جنود روسيا القدامى.. رُسُلُ النفوذ الجديد في إفريقيا

 

 

عبد القادر الفرساوي

 

 

في اللحظة التي تتوارى فيها البنادق خلف تصريحات الدبلوماسيين، تعود الجيوش إلى ساحة الجدل ولكن بثوب جديد، مختلف، يُخاط بلون النفوذ وبتكتيكات ما بعد المعركة. هكذا تتسلل روسيا إلى إفريقيا، ليس فقط كحليف سياسي أو شريك اقتصادي، بل كصانع عتاد وبناء جيوش. الساحة هذه المرة ليست كييف أو باخموت، بل نيامي، واغادوغو، وبانغي، حيث تشكل الصراعات والفراغات الأمنية بيئة خصبة لصعود الفاعلين الجدد.
تصريح وزير الخارجية سيرغي لافروف لم يكن عبثيا حين أشار إلى أزمة الأمن في دول الساحل. بل كان تمهيدا محسوبا لوصول “المتقاعدين” من جبهات أوكرانيا، أولئك الذين اكتسبوا خبرة ميدانية في حرب غيرت وجه القتال المعاصر. هؤلاء ليسوا جنودا تقليديين، بل حملة مفاهيم حربية متطورة، شهدوا المعارك عن قرب، وواجهوا الطائرات المسيرة، والذكاء الصناعي، والخنادق الرقمية، قبل أن تُدرَّس في الأكاديميات.
تقدّم روسيا نفسها، اليوم، كمنقذ من فوضى الانقلابات والإرهاب في غرب إفريقيا، لكن حقيقتها أعمق: إنها تعيد تدوير جنودها المحترفين، وتبعث فيهم مهمة جديدة تتجاوز أوكرانيا نحو القارة السمراء. ليس الأمر تدريبا فقط، بل هو زرع لمفاهيم قتال روسية في بنية الجيوش الإفريقية، بما يخلق علاقة تبعية استراتيجية يصعب فكّها لاحقا.
لا يخفى أن موسكو، بعينها الجيوسياسية، ترى إفريقيا ساحة لا تقل أهمية عن الجبهة الأوروبية. هي قارة الفرص والتحولات، وحيث يفقد الغرب سيطرته التاريخية، تمد روسيا جسورها من خلال متقاعدي حربها الخاصة، الذين باتوا سفراء تكتيكات ومهندسي سياسات أمنية جديدة.
وربما لا يكون بعيدا اليوم الذي نجد فيه وحدات عسكرية إفريقية تديرها عقيدة روسية وتتحرك بتكتيك دونباسي، في بيئة صحراوية. والأنكى من ذلك أن بعض هذه الجيوش قد تصبح لاحقا أداة دفاع عن مصالح روسيا، لا عن حدودها.

فهل نحن أمام استعمار ناعم من نوع جديد؟ أم أمام شراكة متبادلة تمكّن إفريقيا من حماية نفسها؟ بين الأمل والقلق، تمضي القارة في طريق محفوف بالمصالح، ويبدو أن جراح أوكرانيا لن تندمل في حدود أوروبا فقط، بل قد تنزف دروسها على تراب إفريقيا أيضا.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...