من أزمة الكهرباء إلى سجون المعارضين.. احتجاجات تونسية تطالب برحيل قيس سعيد والتوتر يمتد إلى فرنسا

إيطاليا تلغراف متابعة

عادت المطالب بإسقاط نظام الرئيس التونسي قيس سعيد إلى شوارع العاصمة، بالتزامن مع الذكرى الخامسة لإعلانه التدابير الاستثنائية في 25 يوليوز 2021، وسط تدهور اقتصادي واجتماعي واتساع الانتقادات الحقوقية.

وتجمع محتجون، أمس السبت، وسط تونس للتنديد بالانقطاعات الطويلة للكهرباء والماء، وبما اعتبروه عجزا عن إدارة الأزمات المتلاحقة، رافعين مطالب بالإصلاح السياسي والاقتصادي ومحاسبة المسؤولين عن تدهور الخدمات العمومية.

ولا تبدو هذه التحركات معزولة عن موجة احتجاجية سابقة، ففي 16 ماي الماضي، خرج مئات التونسيين تحت شعار “الشعب جائع والسجون مملوءة”، وطالبوا بإنهاء حكم الفرد وإطلاق سراح السياسيين والصحافيين ونشطاء المجتمع المدني.

واتهم المتظاهرون السلطة باستخدام القضاء والأجهزة الأمنية لإسكات المعارضين، مقابل الفشل في معالجة ارتفاع الأسعار ونقص بعض المواد والأدوية وتدهور الخدمات الأساسية، وتؤكد الحكومة، في المقابل، أنها تطبق القانون وتحارب الفساد، وترفض وصف المحاكمات بأنها سياسية.

وزادت موجة الحرائق والانقطاعات الكهربائية الأزمة حدة، حيث سجلت تونس 90 حريق غابات بين 11 و22 يوليوز الجاري، بينما نفذت الحماية المدنية مئات التدخلات اليومية لإطفاء حرائق الغابات والأراضي الزراعية والمنازل، كما قُدرت المساحات الغابوية المحترقة منذ بداية ماي بنحو 4400 هكتار، مقابل 2705 هكتارات خلال الفترة نفسها من السنة الماضية.

وأرجعت السلطات انتشار النيران إلى الحرارة القصوى وجفاف الغطاء النباتي، إلى جانب الإهمال والأفعال الإجرامية، دون تسجيل وفيات مرتبطة بحرائق الغابات خلال الفترة المذكورة.

وفي الوقت نفسه، لجأت شركة الكهرباء والغاز إلى القطع الدوري للتيار بسبب ارتفاع الطلب إلى مستويات قياسية بفعل تشغيل أجهزة التكييف، غير أن طول الانقطاعات وتكرارها، بالتزامن مع نقص الماء، أثارا غضبا اجتماعيا وخسائر للمحال والمطاعم والمصانع والأسر.

وبدلا من تقديم تفسير تقني فقط، وصف قيس سعيد قطع الماء والكهرباء والحرائق بأنها ظواهر “غير عادية”، وتحدث عن محاولات للتنكيل بالمواطنين وتأجيج الأوضاع، ما أعاد إلى الواجهة اتهامات خصومه له بالبحث المستمر عن جهات داخلية أو خارجية لتحميلها مسؤولية الأزمات.

اقتصاديا، سجل الناتج الداخلي الخام نموا بنسبة 2.6 في المائة خلال الربع الأول من 2026، لكن هذه النسبة لم تكن كافية لإحداث تحسن سريع في مستوى المعيشة أو سوق الشغل.

وظلت البطالة في حدود 15 في المائة، مع مستويات أعلى بكثير لدى الشباب وحاملي الشهادات، بينما بلغ التضخم 4.75 في المائة في يونيو.

وتتمثل المشكلة الأعمق في ضعف الاستثمار الخاص، وصعوبة التمويل، واتساع الفوارق بين المناطق الساحلية والداخلية، وهي اختلالات سابقة على وصول سعيد، لكنها لم تجد حلولا ملموسة بعد خمس سنوات من تركيز السلطات في مؤسسة الرئاسة.

حقوقيا، أحصت “هيومن رايتس ووتش” حتى نونبر 2024، أكثر من 80 شخصا محتجزين على خلفيات سياسية أو بسبب ممارستهم حقوقهم الأساسية، بينهم معارضون ونشطاء ومحامون وصحافيون ومدافعون عن حقوق الإنسان، كما تتحدث تقارير لاحقة عن عشرات السياسيين ورجال الأعمال والنشطاء المتابعين في قضايا تتعلق بالتآمر وأمن الدولة والفساد، وهي اتهامات ينفونها ويصفها محاموهم بأنها مسيسة.

وتضم قائمة أبرز المسجونين زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي، ورئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي، والسياسي غازي الشواشي، وعصام الشابي، وجوهر بن مبارك، إلى جانب شخصيات أخرى صدرت في حقها أحكام ثقيلة. وفي المجال الحقوقي، صدر حكم بالسجن 25 عاما على سهام بن سدرين، الرئيسة السابقة لهيئة الحقيقة والكرامة.

أما في الصحافة، فتشير منظمة “مراسلون بلا حدود” إلى وجود ثلاثة صحافيين معتقلين حاليا، فيما صدرت أحكام جديدة بالسجن ثلاثة أعوام ونصف العام بحق مراد الزغيدي وبرهان بسيس.

وامتد الضغط إلى القضاء والمحاماة، فقد عزل سعيد 57 قاضيا ووكيل جمهورية بمرسوم في يونيو 2022، بعد حل المجلس الأعلى للقضاء واستبداله بهيئة مؤقتة، كما تعرض قضاة ومحامون لملاحقات وأحكام، من بينهم رئيس جمعية القضاة التونسيين أنس الحمادي، بينما تقول منظمات حقوقية وقانونية إن هذه الإجراءات أضعفت استقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة.

وفي خضم هذه الأجواء، استدعت الخارجية التونسية، يوم 24 يوليوز الجاري، السفيرة الفرنسية آن غيغين للاحتجاج على مقابلة بثتها قناة “فرانس 24” مع الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي، المقيم في فرنسا والصادر في حقه حكم غيابي بالسجن 22 عاما.

واعتبرت تونس المقابلة مسا بسيادة الدولة وأمنها القومي و”دعوة صريحة إلى الفتنة والاقتتال الداخلي”، بينما لم يحدد البيان الرسمي بدقة العبارة التي استند إليها هذا الاتهام.

وهكذا تجد تونس نفسها أمام أزمة مركبة، اقتصاد بطيء التعافي، وخدمات عمومية عاجزة أمام الحرارة والحرائق، ومؤسسات سياسية وقضائية فقدت جزءا من استقلالها، ومجتمع يخشى كلفة التعبير والاعتراض.

ويحمّل خصوم سعيد نظامه مسؤولية نشر الخوف وصناعة المؤامرات والأعداء، فيما يصر الرئيس على أن البلاد تخوض معركة ضد الفساد والمتآمرين. لكن اتساع السجون وتراجع الثقة وعودة شعار “الشعب يريد إسقاط النظام” تشير إلى أن خطاب المؤامرة لم يعد قادرا وحده على احتواء غضب اجتماعي تتغذى منه أزمات الحياة اليومية.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...