اللامرئيون: أو حين يصبح الإهمال جريمة صامتة..

إيطاليا تلغراف

 

 

 

• الدُّكتُور عَبْدُ اللَّهِ شَنْفَار

 

 

• واقع مؤلم نعيشه فعلاً: مع المرضى عقليا:
حين لا يهتم المجتمع أو العائلة بالمختل عقلياً وهو في الشارع متروكاً للقسوة والإهمال، ثم فجأة “يتذكرونه” عندما تدخل الدولة على الخط. وكأن الشخص لا قيمة له كإنسان إلا عندما يصبح عبئاً رسمياً.
تجربتي مع هذه الظاهرة تستحق فعلاً أن تُكتب في مؤلَّف؛ ليس فقط لتوثيق المآسي، بل لفهم الجذور الاجتماعية والنفسيّة لهذه الظاهرة، نجد عدة أسئلة حارقة:
 أين يبدأ الإهمال؟
 كيف تتخلى العائلات عن أبنائها أو آبائها المرضى عقليّاً؟
 لماذا لا نرى تدخلاً جدياً إلا بعد الكارثة؟
 وما مسئولية المجتمع، قبل أن نلوم المؤسسات؟
 متى تتدخل المؤسسات؟
 كيف يعيشون هؤلاء المرضى عقليّاً؟
 ماذا يعني أن تكون مريضاً عقلياً في العراء في الأزقة والشارع العام؟
الحديث هنا أعمق من مجرد هزة كتف أو صب اللوم: إنه عن نظام كامل يغض الطرف حتى ينفجر.
ليس كل من يتسكع في الشارع مختلاً، وليس كل مختلٍّ قادته الظروف إلى قارعة الطريق، فاقداً لكل أشكال الرحمة.
في هذا المقال، لا أقدّم سرداً بارداً لوقائع عابرة، بل شهادة حيّة عن ظاهرةٍ صارت جزءاً من حياتنا اليوميّة، حتى ألفنا رؤيتها دون أن تحرّك فينا ذرة من المسئولية.
لقد رأيت بأم عيني من يُجمع من الشارع جثةً بشريّة مغطاة بالقذارة والأمراض، يرمى به داخل جدران مؤسسة للعلاج النفسي، لتظهر فجأة عائلته التي أهملته سنين طويلة، مطالبةً بحقوقها عليه، وكأنها كانت تنتظر لحظة إعلان وفاته أو ضياعه.
هذا المقال لا يحمّل الدولة وحدها وزر ما حدث ويحدث ولا يكتفي بهزة كتف ساخطة. إنه محاولة للكشف عن حقيقة صادمة: نحن جميعاً مساهمون، بصمتنا أو بإهمالنا أو ببلادتنا وغباءنا في دفع هؤلاء إلى القاع.
أكتب لأن كل مختل تائه في الشارع كان يوماً إنساناً كاملاً بيننا، قبل أن نسلمه إلى الوحشة والتشرد والجنون. أكتب لأن الصمت خيانة.
• الوجه الخفي للمختلين في الشارع:
لا شيء أكثر قسوة من أن تمر بجانب إنسان جالسٍ فوق كومة قذارة، بعينين زائغتين، فلا ترى فيه إلا جزءاً من الخلفيّة الرماديّة للمدينة.
تعلمت المدن أن تبتلع هؤلاء؛ تمحوهم من الذاكرة كما تمحو الرياح آثار خطى قديمة فوق التراب.
في الزوايا المعتمة وتحت الجدران المهترئة، يعيش من فقد اسمه وعمره وأحلامه… لا شيء يتبقى سوى صرخة مكتومة في جسدٍ هزيل وروح متآكلة.
تشير الإحصائيات إلى أن ما بين 25% إلى 45% من المشردين في المدن الكبرى يعانون من اضطرابات عقليّة مزمنة. الانفصام والاضطراب ثنائي القطب والاكتئاب الحاد… كلها أمراض لو لم يتم علاجها مبكراً، تتحول إلى مسار ثابت نحو فقدان السيطرة على الذات والانزلاق إلى الشارع.
التشرد بالنسبة لهؤلاء ليس خياراً، بل نتيجة حتميّة لإهمال مزدوج: أسري ومؤسساتي.
في شوارعنا، ترى هؤلاء بأشكال متباينة:
1. بعضهم يصرخ في الهواء أو يتحدث مع أشخاص لا وجود لهم.
2. بعضهم يلوذ بالصمت وقد يبدو للمارين مجرد “متسول” أو “مدمن”.
3. وبعضهم الآخر يعيش وسط زحام المدينة كطيف شفاف، لا يراه أحد.
