عودة الإسلاميين إلى السلطة في المغرب: بين تصريحات بنكيران، التحديات الداخلية، والتحولات الجيوسياسية.
عبد اللطيف أجرير
جاء صعود الإسلاميين إلى السلطة في المغرب ودول أخرى مثل مصر وتونس كجزء من موجة الربيع العربي . في المغرب، استفاد حزب العدالة والتنمية من الزخم الشعبي والتغيرات السياسية التي أعقبت الاحتجاجات، حيث قاد ائتلافًا حكوميًا بعد فوزه في الانتخابات التشريعية عام 2011. هذا الصعود لم يكن مجرد نتيجة ديناميات محلية، بل ارتبط كذلك بقرارات دولية ضمنية، حيث دعمت إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما صعود حركات الإسلام السياسي في المنطقة كجزء من استراتيجية أمريكية لإعادة تشكيل المشهد السياسي في البلدان العربية .
لكن هذا الصعود لم يدم طويلًا، في مصر، أطيح بالرئيس مرسي عام 2013 عبر تدخل عسكري وفي تونس، واجهت حركة النهضة ضغوطًات أمنية وسياسية أدت إلى تراجع نفوذها.
أما في المغرب، فقد اختارت الدولة مسارًا سياسيًا مغايرا لإضعاف حزب العدالة والتنمية، بحيث أدت الانتخابات التشريعية لعام 2021 إلى خسارته المدوية وخروجه من الحكومة. هذا التراجع ارتبط بتحولات في السياسة الدولية، حيث تزامن مع فترة رئاسة دونالد ترامب، التي شهدت دعمًا أكبر للأنظمة التقليدية على حساب الحركات الإسلامية .
رغم الهزيمة الانتخابية لحزب العدالة والتنمية ، يبقى السؤال: هل يمكن أن يختفي الإسلاميون المغاربة من المشهد السياسي نهائيًا؟ الإجابة تتطلب النظر في عدة عوامل داخلية وخارجية. داخليًا، ورغم التحديات التي واجهها الحزب، بما في ذلك تصدع جبهته الداخلية وفشله في تلبية تطلعات قاعدته الشعبية، فإنه ما زال يحتفظ بحيوية سياسية ملحوظة. الحزب نجح في تجديد هياكله التنظيمية وانتخاب قيادة جديدة، مما يعكس قدرته على المناورة السياسية و إمتصاص الضربات واستعادة بعض الزخم عبر خطاب يركز على الدفاع عن المصالح الشعبية .
مع ذلك، يواجه الحزب تحديات كبيرة. فشل تجربته الحكومية، والتي تخللتها تنازلات مثل توقيع وثيقة التطبيع الثلاثي عام 2020 تحت قيادة سعد الدين العثماني، أضرت بمصداقيته لدى قاعدته الشعبية، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية التي كانت تاريخيًا ركيزة أساسية في خطاب الحركات الإسلامية. هذا التنازل جعل القضية الفلسطينية، التي كانت بمثابة “مغناطيس” لجذب الدعم الشعبي، ورقة محروقة إلى حد كبير .
التغيرات الجيوسياسية الأخيرة، خاصة بعد انهيار نظام بشار الأسد في سوريا عام 2024 وصعود أحمد الشرع كرئيس انتقالي، تشير إلى تحولات في التعامل الدولي مع الحركات الإسلامية. الشرع، الذي قاد هيئة تحرير الشام، حظي باعتراف دولي من قوى إقليمية مثل تركيا والسعودية، وقوى دولية كالولايات المتحدة وأوروبا.
هذا الاعتراف يعكس نهجًا براغماتيًا جديدًا يركز على الأفعال والمصالح بدلاً من الأيديولوجيات أو الخطابات السياسية .
كذلك تجربة حركة طالبان الأفغانية في الحكم ،و التي حظيت بتفاعل دولي متزايد رغم عدم الاعتراف الرسمي الشامل، يؤكد هذا التوجه. بحيث المجتمع الدولي أصبح أكثر مرونة في التعامل مع الحركات الإسلامية، شريطة أن تظهر براغماتية في الحكم وتلبية مصالح الأطراف الإقليمية والدولية.
هذا السياق قد يفتح الباب أمام عودة محتملة للإسلاميين في المغرب، خاصة إذا تمكن حزب العدالة والتنمية من إعادة صياغة خطابه السياسي و تقديم تنازلات “مؤلمة” بما يتماشى مع هذه المرحلة .
لكي يستعيد الإسلاميون مكانتهم السياسية المفقودة في المغرب، يتعين عليهم تجاوز خطاب المظلومية التقليدي والتركيز على قضايا ملموسة مثل تغول لوبيات الفساد والعدالة الاجتماعية، التي أثبتت فعاليتها في تعبئة الناخبين.
ومع ذلك، فإن خطاب “التماسيح والفساد”، قد أصبح متجاوزا ويحتاج إلى تجديد ليتماشى مع تطلعات الشارع المغربي، خاصة الفئات الهشة ، التي تريد حلولا ملموسة و عاجلة لمشاكل اقتصادية واجتماعية ملحة وعاجلة.
القضية الفلسطينية، رغم مركزيتها، لم تعد كافية لاستقطاب الدعم الشعبي بعد التنازلات التي قام بها الحزب، خاصة توقيع وثيقة التطبيع الثلاثي سنة 2020 . هذا يتطلب من الحزب جهودا جبارة لإعادة بناء مصداقيته عبر خطاب جديد يركز فيه على قضايا الوطن ويستجيب لتطلعات الناخبين .
عودة الإسلاميين إلى السلطة في المغرب ليست مستحيلة، لكنها مشروطة بعدة عوامل. خاصة و أن ديناميات “المخزن” في السياسة لا تعترف بصداقات عابرة، بل بتحقيق مصالحه الدائمة ، قد يحتاج الحزب على المستوى الداخلي إلى تجاوز أخطاء الماضي وإعادة بناء قاعدته الشعبية عبر خطاب يركز على المصالح الوطنية والعدالة الاجتماعية.
خارجيًا، التغييرات الجيوسياسية وبراغماتية المجتمع الدولي قد توفر فرصًا جديدة، كما يظهر في تجارب سوريا وأفغانستان. لكن نجاح هذه العودة يعتمد على قدرة الحزب على التكيف مع التحولات السياسية والاجتماعية، والابتعاد عن الخطابات التقليدية التي فقدت جاذبيتها،
في النهاية، الإسلاميون في المغرب جزء أصيل من الشعب المغربي، و لم يختفوا من المشهد السياسي، هم موجودون بصفة أو اخرى ، بل يواجهون تحدي إعادة إنتاج أنفسهم كقوة سياسية معترف بها في ظل تنامي الرفض الشعبي ، وربما الرسمي لعودة إخوان “بنكيران” إلى السلطة .
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





