عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم بايطاليا
في مشهد يثير القلق والاشمئزاز، استقبلت مستعجلات المستشفى الإقليمي بآسفي ست حالات جديدة من التسمم الغذائي الخطير، ناجمة عن تناول البطيخ الأحمر المعروف محليًا بـ«الدلاح»، لترتفع الحصيلة إلى 13 حالة مؤكدة خلال أيام معدودة. حالات تنوعت ما بين جماعة المصابيح ودوار الحدادة واصعادلا، لتُظهر أن المسألة لم تعد معزولة، بل تمس بنية السلامة الغذائية في عمقها.
“دلاح” سام في أسواق قروية بلا رقابة
ما حدث ليس مجرد حادث عرضي أو سوء حظ. ما حدث جريمة مكتملة الأركان، ضحيتها الأولى المواطن البسيط الذي يشتري فاكهة صيفية ليرطب بها حرارة الجو، فيجد نفسه في قسم المستعجلات يصارع السمّ في أحشائه.
كيف يُسمح ببيع بطيخ فاسد أو مُسمَّم في الأسواق القروية وفي الطرقات؟
أين هي مراقبة الجودة؟
أين هي سلطات وزارة الفلاحة؟
أين أجهزة حماية المستهلك؟
بل أين هي حكومة اخنوش من كل هذا؟
البطيخ الذي يُفترض أن يكون رمزًا للانتعاش، تحوّل إلى قنبلة غذائية، تُباع في ظروف غير صحية، على أرصفة مغبرة، تحت الشمس الحارقة، دون أي احترام لسلسلة التبريد أو معايير الحفظ. فواكه ملوثة بالمبيدات أو مخزنة بشكل سيئ، تُعرض للمواطنين المغاربة دون رقيب ولا حسيب.
حياة المواطن المغربي في الميزان
13 مواطنًا تسمموا خلال أقل من 72 ساعة… أليس هذا سببًا كافيًا لإعلان حالة طوارئ صحية؟
أم أن حياة المواطن المغربي أرخص من شحنة بطيخ؟
لقد بات واضحًا أن ضعف المراقبة وتراخي الجهات المسؤولة حول الفواكه الصيفية من نعمة إلى نقمة، ومن فرصة اقتصادية إلى تهديد مباشر للصحة العامة. في ظل غياب المختبرات المتنقلة للمراقبة، وسوء تدبير سلاسل الإنتاج والتوزيع، يبقى المستهلك المغربي مكشوف الظهر، يتناول ما يعرض عليه دون ضمانات.
السيد وزير الفلاحة،
السيد رئيس الحكومة،
إلى متى سيظل المواطن المغربي رهينة لمنتجات فلاحية غير مراقبة؟
هل يُعقل أن تزرع “فاكهة التسمم” على مساحات شاسعة من الأرض، وتُسقى أحيانًا بمياه ملوثة، دون محاسبة المنتجين أو مراقبة طرق التوزيع؟
إنّ ما يحدث اليوم يستدعي تدخلاً عاجلاً، لا بل مساءلة واضحة:
لماذا لم تُرسل لجان تفتيش عاجلة إلى الأسواق المعنية؟
لماذا لم نسمع عن سحب المنتوج من نقاط البيع؟
لماذا لا تُفعل سياسة “المُنتج مسؤول عن الجودة”؟
هذا ليس حادثًا منعزلًا، بل هو نتيجة سياسة فلاحية تركّز على الكم لا الكيف، على التصدير لا على استهلاك داخلي سليم، على الإنتاج التجاري لا على الأمن الغذائي.
وإذا لم تتحرك الحكومة اليوم، فإننا سنصحو غدًا على كوارث أكبر، قد لا تتوقف عند البطيخ، بل تمتد إلى كل ما نأكله في غياب الرقابة الفعالة والتدبير المسؤول.
إن قضية التسمم الجماعي بسبب “الدلاح” ليست فقط مسألة صحية، بل مرآة عاكسة لمدى استخفاف بعض الجهات بحياة المواطنين.
وإن لم تتحرك الحكومة بسرعة وجدية، فإن القادم قد يكون أسوأ.





