محمد سامي الكيال
كاتب سوري
ينتشر حالياً في الثقافة السياسية الناطقة بالعربية نمط جديد من «الواقعية»، المتعلّقة هذه المرة بما يمكن تسميته «تفكيك الديمقراطية». والفكرة الأساسية فيه أن الديمقراطية ليست نظاماً كاملاً ونهائياً، أو نتيجة طبيعية وحتمية للتطوّر التاريخي، بل هو مجرد شكل بين أشكال متعددة من أنظمة الحكم، ظهر، ضمن ظروف اجتماعية وتاريخية خاصة، في الدول الغربية، وهو اليوم يمر بأزمة عميقة حتى في تلك الدول، كما أن محاولات تصديره إلى دول منطقتنا باءت بفشل ذريع، وأدت لكثير من الكوارث والفوضى. فضلاً عن هذا فإن جوهر الدولة الحديثة هو السيادة، وليس الحقوق والحريات، أو العقد الاجتماعي، أو تداول السلطة. يصعب إيجاد خطأ فادح في هذا الطرح، وإن كان يتسم بعدم دقّة واضحة، واللافت فيه جانبان أساسيان: الأول أنه يجيء بعد أكثر من عقد من الزمن على ما سُمّي «الربيع العربي»، الذي شهد قناعة عامة بأن العرب ليسوا استثناءً تاريخياً، أو ثقافياً، وسيتوجّهون بدورهم إلى دمقرطة دولهم ومجتمعاتهم؛ والثاني أنه لا يقتصر على مثقفين ناطقين بالعربية، وإنما بات اتجاهاً عالمياً، له ممثلوه الوازنون في اليسار واليمين الغربي. لقد صارت الديمقراطية، والتبشير بها، صيحة قديمة على ما يبدو.
كان التبشير بالديمقراطية، بل الديمقراطية المحاربة، جانباً أساسياً من الحرب الباردة، ووصل بعدها إلى ذروته أيام إدارة المحافظين الجدد، برئاسة جورج بوش الابن، واستمرّ أيام إدارة أوباما، ولكن ليس بواسطة الجيوش الغازية فحسب، بل عبر دعم عشرات المنظمات، خاصة «غير الحكومية»، وكذلك المنح الأكاديمية والفنيّة، التي نشرت أفكاراً ومصطلحاتٍ جديدة في المنطقة، من «الثورة اللاعنفيّة» وحتى «النسوية التقاطعية». وبعد كل ما شهدته المنطقة، من التخبّط الأمريكي في العراق وأفغانستان، إلى مآسي الحروب الأهلية العربية، في اليمن وسوريا وليبيا، بدأ صوت النقد اليساري لـ»المركزية الغربية»، الداعي لـ»نزع الاستعمار»، يرتفع بشدة، في أوساط المنظمات والأكاديميات المُمَوّلة غربياً نفسها؛ ثم تبنّاه اليمين الغربي بقوة. وربما كانت تصريحات توم باراك، مبعوث إدارة ترامب إلى تركيا، حول عدم النية بـ»تصدير الديمقراطية»، ونقد اتفاقية سايكس بيكو، أقوى مثال على هذه الانعطافة في خطاب اليمين، وتبنيه لعناصر كثيرة من مقولات اليسار، مع ملاحظة أن مثل هذه التصريحات تبدو في الأصل أنسب لعالم اليمين المحافظ والرجعي. كل هذا يجعل من «تفكيك الديمقراطية» أقرب لنوع من التبشير المضاد، فبعد أن بُشِّرنا لعقود بالديمقراطية، غيّر المُبشِّرون رأيهم، وصاروا يبشرون في أوساطنا بخصوصياتنا الثقافية، واختلافنا الجوهري، أو البنيوي، أو التاريخي، عن التجربة الغربية. وفي الحالتين، التحق كثير من المثقفين الناطقين بالعربية بالموجة، وصار الدارج بينهم «تفكيك الديمقراطية». يمكن القول إن المقولتين، التبشير بانتقال «القيم الغربية»، والتبشير ضدها، هما نزعتان كلاسيكيتان في الاستشراق، دارجتان منذ القرن التاسع عشر، إلا أن الموضوع نفسه أكبر كثيراً من الاستشراق، ونقده.
