حي الشيخ رضوان تحت النار: مجزرة في قلب غزة تُبيد عائلات كاملة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

عبد الله مشنون
كاتب وصحفي مقيم بايطاليا

 

 

في ليلة حالكة السواد، امتزج فيها هدير الطائرات الحربية الإسرائيلية بأصوات الاستغاثة والتكبير، تحوّلت منازل آمنة في حي الشيخ رضوان إلى ركام، وعائلات بأكملها إلى جثث هامدة تحت الأنقاض. ارتكبت آلة الحرب الإسرائيلية واحدة من أبشع المجازر في هذه الحرب الطويلة، مستهدفة الأحياء السكنية المكتظة، دون سابق إنذار، وبلا أي اعتبار لوجود المدنيين.

في ساعات الفجر الأولى، بدأت طواقم الإسعاف والدفاع المدني في انتشال الجثث من بين الأنقاض. لم تكن مهمةً إنقاذية، بل أشبه بطقوس وداع لأرواح لم يُمنح لها حتى حق النجاة. عشرات الشهداء ارتقوا في ضربة واحدة، معظمهم من الأطفال والنساء، بعضهم دُفنوا تحت منازلهم التي تحوّلت إلى قبور إسمنتية.

عائلة أبو سالم، على سبيل المثال، أُبيدت بالكامل. لم ينجُ أحد منهم. المنزل الذي كان يأوي ثلاثة أجيال تحول إلى كومة حجارة. عائلة الريس، أبو عودة، والرمّال، كلّها عائلات غزية معروفة، أصبحت اليوم صفحات في دفتر الشهداء.

حي الشيخ رضوان، أحد أحياء غزة الشمالية، يُعد من المناطق الحيوية والمكتظة سكانيًا، ويضم مقابر قادة فلسطينيين كبار مثل الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي. لكن في هذا العدوان، لم يكن لحرمة الحياة أو حتى للموت أي اعتبار. استهدفت الطائرات الإسرائيلية، في غارات متتالية، منازل مدنية دون أي إنذار، ما أدى إلى انهيارات كارثية وسقوط أعداد كبيرة من الشهداء والمصابين.

مصادر طبية أكدت أن الغارات أسفرت عن استشهاد ما لا يقل عن 45 مدنيًا في ليلة واحدة، بينهم 23 طفلًا و11 امرأة، بالإضافة إلى عشرات المصابين، بعضهم في حالات حرجة.

مشاهد تخلّد الوجع
مراسلون وشهود عيان نقلوا صورًا تقشعر لها الأبدان:

أمّ تجلس فوق ركام منزلها، تحتضن جثة ابنها الذي لم يتجاوز السابعة.

متطوعون يحاولون إزالة الحطام بأيديهم بعد أن عجزت الآليات الثقيلة عن الوصول وسط الركام.

نعوش صغيرة بيضاء، تحملها أكتاف الرجال وهم يهتفون “حسبنا الله ونعم الوكيل”، في جنازة جماعية حزينة هزّت وجدان غزة والعالم.

ليست هذه المجزرة حدثًا معزولًا، بل جزء من نمط متكرر تتبعه إسرائيل منذ بداية عدوانها الأخير على غزة. استهداف المدنيين والبنية التحتية بات سياسة ممنهجة، تُنفذ بصمت دولي مريب، وصمتٍ عربي أكثر إيلامًا.

الاستهداف العشوائي لمناطق سكنية، واستخدام أسلحة محرمة، وتدمير مستشفيات ومدارس وملاجئ، كلها تشكل أدلة على جرائم حرب مكتملة الأركان، تستوجب تحقيقًا دوليًا مستقلًا، ومحاسبة عادلة للمرتكبين.

في قلب النار… غزة تُقاوم بالحياة
ورغم هذا الموت المتفشي، لا تزال غزة تصر على الحياة. في الشيخ رضوان، كما في الشجاعية وخان يونس ورفح، يواصل السكان دفن شهدائهم، ويعودون من جديد للبحث عن لقمة، عن دواء، عن شربة ماء، عن كهرباء، عن أمل.

غزة لا تموت، لكنها تنزف. تنزف وهي تقاوم.
الدموع التي سقطت على جثامين الأطفال، ليست دموع ضعف، بل عهد جديد: ألّا تُنسى هذه المجازر، وألّا تمرّ كما مرّت سابقاتها في صمت.

كلمة أخيرة
المجزرة التي وقعت في حي الشيخ رضوان تُمثل فصلاً جديدًا من كتاب طويل من الألم الفلسطيني. كتابٌ لم يُكتب بالحبر، بل بالدم، ويُنادي كل ضمير إنساني: إلى متى؟

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...