عبد القادر الفرساوي
في خضم ما نشرته صحيفة “إيل موندو” الإسبانية عن انسحاب جواسيس المركز الوطني للاستخبارات الإسباني (CNI) من المغرب، يتبادر إلى الذهن سؤال بسيط لكنه عميق: هل بالفعل تخلت إسبانيا عن التجسس داخل التراب المغربي؟ أم أن الحقيقة أكثر تعقيدا من مجرد عنوان مشوّق؟
الواقع أن ما جرى لا يمكن اعتباره انسحابا بالمعنى الأمني، بل هو تصحيح لمسار طالما كان مُربكا. لقد ولت الأيام التي كان فيها المغرب مسرحا شبه مفتوح للجواسيس والمخبرين، الذين يتحركون في الأزقة والدوائر والمجالس دون أن تعترضهم السيادة. نحن اليوم أمام مغرب جديد، مغرب الشروط، مغرب الشراكة لا التسلل، مغرب يضع الإطار القانوني، ويدير التعاون الاستخباراتي من موقع القوة، لا الخضوع.
الانسحاب المزعوم لا يعني انقطاعا في التنسيق، بل تطورا في الأدوات والأساليب. فمنذ توقيع عدد من الاتفاقيات الثنائية بين مدريد والرباط، وعلى رأسها مذكرة التعاون الأمني لسنة 2019، أصبح تبادل المعلومات الاستخباراتية يتم عبر قنوات رسمية، مؤطرة، وبتوقيت مشترك، خاصة في ملفات تتعلق بالإرهاب والهجرة غير النظامية وشبكات الاتجار بالبشر.
وما لا يفهمه البعض في الإعلام الإسباني، أو يتجاهله عمدا، هو أن المغرب منذ 2016 قد انخرط في عملية إعادة هيكلة شاملة لأجهزته الأمنية والاستخباراتية، بتوجيه من أعلى سلطة في البلاد، ووفق رؤية توازن بين الانفتاح والتشدد، وبين التعاون والسيادة. هذه الرؤية لا تترك مجالا لتحركات فردية خارجة عن الإطار.
بل إن المغرب، كما جاء في عدة تقارير أوروبية من بينها تقرير مجموعة إينيسغ (INESG) حول التعاون الأمني في المتوسط، بات يشكل محورا استخباراتيا مهما لدول الاتحاد الأوروبي، خاصة بعد نجاحه في تفكيك عدة خلايا إرهابية كانت تستهدف إسبانيا وبلجيكا وفرنسا. في ظل هذه المعطيات، هل من المنطقي أن ترسل مدريد جواسيسها في الخفاء وهي تتلقى المعلومات في العلن؟
وحتى من الناحية السياسية، لا يمكن فصل هذا التحول عن الموقف الإسباني الجديد من قضية الصحراء، حيث دعمت مدريد رسميا مبادرة الحكم الذاتي المغربي، في خطوة فهمت على أنها بداية صفحة جديدة مع الرباط. فهل من المعقول إذا أن تغامر إسبانيا بهذه العلاقة عبر أنشطة استخباراتية غير مشروعة؟
ثمّة من يحاول التهويل داخل الإعلام الإسباني أو بعض الأوساط المتشددة في أجهزة الأمن، ويعتبر أن سحب العملاء “خسارة” استراتيجية. لكن الحقيقة أن السيادة لا تقاس بعدد العملاء في الميدان، بل بعدد الشراكات المستقرة التي تنجح في تحييد المخاطر. والمغرب أثبت أنه شريك يعتمد عليه، لأنه في لحظة الحسم، يسلّم الملفات الأمنية لا وفق ما يطلب، بل وفق ما يليق بشريك محترم.
من يريد أن يعرف خريطة التحولات في شمال إفريقيا، أو يتحقق من نشاط الجماعات المسلحة في الساحل، أو يراقب تحركات مافيات الهجرة… فليطرق الباب، والمغرب سيجيبه. لا حاجة لتسلل ولا زرع جواسيس. لقد انتهى ذلك الزمن.
إن ما تغيّر ليس فقط سلوك الجار، بل أيضا قواعد اللعبة. من الفوضى إلى النظام، المغرب لم يعد ملعبا مفتوحا، بل صار أرضا تصنع فيها القواعد… والجار، إن أراد أن يبقى جارا، فعليه أن يضبط الإيقاع.





