بقلم/ التجاني بولعوالي
اتصل بي في مارس 2023 صحافي يعمل لدى جريدة مغربية “مشهورة”، من أجل إجراء حوار معي لصالح الجريدة، وكنت يومها في المغرب لحضور ندوة دولية، ورغم ضيق الوقت وقتئذ بسبب السفر والتنقل، وعدته بأنه بمجرد ما يسمح وقتي، أجيب عن الأسئلة التي كان قد بعثها إلي. حاولت، لكن كان من الصعوبة بمكان خلق حيز من الوقت لهذا الحوار. وأنا عائد إلى من الوطن، عنت لي فكرة أن أكتب نص أجوبتي على متن الطائرة المتوجهة من مطار الناظور إلى مطار بروكسيل الدولي؛ فكان هذا الحوار الذي أضعه بين أيديكم اليوم.
عندما وصلت إلى بلجيكا، أرسلت له الحوار على أن ينشر قريبا كما وعدني، ويرسل لي النسخة المنشورة. انتظرت أسابيع طويلة وذكرته أواخر شهر يونيو بالحوار، فوعدني مرة ثانية بأنه سوف ينشر قريبا. ثم انقطعت أخباره لأكثر من سنة، وفي 30 يوليو 2024 سألته مرة أخرى عن الحوار، وكتب لي بأنه سوف يرسل لي المقال كما تم توضيبه. ومن ذلك التاريخ إلى يومنا هذا، أي حوالي سنة إضافية أخرى، لم أسمع عنه شيئا.
لذلك، قررت أن أنشر هذا الحوار كما كنت قد كتبته قبل أكثر من سنتين، ولا أعرف هل تم نشره من طرف تلك الجريدة “المشهورة” أم لا. وقد ارتأيت أن لا أضع اسم صاحب الأسئلة، وأترك المحاور مجهولا وغير معروف.
س. تعيش المجتمعات بصفة عامة تحولات إيديولوجية وسياسية، ثقافية وتكنولوجية، زحزحت مقولات وزعزعت معتقدات. مسألة التدين اقتطعت لنفسها في العقود الحالية مساحات للنقاش والاختلاف والخلاف. باعتبار أن لنا جالية ومهاجرين في أوروبا تخصيصا. وهناك تأثير وتأثر. السؤال إلى أين تتجه حركة التدين في أوروبا؟ وماهي العوامل المؤثرة في ذلك؟
ج. الدين يعني منظومة شرعية متكاملة من العقائد والعبادات والتعاليم والأخلاق، وقد عمل الوحي على تأصيلها وتفصيلها وتكليف الإنسان بها، سواء أكان فردا أم جماعة. أما التدين فيحيل على التنزيل الواقعي لما فرضه الدين، ويؤدي الفقه في هذا الصدد دورا محوريا حيث يأخذ في تفسيراته بعين الاعتبار السياق والظروف والمآلات دون تعارض مع المرجعية القرآنية والنبوية الثابتة. لكن أي “حركة تدين” نقصد هنا في أوروبا؟ فهذه العبارة تبدو عامة وتعميمية. هناك التدين المسيحي بمختلف مساقاته الكاثوليكية والبرتستانتية والأرثودوكسية، والذي يشهد منذ منتصف القرن الماضي خروجا عن الكنيسة إما إلى اللادين والغنوصية واللاأدرية والإلحاد، وإما إلى الديانات الأجنبية كالبوذية والهندوسية والإسلام. وقد أدت الفلسفات المادية الماركسية والوجودية والتفكيكية والمابعد حداثية دورا مفصليا في هذا الخروج، أو بالأحرى “الردة” بالمفهوم اللاهوتي المسيحي أو الفقهي الإسلامي.
في مقابل ذلك، يشهد التدين الإسلامي في أوروبا انتعاشة كبيرة سواء على مستوى الداخل الإسلامي حيث السياق الأوروبي العلماني التعددي يدفع المسلمين إلى التمسك بعناصر الهوية الأصلية، بما فيها العنصر الديني الإسلامي الذي يشكل عصب هذه الهوية وإطارها العقدي والأخلاقي، أو على المستوى الخارجي حيث ما انفك الإسلام يشكل الدين الثاني في أوروبا بعد النصرانية من جهة، والدين الأول من حيث المهتدون إليه الذين يقدرون بالآلاف سنويا من جهة أخرى.
بالإضافة إلى ذلك، يطرح الإسلام بدائل أخلاقية وروحية واجتماعية ينجذب إليها الكثير من الأوروبيين والغربيين، لأنها من شأنها أن تملأ الفراغ الوجودي الذي آلت إليه المجتمعات العلمانية والعولمية والمابعد حداثية المعاصرة.
