هذا السجال حول التشيّع في تونس

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

سالم لبيض
أكاديمي تونسي ووزير سابق

 

 

تشهد تونس في هذه الأيام سجالات فكرية، وأخرى سياسية، وثالثة مذهبية – دينية، بشأن ما أفضت إليه الحرب الصهيونية الإيرانية من نتائج، رأت فيها شرائح واسعة من المجتمعَين، المدني والسياسي والنُّخب الفكرية هزيمةً للصهيونية، ودولة الغطرسة العبرية، وانتصاراً لغزّة والقضية الفلسطينية، بينما سوّقت صفحات افتراضية، وبروفايلات شخصيات مؤثّرة، بأن حرب الـ12 يوماً لم تكن سوى معركةَ مصالح إيران الفارسية ونفوذها.

ورغم الطبيعة السياسية الصرفة لحرب انحازت فيها أغلب القوى الغربية إلى جانب “إسرائيل”، ودعمتها سياسياً ومالياً ولوجستياً وعسكرياً، وشهدت دخول الولايات المتحدة شريكاً في الاعتداء على المنشآت النووية الإيرانية، وكادت أن تنتهي حرباً إقليميةً تشعل منطقة الخليج العربي، الغنّية بمصادر الطاقة، وتؤدّي إلى اصطفافات عسكرية دولية تنذر بحرب عالمية، فإن الجانب السياسي للمعارك، وارتباطه العضوي بالصراع مع الصهيونية، قد استحال بسرعة سجالاً مذهبياً، وصراعاً حول ما اصطُلح عليه بـ”خطر انتشار التشيّع في تونس”.

تغذّى هذا السجال (في البداية) من انتشار فيديو يحمل علامةَ “شيعة تونس”، في صفحة “شبكة شيعة تونس الإعلامية”، يوثّق اجتماعاً محدودَ العدد، نظّمته مجموعة من الشباب التونسيين، نهاية شهر يونيو/ حزيران الفائت، ينتسبون إلى ما يسمّى بـ”خطّ الإمام”، المؤيد لحزب الله في لبنان، أمام المسرح البلدي في تونس، يرفعون الراية الفلسطينية والعلم التونسي وراية حزب الله وصوراً لأئمّة شيعة نصرة لإيران، هذه المرّة، واحتفالاً بضرب صواريخها المدن والمنشآت والمصالح الحيوية “الإسرائيلية”. وعلى عكس الاكتفاء بالمشاركة (سابقاً) مع قوى أخرى قومية عربية ويسارية ماركسية ومدنية ونقابية في التظاهرات المناهضة للتطبيع والمدافعة عن قطاع غزّة، وما يتعرّض له من إبادة جماعية، ومنافحة عن القضية الفلسطينية، اقتصر الاجتماع المؤيّد لإيران على أبناء ذلك التيّار، وكلّهم (حسب الفيديو المشار إليه) من الشباب، وترتدي أغلب الفتيات اللباس الأسود، مردّدين المقولات الشيعية التقليدية، وهي مقولات اعتاد الناس تداولها في لبنان والعراق وإيران، منها “هيهات منّا الذلّة” و”اللهم صلّ على محمد وآل محمد اللّهم عجّل فرجهم والعن عدوهم”، بينما لم يعتد التونسيون سماعها في شوارعهم ومؤسّساتهم الدينية.

تصوّر صفحات ومواقع ذات الخلفية السُّنّية، الأنشطة الشيعية غزواً شيعياً إيرانياً لتونس، أدى إلى انتشار الفتاوى المكفّرة للشيعة

في الفترة نفسها، انتشر فيديو ثانٍ ترويجيٍّ بعنوان “عاشوراء يوم العزاء”، يوثّق الإعداد لإحياء ذكرى عاشوراء، إعداد انطلق مع مطلع شهر محرّم، من خلال تأثيث قاعة كبرى وُشِّحت بالصور الملحمية والرمزية للمعارك التي قادها الحسين بن علي بن أبي طالب، وبالشعارات والمقولات الشيعية المكتوبة في لافتات كبيرة الحجم سوداء اللون (في الغالب) عُلّقت على الجدران، وارتدى أعضاء لجنة التنظيم ملابسَ كتب عليها “يا حسين”، كما أُعدّ كرسي خاصّ للإمام الخطيب بالمواصفات نفسها المتوافرة في الحوزات الكبرى في النجف وكربلاء وقم، ما جعل بعض المهتمين يطلقون تسمية أول حسينية على التظاهرة الشيعية التونسية، ولكن بخصائصها الكربلائية هذه المرّة.

