الجنوب الملتهب… حين يعمى البصر الأوروبي عن البوصلة المغربية

 

 

 

عبد القادر الفرساوي

 

 

 

في بروكسيل، ما زالت خرائط التهديد ترسم بأيدي خبراء لا يعرفون لون الرمال في الساحل، ولا طعم الملح في مضيق جبل طارق. جنوب المتوسط بالنسبة إليهم مجرد فضاء رمادي يخشى منه، لا يفهم. يضعون سهاما حمراء على الخرائط، وينسجون سيناريوهات عن الإرهاب والهجرة، ويضعون المغرب والجزائر وموريتانيا في سلة واحدة، كأنهم توائم في غرفة مظلمة.
لكن الجغرافيا الحقيقية لا تُقرأ من الأقمار الصناعية، بل من رائحة الشوارع، وصدى القوارب، وخطى الأطفال الذين يفكرون في الهروب دون أن يعرفوا إلى أين.

حين قرّر المغرب أن يعيد ترتيب بيته الحدودي، وأن يغلق منافذ التهريب والابتزاز، وأن ينتقل من سياسة “غضّ الطرف” إلى حوكمة أمنية صارمة، شعر الكثير في أوروبا بالارتباك. لأنهم ببساطة تعودوا على أن يكون الجنوب فوضويا، وأن يبقى المغرب في خانة “الشرطي المتساهل”. لكن الرباط لم تعد تريد أن تكون شرطيا بلا راتب، ولا شريكا بلا احترام.
على السواحل، من الفنيدق إلى الداخلة، أصبحت عيون الأمن مفتوحة، وتنسيق الاستخبارات مع الدول الأوروبية لا يتوقف. انخفض عدد القوارب، وتحولت الشواطئ المغربية إلى خطوط حمراء، ليس بفعل القمع، بل بفعل ضبط استراتيجي مدروس بدقة محسوبة. فالرباط فهمت مبكرا أن أمنها الداخلي يبدأ من حسن إدارة العلاقة مع الهجرة، لا من بناء الجدران.

لكن كما في لعبة المياه، حين تغلق منبعا، تبحث التيارات عن مسار جديد. وحين أغلق المغرب باب الفوضى، تدفقت موجات الحالمين بالحياة نحو سواحل موريتانيا. هناك، حيث الدولة لا تملك الإمكانات، وحيث الأجهزة الأمنية أقرب إلى الاجتهاد منها إلى التخطيط، وجد المهربون ضالتهم. انطلقت القوارب من نواذيبو، وعادت حكاية الهجرة من الساحل الغربي إلى الواجهة، ولكن هذه المرة من بوابة دولة مغلوبة، لا تملك غير السكوت.

موريتانيا لا تلام كثيرا، فهي تسبح بين تيارين: عجز داخلي، وضغوط خارجية. فلا هي قادرة على مواجهة المافيات العابرة للحدود، ولا هي تمتلك هامش المناورة الدبلوماسي الكافي لطلب الدعم الأوروبي بلا شروط. لكنها رغم ذلك أصبحت اليوم في قلب معادلة أمنية خطيرة، دون أن تكون فاعلا فيها.
الجزائر… المعضلة غير المحلولة في خاصرة المتوسط
وفي الجهة المقابلة، تقف الجزائر بشموخ الخطاب، وفراغ الإنجاز. بلد يزهو بخطاب “التحرر” بينما ينسق خلف الستار مع موسكو و مرتزقة فاغنر. في خضم التهديدات، كان المنتظر من الجزائر أن تكون حصنا مغاربيا، لا بوابة للروس. لكن الرهان على كسب ود بوتين و على حساب الجيران ، جعل من الجزائر دولة تدير ظهرها للمنطقة، وتنظر إلى أوروبا عبر عدسة الغاز فقط.
منذ سنوات، والجزائر ترفض الانخراط في أي مقاربة جماعية لحل أزمات الساحل، بل تفضل التحرك المنفرد، وغالبا بما يخدم مصالح موسكو و مصالح الفوضى. تدريبات عسكرية، قوافل أسلحة، ومشاريع لقواعد بحرية تحاك في صمت. والأدهى، أن الإعلام الأوروبي نادرا ما يسلط الضوء على ذلك.

مشكلة أوروبا اليوم ليست في الجنوب، بل في طريقة رؤيتها للجنوب. فبدل أن تكافئ المغرب على شراكته، وتساعد موريتانيا على الوقوف، وتضغط على الجزائر لتكون مسؤولة، تكتفي أوروبا بتدوير المخاوف وتوزيع التهم. هناك سياسة رد فعل، لا رؤية استباقية، ولا شراكة قائمة على الثقة المتبادلة.
حتى عندما تتحدث إسبانيا عن “الجبهة الجنوبية”، فإنها تفعل ذلك بخجل، كمن يعرف أن الحل أمامه لكنه لا يريد دفع ثمنه.

الجنوب لا ينفجر من تلقاء نفسه، بل حين يتجاهله المركز. وما يحدث اليوم في الساحل هو نتيجة انسحاب أوروبي بطيء، وترك الساحة لقوى موازية تريد إعادة تشكيل المنطقة على طريقتها. المغرب أثبت أنه رقم صعب، وموريتانيا تحتاج من يساندها لا من يحملها المسؤولية، والجزائر تحتاج من يمسك بيدها لتعود إلى رشدها.
أما أوروبا، فإن أرادت حقا أن تحصّن نفسها، فعليها أن تتوقف عن النظر إلى الجنوب كخطر، وتبدأ في النظر إليه كاختبار… اختبار لعدالتها، ولشراكاتها، ولذاكرتها.

إيطاليا تلغراف

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...