س. وسط هذا الواقع توجد تعددية دينية استغلتها بعض التيارات المتزمتة والجاهلة بتاريخ الاديان والملل لبث تأويلات تنعت بالفاسدة أو المارقة. كيف السبيل وأنت الباحث في علم الاديان لمواجهة الطوائف وغلاة المتطرفين الذين يصنعون فكرا متطرفا وعنيفا.. من هنا وهناك..؟ لابأس أن نسوق بلجيكا وحي “مولنبيك ” نموذجا ؟
ج. أعتقد شخصيا أن التيارات الدينية المتزمتة لا تشكل إلا استثناء، أما القاعدة المسلمة في أوروبا فتمارس تدينا معتدلا لا يختلف عن التدين القائم في بلدانها الأصلية. ولا يمكن استيعاب هذه المعادلة في انفصال عما نطلق عليه مضخة البروباغاندا الإعلامية التي تُنفخ بها بعض الأحداث الإرهابية الجزئية من طرف الإعلام المؤدلج وحركات اليمين المتطرف لضرب الإسلام، والتخويف من حضور المسلمين في المجتمعات الأوروبية والغربية. من الأكيد أن هناك بعض الحركات المتطرفة التي تنشط في السياق الأوروبي، وقد نشأت كرد فعل على التدخلات العسكرية والسياسية الأمريكية والغربية في بعض البلدان المسلمة كأفغانستان والعراق وسوريا، لكن من اللاموضوعية والجور أن يتحمل ملايين المسلمين العاديين سلوكات هذه الحركات أو بعض الأفراد المنتمين إليها، والتي يرفضها الإسلام نفسه جملة وتفصيلا.
فيما يتعلق بحي مولنبيك في العاصمة البلجيكية بروكسيل لا ينبغي التسليم بكل ما يروج في وسائل الإعلام حول أحوال المغاربة والمسلمين هناك. هذا الحي لا يختلف كثيرا عن الأحياء التي يقطنها عدد كبير من الأجانب في المدن الكبرى، مثل باريس وأمستردام وروتردام ولندن وغيرها. وعادة ما تركز وسائل الإعلام، للأسف الشديد، على بعض الجوانب السلبية القليلة على حساب الكثير من الإيجابيات التي تتمتع بها هذه الأحياء، سواء فيما يرتبط بالتنوع الثقافي واللغوي أو الحركة الاقتصادية المنتعشة أو الجذب السياحي أو التعايش الاجتماعي.
كما سبقت الإشارة، إن التطرف الفردي أو الجماعي الذي يتم رصده لدى بعض الشباب المسلم، في أوروبا عامة وفي بلجيكا خاصة، يظل نسبيا وغير منظم إلى حد كبير، كما تدعي بعض الأحزاب السياسية ووسائل الإعلام. وقد ثبت أن منفذي العمليات الإرهابية في باريس وبروكسيل لم يتخرجوا من المساجد والجمعيات الدينية، بل ولم يتلقوا تعليما إسلاميا في حياتهم. واستندوا في أعمالهم الإجرامية إلى معلومات وتفسيرات لا تمت بصلة إلى الإسلام والقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وقد استقوها من الفكر القاعدي والداعشي عبر الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي. يذكر محامي مدبر هجمات باريس صلاح عبد السلام أنه لا يملك معرفة كافية وصحيحة عن الإسلام، وأنه قرأ ملخصا للقرآن الكريم مترجما إلى اللغة الفرنسية. وأكثر من ذلك، كان بعض منفذي هجمات يملكون مقهى لبيع المخدرات، كما أن المحققين اكتشفوا أن منفذي عمليات باريس تناولوا المخدرات قبل تنفيذ هجماتهم الانتحارية.
س. الدول الاوروبية سنت قوانين تجرم ازدراء الاديان وهناك قرار أممي في هذا الاتجاه. لكن في بعض الاحيان تحت يافطة “حرية التعبير” يخرج من يهين ويعرض بالديانات ورموزها. وهو تعد على الخصوصيات الدينية ؟
ج. فيما يتعلق بقوانين منع ازدراء الأديان وتجريمها تتسم بالازدواجية، لاسيما في التعاطي مع بعض قضايا المسلمين، كارتداء الحجاب والذبيحة الشرعية وغيرهما. وما يبعث عن الاستغراب أنه يُنظر إلى الحجاب على أنه رمز ديني يقارن بالصليب المسيحي والقبعة اليهودية والعمامة السيخية، رغم أن البون شاسع بين هذه الأشياء. فالحجاب لباس شرعي للمرأة المسلمة يقرّه ويفرضه كل من القرآن الكريم والسنة النبوية، بينما الصليب أو القبعة ذات طابع تكميلي، وليس هناك نص ديني سواء في العهد القديم أو في العهد الجديد يلزم بارتدائهما، تماما كما السبحة أو القبعة التي يستعملها بعض المسلمين.
