السياسة في الجامعة المغربية: بين الأزمة البنيوية والتطلعات الشبابية

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

الطالبة الباحثة
وصـال مكوار

 

 

 

إن السياسة في الجامعة المغربية ليست مجرد ظاهرة عابرة أو لحظة طارئة، بل هي امتداد تاريخي لتفاعلات اجتماعية وأيديولوجية عميقة رافقت نشوء التعليم العالي منذ الاستقلال، وتجلت في تطور الحركة الطلابية، وامتداد الفصائل السياسية، واحتدام الصراع على الهوية والموقع داخل الحقل الجامعي. لكن هذه السياسة التي يفترض أن تكون عاملا في التنوير والمشاركة، تحولت في سياقات متعددة إلى فضاء للأزمة، والاحتقان والتهميش، بل والعنف أحيانا، ومن هنا يطرح سؤال السياسة في الجامعة المغربية نفسه بإلحاح: هل لا تزال الجامعة فضاء للتكوين السياسي والفكري؟ أم أصبحت ساحة لصراع الفصائل ومرآة لأعطاب السياسة الوطنية؟
منذ تأسيس مؤسسات التعليم العالي بعد الاستقلال سنة 1956، تشكل الفضاء الجامعي كأحد أبرز مجالات إنتاج النخبة السياسية المغربية، فقد انخرط الطلبة منذ البداية في التنظيمات الحزبية والنقابية الموازية، وتشكلت أولى الفصائل الطلابية على أساس الانتماء للأحزاب الكبرى، مثل حزب الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وانبثقت عنها تنظيمات طلابية مثل “الاتحاد العام لطلبة المغرب” و”الاتحاد الوطني لطلبة المغرب”.
لكن التحول الجوهري وقع بعد انفصال التيارات السياسية عن أطرها التقليدية، وظهور فصائل مستقلة منذ ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، مما برز حينها الطلبة الماركسيون والقاعديون، والاتحاديون، والطليعيون وغيرهم ممن سعوا إلى إنتاج خطاب بديل وممارسة سياسية ميدانية، غالبا ما دفعتهم نحو المواجهة مع السلطة أو مع فصائل أخرى، ومنذ ذلك الحين صار الانتماء السياسي مكونا بنيويا في هوية الطالب المغربي، لا ينفصل عن وعيه الجمعي ولا عن رهانات الصراع الاجتماعي العام.
وقد عرفت الحركة الطلابية لحظة تأسيسية مركزية تمثلت في “الاتحاد الوطني لطلبة المغرب”، الذي مثل لسنوات صوت الطلبة الوحيد ومجالهم الجامع، غير أن هذا الإطار النقابي عرف انكسارا حادا بعد فشل المؤتمر السابع عشر، ودخلت الحركة الطلابية، منذ 1981، مرحلة أزمة تنظيمية عميقة، وما بين 1981 و1989 لم تستطع أي جهة أو فصيل إعادة بناء المنظمة الطلابية بشكل جماعي أو ديمقراطي.
وبالتالي فقد فشلت الفصائل التاريخية الاتحاديون، القاعديون، الطليعيون، الديمقراطيون، التقدم والاشتراكية في الوصول إلى تصور مشترك، ما بين من يدعو إلى هيكلة فوقية (قيادة انتقالية تمثل الفصائل) ومن يطالب بهيكلة تحتية (من القاعدة إلى القمة).
ولأن غياب الإطار النقابي الجامع أنتج فراغا سياسيا، فقد امتلأ لاحقا بتناسل فصائل جديدة، بعضها راديكالي وبعضها هوياتي أو ديني.
ومع مطلع التسعينيات، لم تعد الأزمة مقتصرة على غياب التنظيم أو تراجع الفعل النقابي، بل انتقلت إلى مستوى أشد خطورة: العنف الفصائلي ودخول الفصائل الإسلامية، في سياق اجتماعي وسياسي متأزم، رافقه تفجر أحداث دامية، أبرزها اغتيال الطالبين أيت الجيد بنعيسى والمعطي بوملي، وما تلاه من اتهامات متبادلة بالعنف والتصفية.
