نهاية القانون الدولي

إيطاليا تلغراف

 

 

 

علي أنوزلا
صحافي وكاتب مغربي، مدير ورئيس تحرير موقع “لكم. كوم”.

 

كشفت الحرب الضارية بين إيران من جهة وإسرائيل وأميركا من جهة أخرى، مدى هشاشة السلم والأمن الدوليين عندما لا تحترم أكبر قوة القانون الدولي وتصمت بقية الدول على الانتهاكات التي تُرتكب ضد كل القوانين والمواثيق الدولية التي تأسّس عليها العالم خلال العقود الثمانية الماضية، فقد أدى العدوان الإسرائيلي على إيران والضربات الأميركية الهجومية على منشآتها النووية إلى نشر جو من الفوضى والخوف، ليس بسبب القوة المدمّرة التي استعملتها كل الأطراف في هذه الحرب المجنونة، ولكن أيضاً بسبب الدوْس، وعن قصد، على أبسط قواعد القانون الدولي، من إسرائيل وأميركا اللتين دفعتهما قوتهما العسكرية الفائقة إلى فرض قانون القوة، حتى لو كان هذا على أنقاض ما تبقى من النظام الدولي القديم الذي أسّسته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، والتي لم تعد هي نفسها تُبالي كثيراً بمبادئه وقواعده.

عدوان إسرائيل وأميركا على إيران، وقبله حرب الإبادة المستمرّة في غزّة التي تقودها إسرائيل بدعم أميركي واضح وصريح، ساهما في خلخلة كل أسس النظام الدولي الذي يعاني من انتكاسات ما بعد نهاية الحرب الباردة، ووضعا العالم في مواجهة الأمر الواقع الذي فرضه مجرم حرب، برتبة رئيس وزراء إسرائيل، اختار شنّ الحرب على إيران، وبقرار انفرادي منه واغتيال قادتها العسكريين وعلمائها في الذرة، وما زال يهدّد بقلب نظامها واغتيال مرشدها، وقبلها تحدّى العالم مستمرّاً في حرب الإبادة على غزّة، ببشاعة غير مسبوقة، غير مكترثٍ بأبسط قواعد القانونين، الدولي والدولي الإنساني، واليوم ينجح في جر رئيس أقوى دولة إلى حروبه، واضعاً تحت تصرفه قوّة أميركا النارية الجبّارة التي بفضلها يغذّي تصريحاته بالنصر السابق لأوانه.

نجح نتنياهو في جرّ ترامب للدخول في الحرب ضد إيران، وكشف مرّة أخرى أن إسرائيل التي تعدّ أكبر قاعدة عسكرية أميركية في المنطقة هي التي تحدّد معالم السياسة الخارجية الأميركية فيها

ما يحدُث في المنطقة خطير على مستقبل الأمن والسلم العالميين الهشّين أصلاً منذ نهاية الحرب الباردة، لأن ما نشهده من تصرّفات صادرة عن قوة مارقة هي إسرائيل، وقوة خارقة مثل أميركا التي كانت توصف “دركي” العالم، كلاهما يقودهما رجلان يعانيان من اضطراب الشخصية النرجسية الناتج عن الإفراط في حب الذات والتضخيم من أهميتها وقدراتها، يعد تجسيداً لقانون الغاب، وتمجيداً للقوة الصرفة، بدلاً من احترام مبادئ العدالة والقانون الدولي، والتي يمكن اعتبارها أصبحت من مخلفات الماضي، في انتظار قيام واقع جديد لا أحد يعرف معالمه المستقبلية، لكن بوادره تجعل الأفق يبدو أكثر قتامة.