ورغم أن هذه القوانين تقضي بحرية التعبير، فإن توظيفها يخضع للأدلجة من طرف بعض الأحزاب والحكومات الأوروبية كما في فرنسا على سبيل المثال لا الحصر. وهي أدلجة تدعي في الظاهر حماية قيم العلمانية الفرنسية، غير أنها تضرب في العمق الخصوصيات الدينية والثقافية والسوسيولوجية للشرائح الأجنبية والمسلمة. ولم يقتصر الأمر على حظر الحجاب فقط، بل تجاوزه إلى ملاحقة المسلمات المتحجبات في الفضاءات العامة والإساءة إليهن على مرآى من العالم. ما يكشف عن حقيقة هؤلاء الذين يدعون الحضارة والتحضر، بينما سلوكاتهم الهمجية تعكس مدى بربريتهم ولا إنسانيتهم.
س. أمام هاته الاوضاع التي تراها من موقع الباحث الرصين. كيف سنؤطر الأجيال الصاعدة، خصوصا مغاربة المهجر. دينيا وروحيا في مجتمعات متعددة الأعراق والثقافات والأديان. بل حضور بارز لثنائية التدين واللاتدين؟
ج. في الحقيقة، يطرح الخيار التعددي جملة من الإمكانات القانونية والمعرفية والاجتماعية التي من شأنها أن تسعفنا على تأطير الأجيال المغربية والمسلمة الصاعدة بشكل إيجابي ومتوازن. أعتقد أنه بمقدور التعددية تقليص تغول العلمانية وتغطرسها، لاسيما في الأنموذج الفرنسي الشاذ. وقد حان الوقت لاستثمار الآليات التعددية سواء في التعاطي البناء مع العقائد والثقافات والفلسفات الأخرى أو في إعادة ترتيب عناصر الهوية على أساس تعددي. ورغم أن الإسلام يختلف عن غيره من العقائد في مقوماته الإيمانية والتعبدية فإنه يتقاطع معها في شتى العناصر القيمية والأخلاقية كالرحمة والكرامة والحوار والتسامح، والتي من شأنها أن تؤسس لتعايش إيجابي في نطاق قيمة المواطنة الجامعة حيث يقف الجميع على قدم المساواة أمام القانون.
أما فيما يتعلق بالهوية التعددية أو الجمعية فمن شأنها أن تحل بعض المشاكل التي تتخبط فيها الأجيال الصاعدة، حيث ينظر إلى مختلف المكونات الدينية والثقافية واللغوية والاجتماعية على أنها متنافرة، بينما تحمل في كنهها بذرات الإغناء وأسباب التلاقح. إن الهوية التعددية قادرة على استيعاب شتى العناصر الدينية والثقافية الإيجابية وإعادة تركيبها في شخصية الإنسان، ولا يتعارض هذا مع المنظور الإسلامي والقرآني الذي يشدد على أن التنوع هبة ربانية والاختلاف سنة كونية. وهكذا يمكن للمسلم أن يأخذ من مختلف المشارب والثقافات والسياقات ما يُمتن هويته ويعضد شخصيته، على أن لا يتعارض ذلك مع إطاره العقدي الإسلامي. وعلى هذا النحو، ينبغي توجيه الأجيال المسلمة والمغربية الصاعدة في أوروبا، حتى تدرك أنها في الوقت ذاته مسلمة ومغربية وأمازيغية وعربية وإفريقية وأوروبية.
س. ماهي ممكنات استثمار النصوص الدينية في الخطاب الإسلامي لترسيخ قيم حداثية من مثل المواطنة وثقافة التجاوز والاختلاف ودائما نتحدث عن مغاربة المهجر. هم الذين يهموننا في هذا النقاش؟
ج. تنطوي النصوص الدينية الإسلامية (قرآن، سنة) على رصيد قيمي ثري بالمقارنة مع الكتاب المقدس، لذلك نرى أن الإسلام له قصب السبق التاريخي ليس فقط في تأصيل مختلف القيم الكونية المشتركة، كالمواطنة والحوار والتسامح والاختلاف، بل في تنزيلها الواقعي أيضا. ويحفظ لنا التاريخ نماذج متقدمة من التعايش والتعددية في مجتمع المدينة وبغداد والأندلس ومصر والهند وغيرها. وقد استمرت هذه النماذج إلى عصرنا الحالي، كما في مصر التي يعيش فيها ملايين الأقباط، وبلاد الشام التي تتعايش فيها مختلف الطوائف الدينية غير الإسلامية، والمغرب الذي يحتضن الأقليات اليهودية والنصرانية والإفريقية، وبلدان الخليج العربي التي تستقبل ملايين العمال المسيحيين والبوذيين والهندوس.