يعيد كثير من المتداخلين في الشأن العام اليوم اكتشاف مقولات «السيادة»؛ ويضيفون إليها مقولة «احتكار الدولة للعنف» العائدة لماكس فيبر، أو «الاحتكار الشرعي للعنف المادي والرمزي» حسب تعبير بيير بورديو؛ ويستشهدون بمفكرين، مثل كارل شميت، وجورجيو أغامبين، وميشيل فوكو، لبيان أبعاد «الوهم»، الذي انخدع به كثير من «الليبراليين العرب» لسنوات طويلة، ما يجعل التبشير المضاد يتخذ طابعاً «مترجماً» عن أصل غربي، إن صح التعبير، كحال كثير من التيارات الأيديولوجية العربية؛ وإذا رغبوا في «التأصيل»، فقد يذكرون نظريات ابن خلدون عن العصبيّة والدولة (وتأصيل المقولات الغربية في كتابات ابن خلدون عادة أيديولوجية عربية قديمة كذلك). والنتيجة أن قوى الأمر الواقع، سواءً كانت دولاً أو أشباه دول أو ميليشيات، هي أفضل ما قد نصل إليه، ويجب التعامل معها بـ»واقعية» و»براغماتية».
علينا أن نفحص كثيراً ادعاءات الواقعية والبراغماتية، بل حتى «الماديّة» و»التاريخية» هذه، فهي توحي بكثير من التلفيق والاحتيال الأيديولوجي، أو على الأقل سوء فهم عميق للمصادر التي يتم الاقتباس منها. هل الدولة والسلطة فعلاً مجرّد سيادة لأجل السيادة؟ وهل الانتقال الديمقراطي في منطقتنا مجرّد وهم أيديولوجي غربي، آن أوان تجاوزه؟
الوظيفة والهيمنة
بالفعل، قد يكون تعريف نموذج الدولة الحديثة بأنه «احتكار كل الاحتكارات»، مناسباً ودقيقاً للغاية، فالدولة لا تحتكر فقط الأجهزة العنفيّة الماديّة، مثل الجيش والشرطة، بل أيضاً إنتاج وإعادة إنتاج الشرعية، في كل مجالاتها، فكل ما لا يدوَّن في أجهزة الدولة من مجالات الحياة العامة، وكذلك الأحوال الشخصية، هو، باختصار، غير شرعي؛ وكل ما هو مقياس عام، من العملات والموازين والتوقيت، وحتى «الآداب العامة»، شأن «دولتي» في نهاية المطاف. والدولة هي المسؤولة عن تأسيس وتنظيم مجالات مثل الهوية الوطنية، التعليم العمومي، الشؤون الحيوية الأساسية للمواطنين، مثل الصحة ومستوى الحياة، وبالتالي فهي «المصرف الأساسي للرأسمال الرمزي»، حسب تعبير بورديو، وهي لذلك الجهة الأقدر على ممارسة العنف الرمزي، واحتكاره، ولكن هل هذا الاحتكار سببه شهوة سلطوية لا محدودة فقط؟
يصعب أن نجد مُنظّراً مهماً للسيادة، لم يركز معها على مسألتين متلازمتين: تأدية السلطة لوظائف اجتماعية أساسية؛ وتحقيق الهيمنة الأيديولوجية.
والوظائف الاجتماعية لا تعني فقط الحد الأدنى من الضمانات الاجتماعية والصحيّة، والخدمات التعليمية، وإنما الأسس البنيوية العميقة لاستمرار المجتمعات نفسها. وقد عمل مفكرون كثر على تحديد تلك الوظائف وتلخيصها، ولعل من أهم الإسهامات في هذا المجال النموذج الشهير لعالم الاجتماع الأمريكي تالكوت بارسونز، الذي حدد فيه أربع وظائف: التكيّف (التأقلم مع البيئة المحيطة بمعناها الواسع، بما يشمل الإنتاج، العمل، توزيع الموارد)؛ تحقيق الأهداف (أي تحديد الأهداف الاجتماعية الأساسية، وترتيب أولوياتها، بما يشمل القيادة والتخطيط واتخاذ القرار)؛ الاندماج (تحقيق التماسك بين المجموعات والفئات المتعددة، ومكونات ومؤسسات النظام العام، بما يشمل القوانين والقيم والتقاليد)؛ تأصيل ونقل الأنماط (ويعني نقل القيم والأعراف الثقافية العامة إلى الأفراد والأجيال الجديدة، بما يشمل التعليم والإعلام والأسرة والدين)، وهكذا تشمل هذه الوظائف أنظمة الاقتصاد والسياسة والقانون والأخلاق. هذا يعني أن استمرار أي دولة ونظام سياسي، وقبول المجتمعات باحتكاراته، متوقف بالضرورة على أداء تلك الوظائف، التي تشكّل نوعاً من عقد اجتماعي عميق، ستتحلّل العلاقة بين الحاكم والمحكوم دون تحقيق بنوده. الدولة ليست بالتأكيد مجرّد صاحب سيادة بقدرات سحرية، يسيطر على البشر دون قيد أو شرط، ولا يعنيه سوى تأمين احتكاراته، عبر مزيج من القوة والدهاء.