وازداد هذا المشهد الدموي قتامة مع الألفية الجديدة، حيث وجهت اتهامات لفصائل ذات مرجعيات ثقافية وقومية بالضلوع في مقتل طلبة من تيارات يسارية راديكالية، ولم يتوقف الأمر عند ذلك بل امتد لاحقا ليطال بدوره طلبة محسوبين على الفصائل الإسلامية، في ظل اتهامات موجهة إلى تيارات معارضة داخل الساحة الجامعية، وهكذا قد تحولت الجامعة المغربية من فضاء للنقاش والصراع الفكري إلى ساحة للاقتتال المادي، مما عمق أزمة السياسة الجامعية، ورسخ صورة قاتمة عن الحياة الطلابية لدى الرأي العام الوطني.
ومع نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة، بدأ تفكك الفصائل التقليدية المرتبطة بالأحزاب السياسية، في حين برزت تيارات طلابية جديدة، بعضها ثقافي أو قومي أو يساري مستقل، وبعضها مرتبط بتجارب نضالية مستحدثة، أو مرجعيات فكرية غير حزبية، كما ظهر التوجه نحو التنسيقات المرحلية بين بعض الفصائل، خصوصا مع محاولة إطلاق “برنامج الحوار الفصائلي” سنة 2010، بالتزامن مع ذكرى انتفاضة 23 مارس، لكنه سرعان ما تعثر نتيجة غياب الإجماع بين الفصائل اليسارية.
من جهة أخرى ضخت حركة 20 فبراير (2011) دماء جديدة في الجسم الطلابي، وشارك عدد من المواقع الجامعية، خاصة موقع ظهر المهراز في فعالياتها، غير أن غياب منظمة طلابية موحدة حرم الطلبة من لعب دور مركزي في الحراك، رغم حضورهم في مقدمته الاجتماعية والسياسية، ومع ذلك ظل الطالب المغربي يشكل رافدا حيويا للاحتجاجات، سواء من خلال مسيرات طلبة الطب، أو ملف الأساتذة المتدربين، أو عبر المساهمة في حراكات اجتماعية محلية مثل حراك الريف وجرادة.
لكن الواضح من السياق التاريخي الذي ذكرناه فإننا نجد أن الطالب المغربي لم يفقد وعيه السياسي، رغم الأزمة البنيوية التي تعاني منها حركته، فحتى في ظل القمع، والاعتقالات، وغياب الإطار التنظيمي، ظل الطلبة يعبرون عن مواقف سياسية حادة، ويدفعون أثمنة باهظة من السجن إلى الموت وذلك نتيجة انخراطهم في الصراعات السياسية والاجتماعية، بل إن الوضع الراهن يتميز بما يشبه “الاحتكار الشبابي” لمواجهة الدولة، في ظل غياب معتقلي الأحزاب والنقابات، وبروز الطلبة وشباب الأحياء وهواة الكرة كأبرز الفاعلين الميدانيين في هذا المعطى، مما يجعل من الجامعة فضاء سياسيا بامتياز، رغم أنه محروم من التنظيم القانوني، ومحرف في الإعلام الرسمي، ومهمش في السياسات العمومية، فالسياسة عند الطالب المغربي ليست فقط تعبيرا عن انتماء ما، بل هي معركة وجودية تخاض في مواجهة مؤسسات الدولة: من الإدارة الجامعية، إلى الأجهزة الأمنية، إلى القضاء المخزني.
أمام هذا الوضع تطرح الحاجة إلى تجاوز الثنائية العقيمة بين فصائل متناحرة وتنظيم نقابي محظور، لصالح إعادة بناء حركة طلابية جديدة، متحررة من الأطر الإيديولوجية الجامدة، ومرتبطة بتحولات الواقع الاجتماعي والسياسي، فإن تجاوز إشكالية شرعية “الاتحاد الوطني لطلبة المغرب” لم يعد فقط مطلبا تنظيميا، بل ضرورة استراتيجية من أجل إحياء السياسة كأداة للتحرير والتنوير داخل الجامعة.
‎الجامعة ليست مجرد مكان للتحصيل الأكاديمي، بل هي فضاء لبناء الوعي، وتخريج المواطنين. والسياسة داخلها، رغم مظاهر التدهور والانحراف، لا تزال مرآة حقيقية لوعي الشباب المغربي، ولإرادتهم في مقاومة التهميش والاستبداد، وبناء مغرب المستقبل.

إيطاليا تلغراف


تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...