وهذا يعني أن الإسلام من جهة، والثقافة المغربية من جهة أخرى، من شأنهما أن يشكلا مصدر إلهام مهم لمغاربة أوروبا عامة وللأجيال الأخيرة خاصة. وتتقاطع القيم الإسلامية والمغربية إلى حد كبير مع عدد من القيم الحداثية والتعددية التي أصبحت تشكل اليوم عامل توحيد للجهود المشتركة بين مختلف مكونات المجتمعات التعددية الأوروبية المعاصرة في المدارس والجمعيات والمساجد والكنائس. وخير دليل على ذلك، أنموذج مهارات الحوار البين ديني/فلسفي، الذي ينظم في المدارس الفلامانكية بين تلاميذ من مختلف الخلفيات الدينية والثقافية. بالإضافة إلى مادة المواطنة التي تعطى في المدارس البلجيكية.
س. هناك من الباحثين من يتحدثون اليوم عن إسلام أوروبي ببعده المفاهيمي. هل نجحت التيارات المدافعة عن هذا “الإسلام” في أوضاع تتسم بحضور المسلمين كأقليات تنعت من الغرب بالفشل في الاندماج والبقاء في دائرة الانغلاق. هل ربحت هذا الرهان ؟
ج. هناك من يتخوف من مصطلح “الإسلام الأوروبي”، ومرد ذلك إلى الفهم المغلوط لهذا المصطلح الذي لا يشكل بديلا للإسلام كما أنزل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولا تغييرا كليا أو جزئيا له. إن جوهر الإسلام الحقيقي يظل ثابتا في الإسلام الأوروبي، تماما كما في الإسلام الإندونيسي والمغربي والإفريقي. إن هذا الإطلاق لا يتجه إلى الدين، بقدر ما يعتري التدين الذي لا يمكن فصله عن السياق الأوروبي الذي ينفرد بخصائص ثقافية واجتماعية وسياسية واقتصادية تغيب في السياقات الإسلامية الأخرى العربية والإفريقية والأسيوية. ويتجلى ذلك في مختلف السلوكات والعادات والقوانين المتعلقة باللباس والأطعمة والعمارة والعمل ومواقيت الصلاة والصيام والزكاة وغيرها.
إن الإسلام الأوروبي ليس منتوجا يمكن صنعه حسب معايير معينة، بل إفراز واقعي أفضت إليه مختلف العوامل التاريخية والاجتماعية والقانونية. وسوف يتعضد هذا المفهوم أكثر في المستقبل جراء التطور الإيجابي الحاصل في الحضور الإسلامي في أوروبا، والذي سوف يتعزز أكثر بالأجيال المسلمة الصاعدة والمسلمين الجدد. هؤلاء لا يحتاجون إلى أن يندمجوا في مجتمع ينحدرون منه ولادة وانتماء وثقافة، ويتقنون لغاته، وعلى معرفة عالية بثقافته وتاريخه. لذلك يمكن الحديث عن التحول من سياق الهجرة والمهاجرين الذي كان يقتضي الاندماج اللغوي والثقافي والاجتماعي إلى سياق المواطنة والمواطنين الذي لم تعد فيه الأجيال الصاعدة في حاجة إلى تعلم اللغة والتعرف إلى ثقافة بلد الإقامة، الذي هو بمثابة وطنه الوجودي والقانوني.
س. آخر الكلام.. التعددية على المستوى الفلسفي والنظري هي إغناء للتنوع المجتمعي بما يسهم في تنظيم العلاقات الإنسانية وتدبير الاختلاف. لماذا لا يتم الحديث عن “ديمقراطية دينية”؟
ج. لا يمكن الحديث عن ديمقراطية دينية، لأن الدين لا يعتبر منظومة سياسية قائمة بذاتها. الدين يشكل بنصوصه مصدرا مهما لما ينبغي أن تكون عليه الديمقراطية أو أي سياسة شرعية. وقد انطلق الأنبياء من الشرائع الموحاة لتدبير المجتمعات التي كانوا يعيشون فيها، وهكذا أسسوا ما يشبه الديمقراطية بالمفهوم الغربي أو السياسة الشرعية بالمفهوم الإسلامي. ويعتبر الخيار التعددي البديل الأنسب الذي توصل إليه الفكر الغربي المعاصر لإدارة الاختلاف الديني والثقافي داخل المجتمعات التعددية الراهنة. وقد كان الإسلام تاريخيا السباق إلى اعتماد الأنموذج التعددي الذي منح حيزا قانونيا واجتماعيا للعقائد والثقافات غير الإسلامية، لاسيما أهل الكتاب أو أهل الذمة.