الشخصية الشيعية الأبرز، التي ظهرت في الفيديو الترويجي لعاشوراء، أحمد سلمان، المولود في المدينة المنوّرة سنة 1988، لأب سعودي وأمّ تونسية، وقد تلقّى تكويناً علمياً دينياً في حوزة النجف بالعراق، التي التحق بها في أوج شبابه، ونشر رغم حداثة سنّه أكثر من عشرة كتب، منها “أجوبة المسائل الأزهرية حول مصادر التشريع عند الإمامية” و”مبيت الإمام علي (ع) ليلة الهجرة” و”فاطمة الزهراء (ع)، أحداث ما بعد رحيل الخاتم (ص)”. وتميّز القيادي الشيعي بالعمل على إثبات أسبقية التشيّع العربي، بما في ذلك التشيّع التونسي (الفاطمي)، على التشيّع الإيراني الفارسي القديم (الصفوي) والمعاصر، وذلك في كتابه “من البذرة إلى الثمرة… صفحات من تاريخ التشيع في تونس” المنشور، بتونس سنة 2020.

لم يكن سلمان مستبصراً (متحوّلاً من السُّنّة إلى الشيعة) مثل مؤسّسي التشيع التونسي المحدثين، ومن أبرزهم محمد التيجاني السماوي (قفصة) ومبارك بعداش (قبلي) ومحمد صالح الهنشير (مدنين)، وخاضوا تجربة الانتماء إلى الحركة الإسلامية التونسية (الجماعة الإسلامية والاتجاه الإسلامي وحركة النهضة)، إنما ولد لأب شيعي سعودي، ومنذ استقراره في تونس سنة 2019 كسر مبدأ التقيّة الشيعي التقليدي، وبدأ بالظهور في البرامج الحوارية التلفزيونية واسعة المتابعة، وبخوض المناظرات التلفزيونية مع رموز سنّية، وفي السنة نفسها أسّس مركز آل البيت، الذي سيتولّى ممارسة أنشطة شيعية عديدة، منها إحياء ذكرى عاشوراء سنوياً وإحياء الذكرى السنوية لوفاة القيادي الشيعي التونسي محمد صالح الهنشير، المُتوفَّى سنة 2019.

عدم التزام شيعة تونس بمبدأ التقية، كما الحال سابقاً، وإعلان تنظيمهم إحياء ذكرى عاشوراء علناً، وتسويقه في مواقع السوشيال ميديا، جاء هذه السنة متزامنا مع إعلان إيران الانتصار على “إسرائيل”، وإلحاق الهزيمة بها، وإجبارها على إيقاف الحرب، فهو لا يخلو من منزع فيه استثمار ومحاولة توسيع دائرة الوجود الشيعي في تونس، واستغلال المناسبة للقبول بالمذهب الشيعي في محيط سنّي. وهو ما قوبل بردّات فعل سريعة ومفاجئة، وغير بريئة، وكذلك غريبة أحياناً من رموز إسلامية تونسية تقليدية، على غرار أستاذ الفلسفة السابق بجامعة تونس، والنائب في المجلس الوطني التأسيسي عن حركة النهضة، أبو يعرب المرزوقي، المعروف بعدائه إيران، والذي لم يفوّت الفرصة في حديثه لقناة الزيتونة، يوم 1 يوليو/ تموز الجاري، بقوله “كلتاهما (إيران وإسرائيل) تعملان على إسقاط الحضارة الإسلامية ولو بالتحالف مع الشيطان من أجل تقاسم الخليج العربي وأيضاً المغرب العربي، بل وكلّ العالم الإسلامي”.

لم يتحوّل الشيعة في تونس طائفةً تتوارث أجيالها الانتماء الشيعي

وتتالت المواقف والتدوينات والكتابات والمداخلات المصوّرة، والصفحات المعادية للظهور الشيعي في تونس، بالطريقة العلنية والاستعراضية التي أبرزتها مقاطع الفيديو في مواقع التواصل الاجتماعي، ومنها مقطع يصوّر زيارة مجموعة من التونسيات مدينة كربلاء العراقية مرقد الإمام الحسين، مطلع الشهر الماضي (يونيو/ حزيران) يلبسن العباءات السوداء، ويحملن الراية التونسية، يسرن على أقدامهن إحياءً للطقوس الشيعية في التنقّل من مختلف المدن العراقية، مشياً على الأرجل “مواساة لأهل بيت الحسين، الذين ساروا لمسافات طويلة بعد عودتهم من الشام”، واستعادة التجربة للوقوف على حجم المأساة.