أمّا الهيمنة فهي جانب تأسيسي للسلطة، ولإنتاج المعنى والدلالة في المجتمعات، بما يحفظ تماسكها واستمرارها. فهي تؤمّن لها أنماطاً متعددة من السرد المؤسِّس؛ وتُنتج «حسّاً سليماً»، ينظّم جانباً كبيراً من منطقها وممارساتها وأساليب تعبيرها. وهي مرتبطة بالعنف المادي والرمزي بالتأكيد، ولكن الاقتصار على العنف، والعنف الضاري، لا يدلّ سوى على فشل الهيمنة. وهذا يعني أن الدولة «صانع حكايات»، ومعلّم أيديولوجي، ومنتج للقيم والرموز، وليس فقط عصبة متسلّطة، تتغلّب على غيرها، وتفرض نفسها فوقياً على المجتمعات. إنها منتجة بالضرورة للأجساد والذوات، ولا تكتفي بالقمع والبتر والسحق. كيف يمكن للدول أن تؤدي كل هذه الوظائف، وتحقق الهيمنة، في مجتمعات معقدة، فقدت غالبية بناها التقليدية، مع موجات التحديث المتلاحقة، أو أٌعيد إنتاجها عبر الربط بأجهزة الدولة ومؤسساتها؟ بالتأكيد ليس عبر التصورات المبتذلة عن السلطة والسيادة، الدارجة اليوم بين أنصار «التبشير المعاكس».
المشاركة والتمرّد
يمكن ملاحظة نوع من الفهم السطحي لمفهوم «ثقافة المجتمع» لدى أنصار التبشير المعاكس، من توم باراك وحتى المثقفين العرب المفككين لـ»وهم الديمقراطية»، وهو أن مجتمعات المنطقة ستنتج، بشكل بديهي، من ثقافتها أو دينها أو بناها الأهلية (والتعبير الأخير لا معنى واضحاً له)، أنظمة حكم مناسبة لها، لا تتبع بالضرورة النماذج الغربية، ولكنها، للعجب، تشاركها في نقطة واحدة، حديثة للغاية: الاحتكار والتدخليّة الكاملة في حياة مجمل السكان ضمن حدودها، أي ثقل نموذج الدولة الحديثة، دون أي من مزاياه، أو وظائفه، أو حقوقه. الأمر ليس بهذه البديهية والعفوية بالتأكيد، فتأسيس نظام سياسي، أياً كان نوعه، عملية أكثر «اصطناعاً» بكثير، ولا يكفي لتحقيقها تأييد ودعم دولة فاشلة، أو جماعة ميليشياوية حاكمة في هذا البلد أو ذاك.
إذا فشلت السلطات القمعية في تأدية الوظائف وتحقيق الهيمنة، فهذا لا يعني إلا مزيداً من الفوضى، والعجز عن تحقيق الاحتكارات السلطوية المطلوبة. ما سيؤدي إلى نشوء منافسين للسلطات، سيكون لهم عنفهم واحتكاراتهم الخاصة. وهذا هو نموذج إمارات الحرب، والإقطاعيات الميليشياوية، الذي يسود في كثير من دول المشرق، ولا يبدو معبّراً عن ثقافتها، أو أي ثقافة أخرى، بقدر ما هو مظهر همجي. الفشل متوقع وحاضر، ويعيد إنتاج نفسه، بسبب الإصرار على الغلبة، والأحادية، وممارسة العنف الضاري، وعدم الالتفات لأي وظيفة اجتماعية جديّة.