لقد نجح نتنياهو في جرّ ترامب للدخول في الحرب ضد إيران، وكشف مرّة أخرى أن إسرائيل التي تعدّ أكبر قاعدة عسكرية أميركية في المنطقة هي التي تحدّد معالم السياسة الخارجية الأميركية فيها، وهذا ليس جديداً، لكن هذه المرّة جرى كل شيء بوضوح عار حد الاستفزاز عندما تحول الرئيس الأميركي ترامب الذي كان يقدم نفسه رجل سلام، وأظهر نفوره المعلن منذ وقت طويل من المغامرات العسكرية، وبنى وعوده الانتخابية، وتميّزه داخل حزبه، وبين الرؤساء الذين سبقوه، بأنه كاره للحروب، لكنه تحوّل إلى مجرد أداة عسكرية يستخدمها نتنياهو في إثارة حروبه التي لا تنتهي في المنطقة. ومن خلال تحالفه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، لا يخاطر ترامب فقط بالسقوط في مستنقع مميت جديد للولايات المتحدة، وإنما أيضاً بالتضحية بما تبقى لأميركا من مصداقية وهيبة، باعتبارها القوة العسكرية الرائدة في العالم.

التحوّل الكبير في موازين القوى بمنطقة الشرق الأوسط الذي فرضته إسرائيل بدعم قوي من حليفتها أميركا، واختزال العلاقات الدولية في منطق القوة وموازين القوى، يجعل المنطقة أمام وضع غير مسبوق، ويضع دولها وشعوبها، في الآن نفسه، تحت تأثير احتكار إسرائيلي أميركي، يؤسّس لواقع جديد يقوم على الهيمنة العسكرية لدويلة إسرائيل، ويعلن عن دخول المنطقة الرسمي العهد الصهيوني الذي قد يستمر عقوداً عدة لا يعلمها إلا الله.

يحصّن إسرائيل إفلاتها الدائم من العقاب على الاستهتار بالقانون الدولي ومؤسّساته ومحاكمه

أما تصريحات النصر السابق لأوانه الصادرة عن نتنياهو وترامب، فلا يمكن قراءتها إذا لم نفهم التركيبة النفسية للرجلين، ومن لا يعرف تاريخ الشرق الأوسط يجب تذكيره بأنه لا يخلو من تصريحات النصر المبالغ فيها السابقة لأوانها قبل أن تتبخر مثل سراب في عزّ نهار قائظ، فقد سمعنا التصريحات نفسها على لسان الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن عندما أعلن النصر في حربه على العراق التي ما زال جيش بلاده يلعق جراحه داخلها. وإذا كان من إيجابيات للمآسي التي يمر بها الشرق الأوسط اليوم، فهي إعلان هؤلاء المجانين علانية ما يفكر فيه الغرب في صمت، أي إن العرب والمسلمين في منطقة الشرق الأوسط، هم شعوب أقل درجة من باقي شعوب الأرض، وعليهم أن يخضعوا لأوامر سادتهم في إسرائيل والغرب وينفذوا سياساتهم، حتى لو على حساب كرامتهم وحياتهم التي لا قيمة لها بالنسبة إلى الإنسان الغربي. لقد بدأ عصر التفوّق العنصري المطلق، ويجب انتظار ردة الفعل المقبلة، عندما يجري تصريف الاحتياط الهائل من الغضب الشعبي في المنطقة، وهذا ما لا يمكن التفكير فيه حتى لا نستبق الأحداث فما هو قادم خطير.

العجز عن تطبيق القانون واختزال العلاقات الدولية في منطق القوة وموازين القوى، يؤدّيان إلى عجز دائم للقانون الدولي، ويفسحان الطريق واسعاً لكل من يريد التهرّب من احترامه من دون عقاب. من غزّة الجريحة وفلسطين المحتلة إلى إيران، مروراً بسورية ولبنان واليمن، يشهد الشرق الأوسط توترات وصراعات تسودها القوة والعنف، وأساس الشر فيها إسرائيل التي تشجعها حماية أميركا والغرب لها، كما يحصّنها إفلاتها الدائم من العقاب على الاستهتار بالقانون الدولي ومؤسّساته ومحاكمه ومجتمعه الدولي، ولا يعنيها أن تُحوِّل المنطقة إلى مقبرة لهذا القانون، وهي التي تقتل اليوم شعباً بكامله وتحاصره وتدفنه فوق أرض أجداده في تحدّ علني وسافر لكل الدول وقوانينها وتشريعاتها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...