بابا من الجزائر؟ حين يتقاطع الدين بالجغرافيا الحساسة

 

 

 

عبدالقادر الفرساوي

 

 

 

ما إن أعلن الفاتيكان وفاة البابا فرنسيس، حتى بدأ سباق التوقعات حول من سيخلف الرجل الذي هز المؤسسة الكاثوليكية بهدوئه وتواضعه، قبل أن يرحل بعد حياة مليئة بالمفارقات.
وكما هو متوقع، دخلت السياسة من النافذة، حتى ولو كانت الكنيسة تحاول أن توصد الأبواب. واحد من أبرز المرشحين لخلافة فرنسيس ، كما أوردت وكالة رويترز ، هو جان مارك أفيلين، رئيس أساقفة مارسيليا، والمثير للاهتمام أنه من مواليد الجزائر، لعائلة إسبانية نزحت إلى فرنسا.
قد يبدو الأمر، لأول وهلة، تفصيلا لا يستحق الوقوف عنده، لولا أننا نعيش في منطقة لا تزال الجغرافيا فيها تشعل الحساسيات أكثر من النار نفسها. نحن هنا نتحدث عن الجزائر، الجارة التي لا تفوت فرصة لتصريف أزماتها الداخلية عبر التوتر مع الجيران، سياسيا ودبلوماسيا وإعلاميا.
فماذا يعني أن ينتخب بابا للكاثوليك، يحمل في أوراقه الأولى مكان ولادة اسمه الجزائر؟
وهل سيسمح هذا المعطى بأن تتحول الرمزية الدينية إلى ورقة دعائية، كما اعتدنا في خطاب نظام عودنا على توظيف كل شيء، من الغاز إلى كرة القدم، لخدمة أجندة النفخ في الذات الوطنية؟
فرنسيس نفسه لم يسلم من التأويلات عندما عبر عن احترامه للإسلام، وتحدث عن الهجرة بلغة إنسانية. فكيف سيكون الوضع إذا جاء البابا الجديد من أرض لم تتخل بعد عن رواسب الاستعمار، وتغلف الصراعات القديمة بأردية دينية وتاريخية؟
جان مارك أفيلين، بحسب المتداول، يعرف بانفتاحه على المسلمين، وله مواقف معتدلة بخصوص الهجرة والاندماج، بل يقال إنه تأثر كثيرا بعيش طفولته في بيئة “عربية”. هذه الخلفية قد تسعد بعض الأطراف في الجزائر، التي لن تتردد في تصدير المشهد كما لو أنه “فتح ديني” جديد. ولكن، لا يجب أن نغفل أن الكنيسة لا تشتغل بالهوية القُطرية، بل بمنطق أعمق، يتجاوز الجغرافيا، وإن كانت لا تخرج منها تماما.
من حقنا أن نراقب المشهد بوعي، لا بنزق. أن نفهم ما وراء الحفاوة التي ستصنع حول اسم أفيلين إن تم انتخابه، خاصة إن تحولت أوساط إعلامية جزائرية إلى منابر للتطبيل لرمزية

“الجزائري الذي غزا الفاتيكان”.
لكن من واجبنا أيضا أن ندرك أن هذه اللحظة، رغم كل حساسياتها، ليست ميدان مواجهة، بل فرصة لفهم كيف تصنع الرمزية في عالم يخلط الدين بالسياسة، ويرفع راية الإنسانية وهو يمرر الرسائل الاستراتيجية بصمت.
قد لا يكون جان مارك أفيلين رجل المرحلة، أو قد يكون. لكن في كل الأحوال، البابا ليس ناطقا باسم الدول، ولا هو رسول الدبلوماسيات. وإذا كان هناك من استثمر في الرموز لتصفية الحسابات الصغيرة، فلنكن نحن في الجانب الذي يقرأ المشهد، لا من يستهلكه.

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...