نجحت كثير من الأنظمة، التي توصف بـ»الديكتاتورية»، في تأدية الوظائف المذكورة أعلاه، وتحقيق هيمنة أيديولوجية متينة، إلا أن الفكرة النمطية عنها، التي تتلخص بحاكم فرد، أو دائرة ضيقة من المتنفذين، تفرض سلطتها على شعب مظلوم بأكمله، وتقصيه بشكل كامل عن المشاركة، وتقمعه بالحديد والنار، لا يمكن أن تؤخذ على محمل الجد، فمعظم الأنظمة السياسية المستقرة تؤمّن نوعاً من المشاركة والتمثيل لمحكوميها، سواء عبر مؤسسات مدسترة (كما في نموذج «الديمقراطية الشعبية» في دول المعسكر الشرقي السابق)؛ أو بنوع من المحاصصة الصامتة؛ أو عبر توازن مستقر نسبياً لمراكز القوى، التي تتمتع بصفة تمثيلية غير معلنة (لطائفة، عرق، طبقة اجتماعية، فئة نوعية، منطقة، الخ)، وهذا قد ينطبق على دول مثل الصين وفيتنام وغيرها. وفي كل الأحوال يؤمّن هذا النوع من الأنظمة، في سبيل تحقيق وظائفه الأساسية، دخول مجاميع واسعة من السكان إلى الشأن العام بشكل فاعل، وتحت غطاء متماسك من الهيمنة الأيديولوجية.
التجربة التاريخية علّمتنا أن نجاح الأنظمة، حتى لو كانت ديكتاتورية، في تأدية وظائفها، سينشئ فئات جديدة، أقلّ فقراً، وأفضل تعليماً، وأكثر وعياً، ستطالب غالباً في ما بعد بنصيب أكبر من المشاركة والتمثيل، وبمزيد من الحقوق والحريات. سبق للناقد الثقافي الأمريكي فريدرك جيمسون والمفكر الإيطالي أنطونيو نيغري تفسير سقوط الاتحاد السوفييتي جزئياً بهذا: نجاحه بالتحديث، ما أدى لخلق فئات شابة جديدة، تمرّدت على أحادية النظام الاشتراكي وانغلاقه، وأرادت الانفتاح على العالم. أمر مشابه إلى حد ما قد ينطبق على مصر في أواخر عهد مبارك، فالمتمردون الأوائل لم يكونوا من الجياع، بل فئات تطوّرت في ظل «الانفتاح»، وارتفاع دخل طبقات معيّنة، والحريات النسبية التي عرفها ذلك العهد.
المطالبة بالمشاركة والتمثيل، والاعتراف بالتعددية، قد تكون النتيجة المتوقعة لأي نظام ناجح، ولذلك فإن الديمقراطية، أي مزيداً من سيادة العامة (من ليسوا أصحاب امتياز متأصّل) الذين برزوا على الساحة، بفئاتهم المتعددة، مطلب ناتج عن بنية الدولة الحديثة نفسها، بسلطتها وهيمنتها ووظائفها وتناقضاتها، والتبشير ضد هذا قد لا يكون إلا خطاباً لفئات وأفراد، يراهنون على سلطات قمعية، لدوافع متعددة.
أما القول إن «الظروف لم تنضج بعد» للمطالبة بأي شكل من المشاركة والتمثيل والاعتراف بالتعددية، وعلينا في البداية احتمال سنوات من الحكم الأحادي، الذي ينزع إلى الاستفراد والإقصاء الكامل، وغير المهتم ببناء أي نوع من الائتلافات الاجتماعية، فهو غالباً نوع من الاحتيال الأيديولوجي، خاصة إذا تذكرنا أن معظم القائلين به من أنصار الميليشيات والدول الفاشلة، العاجزة، بشبكاتها الرثّة، عن تأدية أي وظيفة فعليّة، أو تحقيق أي شكل للهيمنة. قد تكون المطالبة بالديمقراطية، بأشكالها العديدة، ضرورة لاستمرار الحياة، وحماية المجتمعات من الاعتداء الهمجي لقوى الأمر الواقع، وليس ترفاً ناتجاً عن تبشير غربي أو غير غربي.





