الدبلوماسية المقنّعة: الجزائر ونار التسلل البارد إلى المؤسسات الديمقراطية

 

 

 

 

عبد القادر الفرساوي

 

 

 

في زمن لم تعد فيه الحروب تخاض على الحدود بل في العقول، تصبح اللغة سلاحا، والخطاب أداة للغزو، والمجاملات السياسية ألغاما مؤجلة. في هذا السياق، تبرز الجزائر كلاعب ماهر في هندسة الخداع الدبلوماسي، إذ تتقن فن التسلل إلى الفضاءات الديمقراطية تحت غطاء الدفاع عن “المظلومين” و”القضايا العادلة”، بينما تخفي في جعبتها مشروعا سلطويا توسعيا لا يقل خطرا عن أي تهديد عسكري مباشر.
التحذير ليس جديدا، لكنه بات أكثر إلحاحا اليوم، كما يوضح السياسي والباحث الجيوستراتيجي إيدغار ويلمان في مقاله الأخير. الجزائر، التي تصر على تصدير نموذجها السلطوي عبر بوابة “قضية الصحراء”، لا تسعى فقط إلى كسب التعاطف الإيديولوجي في أميركا اللاتينية، بل إلى خلق امتداد استراتيجي يصلها بالمحيط الأطلسي، عبر كيان انفصالي يخدم طموحاتها الطاقية والعسكرية ويمنحها موطئ قدم في ممرات التجارة والتحالفات الدولية.
لكن مكمن الخطر لا يكمن فقط في الطموح، بل في الأسلوب. فالجزائر لا تطرح نفسها كمحتل، بل كصديق مزعوم يحمل في يده راية حقوق الإنسان، بينما يكمم بها الأفواه في الداخل، ويسوقها في الخارج لتقويض استقرار الدول الناشئة، من خلال اختراق برلماناتها، وجامعاتها، ومؤسساتها الإعلامية. إنها دبلوماسية تتغذى على الغموض، وتتقن اللعب على العواطف التاريخية لجذب حلفاء جدد إلى أجندة قديمة.


أكثر من ذلك، فإن حضور الجزائر المتزايد في فضاءات إقليمية مثل البرلمان في أميركا الوسطى لا يمكن اعتباره بريئا. فهو جزء من خطة أوسع لاختبار حدود التسامح الديمقراطي، والترويج لخطاب معاد لمفاهيم السيادة والاستقرار، يغلف نفسه بشعارات مثل “التحرر” و”الحياد”، بينما يضمر الانحياز الصارخ إلى محاور لا تخفي عداءها للديمقراطيات الليبرالية.
مقابل هذا، تبرز مبادرات جادة مثل مقترح الحكم الذاتي المغربي، المعترف به دوليا كحل عملي ومتزن. ليس لأنه يحظى بدعم قوى كبرى فحسب، بل لأنه يقطع الطريق على المقاربات الانفصالية المتطرفة، ويفتح المجال أمام تسويات عقلانية. ومع ذلك، يظل التحدي قائما: كيف نحمي مؤسساتنا من التوظيف الخارجي؟ وكيف نميز بين التضامن الحقيقي والتعاطف المدفوع بأجندات سرية؟
إن ما يجب التنبه له ليس نوايا الجزائر المعلنة، بل تحركاتها المبطنة. فحين تضع يدها في يد أنظمة استبدادية حول العالم، وحين تروج لرواية واحدة عن صراع معقد، فإنها لا تبحث عن العدالة، بل عن الشرعية لقوتها الصامتة.


إن الصمت أمام هذا النوع من الاختراق ليس حيادا، بل تواطؤ غير مباشر. ومقاومته لا تكون بالشعارات، بل باليقظة الاستراتيجية، وبتحصين المؤسسات ضد التلاعب الإيديولوجي، وبسياسات خارجية متماسكة لا تساوم على المبادئ الأساسية للديمقراطية.
لقد ولى زمن السذاجة. وما نراه اليوم ليس صراعا على رمال الصحراء فقط، بل على عقول من لا يزالون يعتقدون أن الخطر لا يأتي إلا من البنادق.

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...