كثير من هؤلاء سبق لهم دخول مؤسسات للعلاج النفسي، ولكن بمجرد خروجهم، انقطعت كل سبل الرعاية والدعم. بلا مأوى، بلا علاج، بلا سند… وكان الشارع هو المصير.
عندما تتحرك السلطات لجمع هؤلاء، غالباً ما يكون ذلك استجابة لضغط حادثة معيّنة أو حملة إعلامية عابرة، لا نتيجة سياسة عموميّة منتظمة.
وعندما يُودَع المختل مؤسسة نفسيّة، لا تلبث أن تظهر عائلته فجأة… تطالب أو تتبرأ أو تساوم.
هكذا يتلاشى الإنسان بين إهمال الأسرة وعجز الدولة، ويذوب في زحام لا أحد يراه.
• العائلة الغائبة:
لا شيء يوجع أكثر من أن ترى مريضاً عقلياً وقد تهشمت ملامحه، ليس فقط تحت قسوة المرض، بل أيضاً تحت قسوة التخلي.
تغيب العائلات كما تغيب الشمس عن أرض مهجورة:
تترك خلفها برداً وصمتاً وخراباً لا يرممه أحد.
كانت البداية كلمة قاسيّةً، ثم نظرة ازدراء، ثم غرفة مغلقة في آخر البيت… ثم بعدها اختفى المريض. لم يعد أحد يسأل عنه أين ذهب.
ولم يعد أحد ينتبه حين جلس على رصيف الشارع، يقتات من بقايا الأيام.
1. متى تبدأ العائلة بالانسحاب؟
غالباً، يبدأ تراجع العائلة مع اشتداد مظاهر الاضطراب العقلي: السلوك الغريب، نوبات الغضب، العجز عن الإنتاج.
تصبح رعاية المريض عبئاً ثقيلاً… عبئاً يخجلون منه أحياناً، ويتبرمون منه أحياناً أخرى.
في المجتمعات التقليديّة، يُعتبر وجود مريض نفسي بين أفراد الأسرة نوعاً من “الفضيحة”، مما يعجل بالتخلص منه اجتماعياً ولو بشكل غير مباشر.
2. من الرعاية إلى النسيان:
في البداية، قد تحاول الأسرة مع بعض العلاج الشعبي، كالرقية أو زيارة المشعوذين. وقلة فقط هي التي تتجه إلى العلاج الطبي النفسي، ومع تفاقم التكاليف أو فشل العلاجات، تبدأ رحلة الإهمال الطويل. فيوضع المريض في زاوية قصية داخل البيت، أو يُترك يتسكع خارجاً، حتى يختفي تدريجياً عن الأنظار.
3. العائلة حين تعود متأخرة:
عندما يتدخل القائد أو الباشا أو العامل أو القضاء أو الشرطة أو الدرك الملكي أو المؤسسة الصحيّة، فجأة تظهر العائلة:
 إمّا لتطالب بحق حضانته إن كانت هناك مصلحة ماليّة.
 أو للتنصل من مسؤوليته إن كان الخوف من تبعات قانونيّة أو مصاريف ماليّة.
 بعض العائلات تستغل فرصة إيوائه في مؤسسة للعلاج كي تتخلص نهائياً من عبء حضوره، فلا تزوره ولا تسأل عنه، وكأنه مات.
4. بين الجهل والفقر: هل العذر مقبول؟
لا شك أن بعض العائلات فعلاً ضحية ظروف اقتصاديّة واجتماعيّة صعبة. ولكن هل الفقر وحده يبرر التخلي الكامل عن إنسان مريض؟
أم أن الجهل والخوف من نظرة المجتمع وقسوة الأنانيّة، تلعب دوراً أساسياً في هذه المأساة؟
التخلي عن المرضى العقليين ليس مجرد ضعف إنساني… إنه انهيار لقيم الرحمة فينا، وتحول تدريجي للمجتمع إلى غابة قاسية.
• الدولة حين تتذكر: اليد التي تتحرك بعد السقوط:
لم تكن الدولة يوماً بعيدة عن مشهد المختلين في الأزقة والشوارع، لكنها غالباً ما كانت تراقب بصمت ثقيل. تترك الأجساد الهائمة تتكاثر كالأشباح بين الأزقة، حتى تحدث فاجعة… جريمة أو حادث مأساوي أو تحت ضغط إعلامي، عندها فقط تتحرك اليد البطيئة، لا لترميم الأرواح، بل لدرء الحرج وإطفاء الحرائق.
1- التدخل كرد فعل لا كسياسة عموميّة:
أغلب تدخلات الدولة مع المختلين تكون بعد وقوع مشكلة ملموسة:
 اما اعتداء من مختل على شخص آخر.
