رقية العملي
في أطراف قرية بعيدة تعيش البطانية مع المارد في القمقم.
والمارد دفش لا يعرف اللطف؛ يرميها على الأرض فتتوجع وفي الليل يلفها على جسمه فتشعر بالعذاب فيداه قويّتان تشدان عليها فتتوجع.
والمارد بطبعة كسولٌ ومهملٌ، لا يهتم بتنظيف البطانية.
تضايقت البطانيّة من البق الملتصق حولها ومن الغبار والأتربة التي حوّلت لونها الأبيض إلى اللون البني.
فكرهت حياتها وقررت أن تفعل شيئاً يغير حالها، فمن غير المعقول أن تبقى في هذه القذارة وأن تتحمل المعاملة السيئة، لذلك فكرت في طريقة للهروب تعيدها للحرية وللنظافة.
كعادته كلّ صباح خرج المارد وبقت البطانية لوحدها.
نادت على الهواء:
– “النجدة …. يا أيّها الهواء أنقذني من المارد”.
لكنّ الهواء اعتذر:
− “أنا آسف لا أستطيع مساعدتك فأنا لست قوياً كفاية لحملك وتطيريك.”
− “لكني بحاجة للهروب فالمارد مزعج ومخيف ولو بقيت هنا سأموت من القذارة. أرجوك أفعل شيئاً!”
فكّر الهواء :
− “حسناً سأجرب!”
نادى الهواء على الريح وقص عليه معاناة البطانية في قمقم المارد:
− “نعم لقد لاحظت بأنّ المارد يخرج ولا يسمح للبطانية بالخروج للعب مع الهواء، لذلك سأعمل خطة لتخليصها منه.”
هبّ الريح بشدة وعوى بصوتٍ عالٍ وأسرع لكي يصل للبطانية قبل عودة المارد.
لمّا وصل هناك سحب البطانية فطارت معه!
في هذا الوقت حصل شيءٌ غير متوقع.
رأى المارد البطانية تسرح فركض وراءها، وأخذ يسابق مهب الريح مرة يجري ومرة يقفز قفزات عالية محاولاً الإمساك بالبطانية، لكنّ الريح اشتدت أكثر ففلتت منه البطانية.
على متن الريح، مرت البطانية على الأحراش والجبال والوديان، وشاهدت جمال الطبيعة الخضرا وتمتعت بأشعة الشمس التي حرمت منها لسنوات كما ورأت الصدف والحلزونوالمرجان عند شاطىء البحر. وطربت لسماع زقزقات العصافير التي كانت تطير بجانبها.
ما زالت الريح تهرب جاهدة من المارد بينما البطانية تتوسل به الإسراع. لكنّ الريح تعبوخاف فعلاً أن يضعف ويترك البطانية للمارد. فاستنجدت الريح بالغيوم ونادت الرعد والبرق.بينما المارد ما زال يركض نزل مطر غزير واشتدت العاصفة وبرقت السماء ودوى الرعد فبللت مياه المطر المارد وشعر ببرد شديد وإعياء فعرف بأن الطبيعة القوية أخذت منه بطانيته فرجع مهزوم لقمقمه.
أخذت الريح البطانية للضفة الثانية من النهر وعلقتها على غصن شجرة.
بدأت البطانية تتعافى بسبب أشعة الشمس القوية التي قتلت البق. عاشت البطانية لأيّام على الشجرة بجانب خيمة كبيرة فيها حلبة في الوسط ومقاعد ومدرجات مكتوب عليها “خيمة السيرك”.
لمّا رأى البهلوان البطانية قال:
– “أنا بحاجة ماسة لهذه البطانية.”
ضحك المهرج منه:
– “لكنّها وسخة كيف ستأخذها!
لم يهتم البهلوان لكلام المهرج:
غسل البطانية بالماء الدافىء والصابون وعلّقها على الأغصان.
جفت البطانية ورجعت بيضاء كما كانت.
فكّر البهلوان وقال:
“هذه بطانية لونها أبيض ولن تلفت نظر الأطفال.”
فابتكر طريقة لتكون جذابةً؛ فألصق عليها حباتَ لؤلؤ، كما وأحضر أبرة وخيط وقام بتركيبأزرار ملونة: الأخضر والأحمر والأصفر والزهري والأسود والأبيض، ولكي يزيدَ جمالها تلمع لبراقتها العيون، استعمل أزراراً فضيةً وذهبيةً، فصارت البطانيةُ مزركشةً.
في خيمة السيرك، يدخل البهلوان الحلبة وعلى كتفه البطانية المزخرفة يحي الجمهور فيصفقون له، بعدها يضع البطانية جانباً بكل لطف ثم يبدأ بعمل حركاته البهلوانية التي تُضحك الأطفال.
من يومها والبطانية تعيش سعيدة؛ نظيفة ملونة يخرجها البهلوان كلّ صباح للتنزه، تغني وتمرح ولمّا يمر الريح من جنبها تشكره على المعروف.





