فرنسا: على هامش قضية مارين لوبان

 

 

 

د. مدى الفاتح
كاتب سوداني

 

 

ما تزال حالة من الوجوم والارتباك تسيطر على تيار اليمين المتطرف في فرنسا، منذ قرار معاقبة مارين لوبان في الحادي والثلاثين من مارس/آذار الماضي بعد الحكم عليها بالفساد. اسم مارين لوبان ليس اسما عاديا على الساحة السياسية الفرنسية، بل والأوروبية، فهي الشخصية الحزبية الأكثر جماهيرية، خلال السنوات الأخيرة وأحد أبرز وجوه اليمين المتطرف. على الرغم من أن لوبان سعت لتمنح رئاسة حزبها «التجمع الوطني» لسياسي شاب هو جوردان بارديلا، إلا أن الجميع كان يتعامل معها، باعتبار تاريخها الطويل، الذي يمثل امتدادا لميراث والدها، كزعيمة أولى.
جاءت الصدمة بعد أن فهم الناخبون، أن الحكم القضائي ضدها يعني استبعادها من دائرة المنافسة للانتخابات الرئاسية، لفترة خمس سنوات على الأقل، ما يعني بطريقة أخرى، استبعاد أهم المرشحين لمنصب رئيس الجمهورية في الانتخابات المقبلة في عام 2027.
إحدى المفارقات هنا، أن هذه القضية كانت تأتي بالتزامن مع حدث تركي لاقى رواجا إعلاميا أكبر، وهو المتعلق بمحاكمة عمدة إسطنبول، المنتمي للحزب الجمهوري المعارض، أكرم إمام أوغلو، بتهم متعلقة بالفساد، واستغلال النفوذ، ما كان يعني تنحيته عن منصبه وتوقيفه واستبعاده من المنافسة في الانتخابات الرئاسية المقبلة. تكمن المفارقة في الازدواجية، التي تعامل بها الإعلام مع الخبرين، حيث ركز أغلب المحللين في الحالة التركية على فرضية وحيدة، كانت تعتبر أن الاتهامات الموجهة ضد إمام أوغلو ملفقة من قبل الحزب الحاكم، ومن الرئيس أردوغان من أجل التخلص من المرشح المعارض واستبعاده من المنافسة.

