مديرة إنجاز ميناء الداخلة لـ”الصحيفة”: 62% من أشغال الميناء أُنجزت.. والمشروع يستقطب المستثمرين ويرسم ملامح أكبر قطب لوجستي بجنوب المغرب
تتواصل أشغال إنجاز ميناء الداخلة الأطلسي بوتيرة متسارعة، بعدما بلغت نسبة التقدم الإجمالية في هذا المشروع الاستراتيجي الضخم 62 في المائة، في مؤشر جديد على اقتراب المغرب من وضع أحد أكبر موانئه الجديدة على الواجهة الأطلسية الجنوبية، والذي يرتقب أن يشكل رافعة اقتصادية ولوجستية كبرى، ليس فقط لجهة الداخلة وادي الذهب، وإنما لمجمل المبادلات التجارية بين المملكة وعمقها الإفريقي.
فوفق ما كشفته نسرين اليوزي، مديرة المديرية المؤقتة المكلفة بإنجاز المشروع، لـ”الصحيفة”، فإن مختلف الأوراش المكونة للميناء تعرف تقدما متواصلا ومتوازنا، حيث تم تحقيق نسب إنجاز مهمة في عدد من المكونات الأساسية، وفي مقدمتها الجسر البحري الذي بلغت نسبة إنجازه نحو 85 في المائة، وهو ما يعني أن الأشغال المرتبطة به شارفت على نهايتها بعد حوالي سنة ونصف من العمل المتواصل.
وأوضحت اليوزي أن الجسر البحري يشكل إحدى البنيات الأساسية التي يقوم عليها الميناء، باعتباره حلقة الوصل الرئيسية بين اليابسة والمنشآت البحرية، مشيرة إلى أن فرق العمل تواصل حاليا استكمال الأشغال النهائية المرتبطة بهذا المكون الحيوي، في وقت انتقلت فيه الجهود إلى تسريع إنجاز الأوراش الأخرى المرتبطة بالمنشآت البحرية الثقيلة.
وفي هذا الإطار، أكدت أن الأشغال الجارية تركز حاليا على عمليات الردم الكبرى ووضع المجسمات الخرسانية الضخمة المخصصة لمنشآت الحماية البحرية، وهي عناصر هندسية أساسية تهدف إلى حماية البنيات المينائية من قوة الأمواج والتيارات البحرية، وضمان استقرار مختلف المنشآت على المدى الطويل.
وأضافت أن عمليات تصنيع هذه المجسمات الخرسانية ونقلها وتركيبها تعرف تقدما متواصلا في إطار برنامج تقني معقد يتطلب تعبئة معدات ثقيلة وفرق متخصصة، بالنظر إلى الحجم الكبير لهذه المنشآت والدور المحوري الذي ستلعبه في تأمين الميناء مستقبلا.
وعلى مستوى الحاجز البحري الرئيسي، الذي يمثل العمود الفقري لمنظومة الحماية البحرية بالميناء، بلغت نسبة التقدم نحو 80 في المائة، وهو ما يعكس، بحسب المسؤولة ذاتها، التقدم الكبير الذي تحقق خلال الأشهر الماضية في هذا الورش الحيوي، الذي يعد من أكثر مكونات المشروع تعقيدا من الناحية التقنية والهندسية.
وأشارت إلى أن الحاجز البحري يشكل أحد أهم المرافق المهيكلة للميناء، بالنظر إلى دوره في حماية الأحواض المينائية وضمان ظروف آمنة لحركة السفن وعمليات الرسو والشحن والتفريغ، مضيفة أن الأشغال المرتبطة به تسير وفق الجدولة الزمنية المحددة سلفا.
أما بخصوص الأراضي المسطحة التي ستحتضن مختلف الأنشطة اللوجستية والصناعية والخدماتية المرتبطة بالميناء، فقد بلغت نسبة الإنجاز فيها حوالي 50 في المائة، على مساحة إجمالية تناهز 57 هكتارا، حيث تشمل هذه الأشغال عمليات التهيئة والتسوية وإعداد الفضاءات المخصصة لاستقبال البنيات التحتية المستقبلية الخاصة بالتخزين والصناعة والخدمات اللوجستية.
وأكدت اليوزي أن الأشغال الخاصة بالحوضين الرئيسيين للميناء تشهد بدورها تقدما مطردا، موضحة أن الحوض الأول والحوض الثاني يمثلان عنصرين أساسيين في البنية التشغيلية للميناء، بالنظر إلى ما سيوفرانه من قدرات لاستقبال السفن التجارية وسفن الصيد والخدمات البحرية المختلفة، وسيتم الانتهاء منهما في خضم هذا الشهر.
كما كشفت أن المرحلة الثانية من المشروع سجلت بدورها تقدما بلغت نسبته حوالي 20 في المائة، وسيتم الانتهاء منها هذه السنة في ما يخص الأراضي المسطحة، وذلك في وقت تعمل فيه مختلف الفرق التقنية والهندسية على تسريع وتيرة الإنجاز، بما يضمن الحفاظ على الجدول الزمني العام للمشروع.
وشددت المسؤولة على أن جميع المتدخلين، من مؤسسات عمومية ومكاتب دراسات وشركات إنجاز ومقاولات متخصصة، يواصلون التنسيق اليومي لتتبع تقدم الأشغال وتجاوز مختلف التحديات التقنية المرتبطة بهذا المشروع الضخم، مؤكدة أن وتيرة الإنجاز الحالية تسمح بالحفاظ على الأهداف الزمنية المسطرة.
