبين:
“ولكن يا سيدي، ألم تعفُ عنه؟”
فأجابهم:
“أنا عفوت… لكن مول الدلاحة غار على دلاحته!”
خاتمة: إرثٌ يتجسّد بنُبلٍ يتجاوز الكلمات
إن اختزال قيم سيدي منير في بضعة أسطر مهمةٌ عسيرة، نظرًا لثراء شخصيته وعمقها.
وما حاولنا فعله هنا ليس سوى إضاءة على بعض من سماته، من خلال المواقف — تلك اللحظات الفاصلة التي تتجلّى فيها حقائق النفوس — لنُدرك أن وارث هذا الإرث الروحي العظيم لم يدّعِ مقامًا لم يكن أهله.
ومع مراعاة الفارق والمقام، كما كان حال صحابة النبي (ﷺ)، الذين، بعد ملاحظتهم الدقيقة لكل تفاصيل حياته، لم يجدوا إلا أن يشهدوا بقول الله تعالى:
{وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم: 4)
فكذلك الفقراء الذين عاشروا سيدي منير على مرّ السنين، لا يمكنهم إلا أن يشهدوا على صدق نظرة العارفين، الذين تعاقبوا منذ زمن الحاج عباس، وبشّروا بمن يحمل هذا النور.
فمن خلال تواضعه الجم، وجوده الدائم، شجاعته الأخلاقية، وقربه الصادق من المستضعفين،
يجسّد سيدي منير هذا الإرث بنُبلٍ يتجاوز الوصف.
مكانته لم تكن لقبًا موروثًا، بل واقعًا معاشًا،
اختبره وشهد به من عرفوه، لا من خلال الأقوال فحسب، بل من خلال الأفعال… وقبل كل شيء، الصدق الذي لا يُزيّف.