تصوّر الصفحات ومواقع التواصل الاجتماعي ذات الخلفية السُّنّية، الأنشطة الشيعية (على محدوديتها) غزواً شيعياً إيرانيا لتونس، الأمر الذي أدّى إلى انتشار الفتاوى المكفّرة للشيعة واتهامهم بالشرك وتأليه علي بن أبي طالب وعبادة ابنه الحسين، وتواترت التصريحات المذكّرة بسبّ السيدة عائشة زوجة النبي (ص) والخلفاء الراشدين الثلاثة الأول، وعادت إلى الواجهة نقاشات قديمة حول الأحقية بالخلافة والفتنة الكبرى، وغيرها من قضايا السلطة ومعاركها، التي دارت في القرن الأول للهجرة. وانخرط في هذه النقاشات عوام التونسيين في صفحاتهم وبروفايلاتهم الفيسبوكية التي تُعدّ بالملايين. ورغم ذلك، لوحظ غياب أيّ موقف أو تصريح من المؤسّسات الرسمية الدينية التونسية، مثل وزارة الشؤون الدينية ومؤسّسة الإفتاء، ومفتي الديار التونسية، والحال أن لديهم مواقف وفتاوى في قضايا أقلّ شأناً وأهميةً، مقارنة بالسجال الديني السُّنّي الشيعي، الذي بلغ أحياناً درجة التكفير. وينطبق هذا الصمت على مؤسّسة رئاسة الجمهورية والرئيس قيّس سعيّد، الذي ضمّن دستوره لسنة 2022، في الفصل الخامس: “تونس جزء من الأمّة الإسلامية، وعلى الدولة وحدها أن تعمل في ظلّ نظام ديمقراطي على تحقيق مقاصد الإسلام الحنيف في الحفاظ على النفس والعرض والمال والدين والحرية”، والفصل 27: “تضمن الدولة حرية المعتقد وحرية الضمير”، ما يجعله مطالباً بالعمل على الحيلولة دون تحوّل السجالات المذهبية معاركَ مذهبيةً دينيةً قاتلةً، خاصّة أنه لم يتأخّر بالخوض في القضايا الدينية في مناسباتٍ سابقة، وكثيراً ما كان يزور جامع الزيتونة أو جامع عقبة بن نافع للتعبير عن موقفه من قضيّة ما.

يظلّ من يطبّع مع دولة الكيان ويخذل المقاومة عدوّاً منبوذاً، شيعياً كان أم سنّياً

وعزّز هذا الغياب الرئاسي عن الجدل الديني السُّنّي الشيعي موقفاً متداولاً مفاده بأن مهندس تشجيع الوجود الإيراني في تونس ونشر التشيع هو نوفل سعيّد، شقيق الرئيس، ومدير حملته الانتخابية في الانتخابات الرئاسية لسنة 2024، وما سكوت الرئيس عمّا ينسب لشقيقه إلا علامة رضا، وإلا لكان فنّد تلك الأقوال المستندة إلى فيديو قديم لشقيق الرئيس التونسي، يُتداول في مواقع التواصل الاجتماعي، يدافع فيه عن إيران والدور الاستراتيجي الذي تلعبه في المنطقة.

لم تبلغ الظاهرة الشيعية في تونس مرحلة التطييف، وفق مصطلح الباحث العراقي فالح عبد الجبّار (“المشكلة الطائفية في الوطن العربي”، 2013)، أي أن شيعة تونس لم يتحوّلوا طائفةً تتوارث أجيالها الانتماء الشيعي، مثلما هو الأمر في إيران والعراق ولبنان واليمن والبحرين، كما أن عددهم لا يزال محدوداً، ولم يتجاوز 20 ألفاً حسب ما جاء في كتاب “أطلس الشيعة… دراسة في الجغرافيا الدينية للتشيع”، المنشور في طهران سنة 2014. والتشيع التونسي الغالب هو تشيع سياسي ارتبط في مجمله بدعم التنظيمات الشيعية في لبنان (حزب الله) واليمن (أنصار الله) والعراق (الحشد الشعبي)، ومن ورائهم إيران للقضية الفلسطينية، وخوض المعارك والحروب ضدّ “إسرائيل” والحركة الصهيونية.

أمّا التشيّع بمعناه المذهبي فهو محدود، ولا يلقى الرواج في محيط ظلّ سنّياً بصورة مسترسلة منذ ألف سنة أو يزيد، ما يجعل من تضخيم الوجود الشيعي والتدخّل الإيراني في تونس، في الأيّام الماضية، وتكريس فوبيا التشيع وإحياء الصراعات السُّنّية الشيعية، الهدف منه إفساد فرحة التونسيين بدكّ الصواريخ الإيرانية منشآت الدولة “الإسرائيلية” وإجبار الصهاينة على العيش في الملاجئ والمغادرة الجماعية للأرض المحتلّة، ليتذوّقوا ذات المرارة التي قاموا بتجريعها للفلسطينيين، ففي تونس يكون التشيّع لكلّ من يقاتل “إسرائيل” وينتصر لفلسطين، فيصبح صديقاً حميماً، بينما يظلّ من يطبّع مع دولة الكيان ويخذل المقاومة عدوّاً منبوذاً على الدوام، شيعياً كان أم سنّياً.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...