عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيمب ايطاليا
في عالم سريع التغير تقوده التكنولوجيا، تتسارع الخطى نحو صدارة سوق الهواتف الذكية، حيث تتواجه عملاقتان من الشرق والغرب: هواوي الصينية وآبل الأمريكية. ومع كل إصدار جديد، تتجدد الأسئلة حول من يقود هذه الصناعة فعليًا، ومن ينجح في كسب قلوب المستهلكين وثقتهم في عالم يزداد تطلبًا وتعقيدًا.
لم تكن رحلة هواوي سهلة في السنوات الأخيرة. فمنذ أن فرضت الولايات المتحدة عقوبات قاسية على الشركة، بما في ذلك حرمانها من خدمات “غوغل” وتقنيات المعالجات الأمريكية، اعتقد كثيرون أن نجم الشركة الصينية في طريقه إلى الأفول. لكن المفاجأة جاءت مع عودة سلسلة Mate الجديدة، التي أثبتت أن هواوي لا تزال قادرة على الإبداع والمنافسة، بل والتحدي من موقع القوة.
هاتف Mate 60 Pro، على سبيل المثال، جاء بتقنيات متقدمة وبتصميم أنيق، ويُشاع أنه يستخدم شريحة مطورة محليًا بتقنية 7 نانومتر رغم الحصار، ما أثار تساؤلات دولية حول قدرة الصين على تجاوز القيود التكنولوجية الغربية.
من جانبها، تواصل آبل تعزيز موقعها العالمي من خلال الابتكار المستمر والتحديثات الدقيقة التي تقدمها عبر سلسلة iPhone. لكن رغم نجاحها التجاري، تواجه الشركة تحديات متزايدة، من بينها تشبع الأسواق، وارتفاع أسعار أجهزتها، وانتقادات حول ضعف الابتكار في بعض النسخ الحديثة.
كما أن دخول هواوي بقوة إلى الأسواق الآسيوية والأفريقية، والاعتماد المتزايد على البدائل الصينية لنظام أندرويد، قد يؤثر مستقبلاً على الحصة السوقية لآبل خارج الولايات المتحدة وأوروبا.
المعركة بين آبل وهواوي لم تعد مجرد سباق على من يصنع الهاتف الأجمل أو الأسرع، بل أصبحت مواجهة إستراتيجية على من يملك مفاتيح الجيل القادم من الأجهزة الذكية. وتشمل هذه المرحلة:
تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي المدمجة في النظام والهاتف.
القدرة على تطوير شرائح المعالجة محليًا دون الاعتماد على سلاسل التوريد الغربية.
ابتكار أنظمة تشغيل متكاملة تعزز استقلالية الشركة وتُوفر تجربة مستخدم غامرة.
تكنولوجيا الاتصال المتقدمة، خاصة في مجالات 5G وما بعده.
ما يضفي مزيدًا من التوتر والتعقيد على هذه المنافسة هو بعدها الجيوسياسي. فهواوي لا تمثل مجرد شركة تجارية، بل أداة تقنية تعكس صعود الصين كقوة عالمية منافسة للغرب. وفي المقابل، تمثل آبل رمزًا للهيمنة الأمريكية في التكنولوجيا، وهو ما يجعل كل إنجاز لهواوي يُقرأ في سياق أوسع من مجرد أرقام المبيعات أو نسب الأرباح.
حتى الآن، لا يبدو أن آبل مهددة بشكل مباشر بخسارة عرشها، خصوصًا في الأسواق الغربية التي لا تزال تهيمن عليها بثقة. لكن إنجازات هواوي الأخيرة تُرسل إشارات واضحة بأن المنافسة دخلت فصلًا جديدًا أكثر حدة وتعقيدًا، وأن هيمنة آبل قد لا تكون أبديّة، خاصة مع دخول لاعبين آسيويين آخرين مثل سامسونغ، شاومي، وأوبو إلى ساحة السباق.
المستقبل مفتوح على كل الاحتمالات. هواوي تعود بإصرار وصبر، مزوّدة بثقة وطنية ودعم حكومي، وآبل تقاتل من أجل الحفاظ على إرثها ومكانتها. فهل يشهد العقد القادم تغيرًا في مشهد الهيمنة التقنية؟
الجواب مرهون بمدى قدرة كل طرف على الابتكار، لا في الأجهزة فحسب، بل في الفكر التكنولوجي والقدرة على التكيّف مع عالم سريع التحوّل.