 أو شكوى سكان بسبب “الإزعاج”.
 أو فضيحة إعلامية حول مشهد قاسٍ.
 أو اعتداء على الأصول والفروع قد يصل حد اغتصاب أحد المحارم!
حينها فقط تتحرك السلطات: حملات لجمع المشردين، تنسيقات مع مصالح الصحة، إيداعات سريعة في المستشفيات العلاجية.
لكن أين كانت الدولة قبل الانفجار؟ وهل كان التدخل وقائياً أم فقط “تدبير أزمة”
2- مؤسسات العلاج بين الاكتظاظ والإهمال:
المؤسسات الصحية النفسيّة قليلة جداً ومحدودة الموارد:
• طاقة استيعابية لا تكفي.
• نقص فادح في الأطر الطبية المختصة.
• غياب شبه تام لبرامج إعادة الإدماج الاجتماعي بعد العلاج.
وهكذا يتحول الإيداع إلى مجرد “حجز مؤقت”، لا علاجاً ولا تأهيلاً.
3- القضاء: بين الرحمة والمسؤولية القانونيّة:
عندما يمثل المختل أمام القضاء، يجد القاضي نفسه أمام معضلة قانونية وأخلاقية:
هل يحاكم شخصاً فاقد الأهلية العقلية؟ أم يكتفي بتحويله إلى مؤسسة صحية؟ وذلك في غياب تشريعات دقيقة، غالباً ما يتم اتخاذ قرارات مرتجلة، تزيد المأساة بدل أن تحلها.
4- سياسة صحية غائبة:
لا يوجد تصور واضح لسياسة وطنيّة مستدامة للتعامل مع المرضى العقليين المشردين.
ما يوجد هو إجراءات موسميّة، تعتمد على الضغط الظرفي لا على رؤية بعيدة المدى.
والنتيجة: دورة دائمة من الإهمال والتشرد والتدخل العشوائي… والمأساة مستمرة.
• بين القضاء والقدر: محاكمة الأشباح:
في قاعات المحاكم، حيث تُفترض العدالة، يجلس أحياناً من فقد صلته بالعالم، يحدق في الفراغ أو يهمس بكلمات لا يفهمها أحد.
لا يدرك لماذا جيء به، ولا بماذا يتهم، ولا ما معنى أن يحكم عليه.
محاكمة؟ على ماذا؟ ولمن؟ لأشباح تاهت عن زمنها.
1) حين تلتقي العدالة بالجنون:
تصل بعض القضايا إلى القضاء محمولة على أكتاف مختلين:
 حادثة عنف غير مقصودة.
 دخول ملكيّة خاصة.
 إثارة الفوضى في الشارع.
 تعري في الشارع.
أمام القاضي يقف سؤال صامت: هل نحاكم المريض كما نحاكم العاقل؟
القانون في العادة يُسقط المسئولية الجنائيّة عن فاقدي الأهليّة العقليّة، لكن إثبات “الجنون” يتطلب مساطر معقدة قد لا تتوفر دائماً، خصوصاً مع غياب ملفات طبيّة حديثة أو تقارير نفسيّة دقيقة.
2) الإيداع القضائي: حل أم تهرب؟
كثيراً ما يتخذ القاضي قراراً بإيداع المختل بمؤسسة علاجيّة بدل محاكمته، ولكن ماذا يعني هذا عملياً؟
 في كثير من الحالات، تكون المؤسسات مكتظة وغير قادرة على استقبال المزيد.
 أو يتم الاكتفاء بوضع المريض تحت “المراقبة الطبيّة”، أي مجرد حجز دون علاج فعلي.
هكذا يصبح القضاء مجرد قناة لتحويل المشكلة من مكتب القاضي إلى عنبر المستشفى… دون حل جذري.
3) القوانين الغائبة أو الصامتة:
عدد قليل جداً من البلدان يتوفر على تشريعات خاصة بحماية المختلين العقليين المشردين، حيث تحدد:
 كيف يجب التعامل معهم منذ لحظة القبض عليهم.
 كيف تتم حمايتهم صحياً ونفسياً وحقوقياً.
 متى يُرفع الخطر عنهم وعمن حولهم.
في غياب هذه القوانين، يصبح التعامل مع المختل مجالاً للاجتهاد الشخصي… وأحياناً، للاستهتار الجماعي.
4) حين يحاكم القدر لا البشر:
في النهاية، المريض العقلي لا يحاكم جرمه بقدر ما يحاكم قدره. فهو لم يختر المرض. ولم يخطط للانهيار. ولم يكن يريد أن يصبح عبئاً على المجتمع. ولكنه وقع ضحية نظام فاشل ومجتمع أعماه الخوف وقانون عاجز عن رؤية من يحتاج الرحمة قبل العقاب.
• نحو مسؤولية جماعية: حين يعجز الفرد… تنادي الجماعة:
في مواجهة الألم العميق للمختلين في الشوارع، لا يكفي أن نبحث عن مذنب واحد: لا الدولة وحدها، ولا العائلات وحدها، ولا القضاء وحده. المسئولية موزعة على الجميع، والخلاص الحقيقي لا يتم إلا بتكافل واسع… لا مجرد مبادرات موسمية خجولة.
• حين يعجز الفرد، لا بد أن تنادي الجماعة:
 العائلة: أول حصن يجب ألا يسقط:
العائلة ليست فقط إطاراً بيولوجياً، بل أول شبكة حماية نفسية واجتماعية.
دور الأسرة يبدأ مبكراً:
 بملاحظة علامات المرض النفسي وعدم تجاهلها.
 باللجوء إلى العلاج الطبي قبل أن يتفاقم الوضع.
 بتقبل المريض كجزء من الكيان العائلي لا عبئاً يجب التخلص منه.
ولا عذر للفقر أو الجهل في التخلي التام. والرحمة لا تحتاج إلى مال.
 المجتمع: عيون ترى لا أفواه تثرثر؛
المجتمع يجب أن يتحول من متفرج ساخر إلى داعم واعٍ:
 منظمات وجمعيات المجتمع المدني يمكنها أن تلعب دوراً هائلاً في الرصد والتوعية والمساعدة القانونيّة والدعم النفسي.
 الإعلام مسؤول عن تغيير الصورة النمطية حول المرض العقلي، وإسقاط وصمة العار التي تلاحق المرضى وأسرهم.
 الدولة: من إدارة الأزمة إلى بناء السياسة العموميّة:
 يجب أن تتطور مقاربة الدولة من معالجة موسميّة إلى استراتيجيّة وطنيّة دائمة، تشمل:
 إنشاء المزيد من المراكز المتخصصة والمتكاملة للعلاج النفسي والإدمان وإعادة الإدماج.
 تدريب الطواقم الطبيّة والقضائيّة للتعامل مع الحالات العقليّة بحساسيّة وفهم.
 سن قوانين واضحة تحمي المرضى النفسيين وتحفظ كرامتهم وحقوقهم.
 الخروج من الحلقة المفرغة:
لكسر دائرة الإهمال والعنف والتشرد، نحتاج إلى:
 رعاية وقائية تبدأ قبل انهيار المريض.
 متابعة مستمرة بعد العلاج بالمستشفى.
 مشاريع حقيقية لإعادة دمج المرضى في الحياة الاجتماعية والمهنية قدر الإمكان.
بغير ذلك، سنظل ندور في حلقة الألم نفسها، ندفن الضحايا في صمت وننتظر ضحايا جدد وكأننا لا نتعلم أبداً.
• الخلاصة: صرخة في الفراغ: كي لا نصبح وحوشاً بأقدام بشرية:
ليس أبشع من أن ترى إنساناً ينهار أمامك وأنت تمضي، دون أن تلتفت. وليس أبشع من أن يتحول الألم البشري إلى مشهد عابر، لا يثير فينا سوى الملل أو الاشمئزاز.
المختلون الذين تاهوا في الشوارع لم يختاروا الجنون ولا التشرد ولا العزلة. ولم يطلبوا أن يكونوا نسيجاً ممزقاً على هامش مجتمع أدار لهم ظهره.
بيننا وبينهم خيط رفيع جداً، خيط قد يقطعه حادث صغير، انهيار عصبي، صدمة نفسية، أو مجرد لحظة ضعف لم نجد فيها من يأخذ بأيدينا.
حين نخون هؤلاء، نحن في الحقيقة نخون أنفسنا. حين ندفن إنسانيتنا تجاههم، ندفن آخر ما يبقينا بشراً.
هذا المقال ليس اتهاماً أو إدانة ولا تبريراً ولا بكاءً على الأطلال؛ إنه دعوة: أن نعيد الاعتبار لمن سقطوا منا، أن نعيد بناء الجسور بدل أن نحفر الخنادق، أن نصير مجتمعاً يعرف أن الإنسانيّة ليست ترفاً، بل شرطاً للنجاة، كي لا نصبح وحوشاً تمشي على قدمين، بقلوب ميتة.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...