وأضافت أن مختلف مكونات المشروع، سواء تعلق الأمر بالحواجز البحرية أو الأحواض أو الأراضي المسطحة أو منشآت الحماية والتجهيزات المرافقة، تعرف تقدما منسجما مع البرنامج التنفيذي المعتمد، ما يعزز إمكانية استكمال المرحلة الأولى من الميناء في الآجال المحددة.
ويرتقب، وفق المعطيات الرسمية التي قدمتها اليوزي لـ”الصحيفة”، أن يتم الانتهاء من المرحلة الأولى لميناء الداخلة الأطلسي مع نهاية سنة 2028، ليشكل عند دخوله الخدمة نقطة تحول استراتيجية في الخريطة اللوجستية والاقتصادية للمملكة، خصوصا في ظل موقعه الجغرافي المتميز على الواجهة الأطلسية بالقرب من أهم المسارات البحرية الدولية الرابطة بين أوروبا وإفريقيا والأمريكيتين.
ويأتي هذا المشروع في إطار الرؤية الملكية الرامية إلى جعل الأقاليم الجنوبية قطبا اقتصاديا مندمجا مع محيطه الإفريقي، حيث يعول على الميناء الجديد لاستقطاب استثمارات صناعية ولوجستية كبرى، وتعزيز سلاسل التصدير الوطنية، وتطوير قطاع الصيد البحري والصناعات المرتبطة به، فضلا عن توفير آلاف فرص الشغل المباشرة وغير المباشرة.
كما ينتظر أن يساهم ميناء الداخلة الأطلسي في تعزيز الربط البحري بين المغرب وبلدان غرب إفريقيا، وتحويل جهة الداخلة وادي الذهب إلى منصة للتجارة والخدمات البحرية والاستثمارات العابرة للحدود، بما ينسجم مع الطموح المغربي الرامي إلى ترسيخ موقع المملكة كبوابة رئيسية بين أوروبا وإفريقيا وفاعل محوري في المبادرات الأطلسية الجديدة التي يقودها المغرب نحو القارة الإفريقية.
ومع تجاوز نسبة إنجاز المشروع عتبة 60 في المائة، تكون أشغال ميناء الداخلة الأطلسي قد دخلت مرحلة حاسمة من التنفيذ، وسط توقعات بأن يشكل هذا الورش، عند اكتماله، أحد أكبر المشاريع المينائية التي شهدها المغرب خلال العقود الأخيرة، وأحد أبرز أدواته لتعزيز حضوره الاقتصادي والتجاري في الفضاء الأطلسي الإفريقي.
وإذا كانت أشغال ميناء الداخلة الأطلسي قد بلغت اليوم 62 في المائة، فإن الرهان الحقيقي يتجاوز نسب الإنجاز والأرقام التقنية نحو ما سيحدثه المشروع من تحول استراتيجي في جنوب المملكة خلال العقود المقبلة، فالميناء، الذي صُمم بطاقة استيعابية تصل إلى 35 مليون طن سنويا، وبمناطق اقتصادية ولوجستية تمتد على 1650 هكتارا، لا يُبنى فقط لاستقبال السفن والبضائع، بل لتأسيس قطب اقتصادي جديد قادر على استقطاب الاستثمارات والصناعات الكبرى وإعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية للأقاليم الجنوبية.
وكشفت اليوزي أن المؤشرات الأولية لهذا التحول بدأت بالفعل قبل افتتاح الميناء، إذ تضاعف اهتمام المستثمرين المغاربة والأجانب بجهة الداخلة منذ انطلاق الأشغال، وأصبحت المنطقة تستقبل بشكل متواصل وفودا اقتصادية وهيئات استثمارية تبحث فرص التموقع داخل هذا القطب الاقتصادي الصاعد، وهو ما يعكس حجم الرهانات المعقودة على المشروع باعتباره منصة قادرة على جذب سلاسل صناعية ولوجستية كاملة، وليس مجرد بنية تحتية للنقل البحري.
والأهم من ذلك أن المشروع صُمم منذ البداية بمنطق استشرافي يتجاوز حاجيات اليوم إلى متطلبات العقود المقبلة، إذ تؤكد المسؤولة ذاتها لـ”الصحيفة” أن الميناء قابل للتوسعة مستقبلا متى أثبتت المؤشرات الاقتصادية الحاجة إلى ذلك، مع تخصيص احتياطات عقارية إضافية تسمح بإنجاز أرصفة جديدة وتوسيع المناطق الصناعية واللوجستية واستقبال أنشطة اقتصادية ناشئة، من بينها تزويد السفن بالوقود الأخضر والهيدروجين النظيف.
ومع اقتراب موعد استكمال المرحلة الأولى في نهاية سنة 2028، يترسخ تدريجيا موقع ميناء الداخلة الأطلسي كإحدى أهم الأوراش الاستراتيجية التي أطلقها المغرب خلال العقود الأخيرة، ليس فقط لما سيوفره من فرص استثمار وتشغيل، بل أيضا لما يحمله من أبعاد جيوسياسية واقتصادية تجعله أداة عملية لتنزيل المبادرة الملكية الرامية إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، وبوابة جديدة لربط إفريقيا بأوروبا وأمريكا اللاتينية عبر التراب المغربي.
المصدر: الصحيفة





