عبد القادر الفرساوي
كان المساء ينساب بهدوء على رصيف البحر.الناس جلوس في المطاعم، تلامس أطرافهم دفء البيتزا وروائنح العطلة. الأطفال يركضون بين الأرصفة، والمارة يتكئون على أكتاف بعضهم كأن الحياة لا تعرف المفاجآت.
كان ذلك قبل أن تهدر آلة الموت من بعيد، تقطع السكينة مثل سكين في رغيف طري، وتحول الشارع من نزهة إلى مأتم، ومن أمسية إلى صدمة لا تنسى.
لم تكن فوينخيرولا في حاجة إلى الدم كي تشهد بأنها مدينة تعج بالحياة. كان يكفيها بحرها، وزوارها، وصخب مساءاتها. لكن تلك الليلة، ليلة “الخميس المقدس”، لم تكن كسابقاتها.
في زاوية من ممشى الملك بإسبانيا، حيث تجتمع الأرواح على رائحة العشاء والنسيم، كانت الكارثة تتحين لحظتها.
شاب من إشبيلية، كان يسير يد بيد مع من يحب، في طريقهما لعبور الممر، لحظة عادية من حياة لا تنبئ بشيء. ثم، في ثانية واحدة، دخل الموت على الخط: سيارة مجنونة انقضت بسرعة تجاوزت 100 كلم في شارع لا يسمح فيه بأكثر من 30.
لم تكن مجرد اصطدام، بل إعصار حديدي دهس جسد الشاب، وفرق يد العاشقين إلى الأبد.
تقول الفتاة – وما أصعب شهادتها : “كان بجانبي، ثم لم يعد… كل شيء حدث بسرعة”، جملة قصيرة تحمل في طياتها انهيارا لا يُروى، كما لو أن الحب نفسه صُدم بعنف وسحب من تحت أقدامها.
القاتلة كانت امرأة إيرانية في الخامسة والأربعين من عمرها، تقود بلا رخصة، مخمورة بلا عقل، تتجاوز السرعة القانونية بأكثر من ثلاثة أضعاف، وكأنها تسابق الفراغ. لم تكتف بدهس الشاب، بل اجتاحت شرفة مطعم بيتزا، ودهست كل من صادف طريقها، لترحل بعدها رفيقتها – التي كانت تجلس بجانبها – قتيلة أيضا، ويترك عشرة آخرون في حصيلة الجرحى، بينهم أطفال لا يتجاوزون العامين.
شهادات الشهود أكدت أن المرأة قوبلت بتحذيرات قبل الكارثة: “أنت تقودين بسرعة جنونية!” لكنها لم تهتم.
كانت ماضية في غيها و عنادها، كأن أرواح الناس لا تعني شيئا.
في تلك اللحظة، كانت المواكب الكاثوليكية تعبر الشوارع، ترفع فيها التماثيل وينشد فيها الحزن. كنت أتابع الحادث، وأتساءل: ما جدوى الرمزية حين تنهار الواقعية؟
وما نفع المواكب التي تمشي بانتظام، بينما سيدة بلا رخصة تمزق النظام وتزرع الموت في الشارع؟
الموت لم ينتظر من يمجده.
جاء فجأة، تحت عجلات من لا تتذكر شيئا.
نعم، هذا ما قالته القاتلة حين أفاقت: “لا أعرف ماذا حدث”.
لكن فتاة إشبيلية لن تنسى.
ولا أم الطفلين الجريحين.
ولا أصحاب المطعم، ولا سكان الحي، ولا أولئك الذين مشوا فوق بقعة دم لم يجف بعد.
العدالة قد تقيم توازنها في القوانين، لكن الألم لا يعرف العدالة.
صحيح أن الحادث الذي أودى بحياة ذلك الشاب كان قدرا محتوما، لكنه جاء نتيجة تهور بشري لا يغتفر.
امرأة ثملة، بلا رخصة، قررت أن تقود في لحظة كان من
الممكن أن تختار فيها ألا تفعل. وكان من الممكن – لو توقفت – أن يكمل الشاب مساءه حيا، وأن تعود الفتاة إلى بيتها وهي ممسكة بيده… لا بذكراه.
ما جرى في فوينخيرولا ليس مجرد حادث سير.
إنه صورة مكثفة لانهيار المسؤولية.
حين لا نحترم الحياة، تصبح المدن ميادين حرب صامتة…
يموت فيها من أحب، ويبرر القاتل غيابه بكلمة واحدة: “لا أتذكر”.
ربما ستمر الأيام، وتطوى القضية، وتُنسى في دفاتر القضاء.
لكن ثمة لحظة لا تمحى:
فتاة تبحث عن يد لم تعد…
وشاب مات وهو يمشي نحو بيتزا، لا نحو قبر.
وفي بلد تعبد فيه التماثيل، مات إنسان حقيقي…
لأن امرأة اختارت أن تقود أسرع من الحب