في المقابل، فإن قليلا من المحللين كانوا يذهبون لقول المثل عن الحكم الفرنسي، الذي يأتي في وقت صعود غير مسبوق لليمين المتطرف ولاسم مارين لوبان، التي ظلت تشكل على مدى العقدين الماضيين تهديدا لعروش التيارات الوسطية، وهو ما ظهر مؤخرا في تفوقها على حزب الرئيس إيمانويل ماكرون. في الحقيقة فإن لوبان لم تسحب الثقل الجماهيري من الرئيس ماكرون فقط، ولكن أطروحاتها، التي بدت أقدر على مخاطبة أشواق ومخاوف الفرنسيين، كانت تسحب البساط من التيارات اليسارية أيضا، حتى إن الأخيرة وجدت نفسها مضطرة للاتحاد ضمن إئتلاف كبير، من أجل أن تستطيع خلق بعض التوازن مع الكتلة الجماهيرية «اللوبانية».
وفق مبدأ الشفافية تبدو مارين لوبان مذنبة، فقد ثبت أنها قامت بين عامي 2004 و2016 بتحويل مبالغ كبيرة من ميزانية الاتحاد الأوروبي وتوظيفها لصالح أفراد حزبها، بادعاء أن أعضاء الحزب يعملون كمساعدين للنواب الأوروبيين. كان هذا في نظر القانون أمرا يستحق العقوبة، التي تتنوع بدورها ما بين السجن والغرامة والحرمان من التنافس الانتخابي. مع أخذ ذلك بعين الاعتبار، فإنه يصعب أيضا تجاهل ما قاله فريق لوبان، الذي اعتبر أن في الحكم تسييسا وإساءة لحكم القانون، كما يصعب تجاهل السياق، الذي حدث فيه كل ذلك، حيث لا ينفصل هذا الحدث عما حدث عقب الانتخابات البرلمانية الأخيرة، التي جاءت عقب قرار الرئيس الفرنسي حل البرلمان المنتخب وإعادة توزيع البطاقات الانتخابية. تلك الانتخابات، التي خيبت نتيجتها آمال ماكرون وفريقه الوسطي، شكلت صدمة للوسط السياسي، حيث أفضت لتحقيق التحالف اليساري المرتبة الأولى متقدما على الجميع، فيما حقق حزب لوبان نجاحا تاريخيا، الذي حدث هو أنه تم تجاهل هذه النتيجة، حيث سارع الإليزيه للقول إنه لا يوجد فائز في هذه الانتخابات وإن الكتل الثلاث، حازت عددا متقاربا من الأصوات بشكل لا يؤهل أيا منها للانفراد بتشكيل الحكومة. اليساريون دخلوا حينها في موجة غضب واحتجاجات، واعتبروا قرارات الرئاسة الفرنسية بمثابة انقلاب على نتيجة التصويت، التي وضعتهم في المقدمة. كان أولئك يظنون أنهم سينجحون في تشكيل حكومة بطابع يساري.
في تعليقي حينها قلت، إن الدولة العميقة أو «الأخ الأكبر» وفق تعبير جورج أورويل في روايته الشهيرة1984 لم تكن لتسمح لمشروع اليساريين، خاصة من أصحاب الأجندات المتطرفة، التي كانت تطالب بمنح مزيد من الحقوق للأقليات والمقيمين والمهاجرين الأجانب، بالانتصار.
بعد ما حدث من استهداف لمارين لوبان يمكننا أن نتابع بالمنطق ذاته قائلين، إن هذا «الأخ الأكبر»، الذي يتحكم في الهندسة الانتخابية وفي مآلات التصويت، لم يكن أيضا ليترك لوبان لتمضي نحو تحقيق مشروعها اليميني المتطرف المعاكس، ليس فقط لأن هذا المشروع يعادي بشكل سافر اللاجئين والمهاجرين، وينهي عقودا من التعايش والتعددية الثقافية، ولكن لأنه يفكك ثوابت مهمة في العقلية الأوروبية، أهمها ما يتعلق بالمحافظة على الاتحاد الأوروبي. لا ننسى أن لوبان كانت أيضا مبغوضة في الوسط الحزبي الأوروبي، بسبب علاقتها بروسيا وبالرئيس بوتين، وبسبب موقفها من الحرب الأوكرانية، الذي لا تشترك فيه مع الرأي السائد، الذي كان يذهب لضرورة المشاركة في القتال ومناصرة أوكرانيا مهما كلف الثمن.
الحديث عن الدولة العميقة و»الأخ الأكبر»، الذي يتدخل في الوقت المناسب من أجل تعديل المسار الانتخابي، يبدو غريبا في السياق الغربي، فنحن كثيرا ما نتحدث عن التلاعب بنتائج التصويت، حينما يتعلق الأمر بدول الجنوب، لكن الحقيقة هي أن هناك تلاعبا ما يجري في الدول الغربية أيضا، وإلا كيف نفسر ثبات السياسات الداخلية والخارجية في تلك الدول، على الرغم من تغير المرشحين؟ هذا يفسر حالة الذهول، التي انتابت العالم الحر بفوز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ترامب لم يكن يأتي فقط من خارج هذه اللعبة الانتخابية، بل كان يبدو متحديا لها ورافضا أيضا. صحيح أنه، على الرغم من الضجة التي أثيرت منذ انتخابه، فإن الرجل لم يخرج عن الثوابت الكبرى المتعلقة بالحفاظ على الهيمنة الأمريكية، والإبقاء على التحالف بين واشنطن وتل أبيب مثلا، إلا أن ما قام به نحو مساعي تفكيك العلاقات الدولية، خاصة العلاقة مع أوروبا، إضافة إلى إعادة النظر في الموقف من المنظمات والاتفاقات الدولية التاريخية، شكّل مع ذلك هزة لنظام دولي ظل ثابتا منذ ما يقارب القرن.
من ناحية الفلسفة السياسية يقدم كل ذلك مسوغات جديدة لنقاد الديمقراطية، الذين كانوا يشككون في الأساس في النظام السياسي الغربي، خاصة في السنوات الأخيرة، التي ثبت فيها أن المعارضة الواسعة لقرارات الحرب أو التضامن الشعبي مع أحداث إنسانية مهمة، كالقضية الفلسطينية، لا يعني الكثير.
لا علاقة للأمر هنا بحب أو كراهية لوبان، فالزعيمة السياسية تظل، على الرغم من كل شيء، اسما سياسيا يلتف حوله الملايين ويرون فيه المرشح، الذي يعبر أكثر عن تطلعاتهم. المسألة هي أن استبعاد لوبان لا يعني فقط حرمانها من الوصول للرئاسة، بل يعني إفراغ الانتخابات المقبلة من مضمونها عبر منع أعداد كبيرة من الناخبين من اختيار مرشحهم المفضل. يفضي ذلك إلى سؤال آخر هو: ما هي مسوغات وحدود حرمان مرشح ما من حقه في الترشح، وما هي الجرائم، التي تستوجب ذلك الحرمان؟ من الطرائف، التي يمكن بها التدليل على أن الديمقراطية اللطيفة قد تكون لها أنياب قاسية أيضا أن لوبان وحزبها كانوا قد دعموا في وقت سابق القانون الخاص بمعاقبة السياسيين الفاسدين. ربما لم يكن يخطر على البال آنذاك أن الزعيمة الطموحة سوف تسقط ضحية لهذا التشريع.

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...