علي حسن الفواز
كاتب عراقي
استعادة المخفي من التاريخ، تعني تبجيل السرد، ومنحه خيارات المراجعة والمساءلة، والحفر، ومنح القارئ مجالا لإعادة النظر بالوقائع والأسفار، وحتى بالشخصيات التي جرّت التاريخ من أذنيه، وجعلت من لعبة الإخفاء، الرهان على حيوية السرد ومكره، وعلى تحويل ذلك المخفي إلى حافز لانعاش استيهامات «المتخيل التاريخي» والتوهم بإعادة صياغة السير والأحداث، من خلال توظيف تقانات السرد كأدوات ووسائط، وكديناميات تتحرك عبرها فاعليات النقد والمراجعة، وهي تمسُّ الصراعات والأحداث المفصلية في عالمنا العربي، الذي يعيش أزمة التاريخ وأزمة سردياته معا.
في رواية «البحث عن مصطفى سعيد» للروائي السوداني عماد البليك الصادرة عن دار إبييدي/ القاهرة/ 2025 تتبدى تلك المقاربة وكأنها جزء من رهانات الثقافي، ومن رؤيته لتلك الأحداث، فما عمد إليه المؤلف لم يخرج عن فكرة ما يراه «البطل الثقافي» وهو يتقصى يوميات الصراع في وطنه السودان، حيث يتحول هذا البطل الثقافي إلى شاهد تراجيدي على التشظي، يعيش إحساسه المرّ بموت التاريخ، وانطفاء صورة «الوطن الرومانسي» المشبوك بذاكرة رمادية عن اليسار واليمين، ورهابات «الإسلام السياسي» وانقلابات العسكر، ليعود إليه حالما وشغوفا بالبحث عن ما يشبه التطهير، حتى تبدو تلك العودة وكأنها «عودة الابن الضال» تساكنه هواجس ومرائر وجروح نرجسية عميقة..
هذه العودة تفقد إيقاعها وسط الحرائق، يتوازى فيه جحيمه المتخيل مع الصورة الرمادية لجحيم الوطن ذاته، حيث تبدو الثورة الأقرب إلى وهم كبير، وحيث يستشري الفساد مع صعود القوى الجديدة، حتى يتحول بحثه عن الخلاص، وكأنه نظير للدخول في متاهة تزدحم بأخطاء الجميع، حتى بحثه عن «مصطفى سعيد» البطل الهارب من يوميات الطيب صالح، يتحول إلى قناع لتورية هزائمه الشخصية والثقافية والوجودية.
يحمل بطل الرواية «محمود سيد أحمد» قلقه الوجودي، باحثا عن ذاته، وعن المخفي من علاقته بالتاريخ والذاكرة، وحتى أسفاره إلى الخليج وإلى الغرب لم تنقذه من هواجسه بالبحث عن الغائب، فيظل يعيش اغترابه الداخلي وكأنه في فراغ روحي كبير، تتسع معه إغواءات ذلك البحث، لتشمل الهوية والوطن والمعنى، فبقدر ما تحمله تلك الإغواءات من غموض، فإنه يستحضرها بوصفها جزءا من نداء عميق، يشتبك فيه صوت البطل الثقافي مع صوت المخلّص، ليكون شاهدا على خيبة جيل بكامله، وعلى تقوض حلم ثوري غامر، فتأخذه شهاداته إلى كشوف مضللة، وإلى ملاحقة ما يجري من مفارقاتٍ الزمن السوداني ما بعد «الثورة» حيث خيانات حرب الأخوة، ومظاهر الانتهازية السياسية، وتغول الأدلجة والعسكرة، وهذا ما يجعله أكثر هوسا بالبحث عن غائبه..
سردية المفارقة هي مدخل التعرّف على ثيمة البحث عن ذلك الغائب، التعويضي، والإيهامي، المتمرد على عقدة الهوية، ومواجهة انكسار الذات، ليعيش معها أجواء اغترابه، وحساسيته الشائهة إزاء الآخر، تحاصره هواجسٌ أراد تحريرها من ذاكرة بطل الطيب صالح في رواية «موسم الهجرة إلى الشمال». فـ»مصطفى سعيد» الهارب، والباحث عن حلول فحولية وإشباعية، يتحول في الرواية إلى رمز ضدي، لا علاقة بتمثيل الشخصية السودانية، فهي شخصية هروبية، استدعى الروائي البليك عنونتها ليتجاوزها، بحثا عن شخصية أكثر تمثيلا للمخفي من تاريخ السودان، وأكثر وعيا بما يؤديه الشاهد الثقافي الذي يعود إلى الوطن، باحثا عن الذات، وعن السيرة، وعن الحياة التي لم تعد صالحة لبطل «موسم الهجرة إلى الشمال».
قد تكون هذه الرواية هي الأقرب إلى «رواية اعترافات» لكنها أيضا تصلح أن تكون رواية «شهادات» يسرد من خلالها الروائي مأساته «الوطنية» بوصفها تاريخا، فيه من التأويل الرمزي، ما فيه من الإخفاء القسري، فلا تبدو الأحداث إلا مكثفة، ولا يبدو حضور بطله إلا بوصفه حاملا «عين الكاميرا» يرقب، يرصد، يفضح، يتنقلُ بين أمكنة دوستوبية، وزمانات لا تخرج عن المحذوف من زمنه الشخصي، فيعمد إلى استحضارها ليجمع خيوط لعبته السردية، كاشفا من خلالها عن الغرائبي في يوميات الوجع السوداني المعاصر.. تأخذنا لعبة الاستدعاء إلى مغامرة سردية، نتعرف من خلالها على مصائر الشخصيات، وعلى محنتها في الزمن السياسي، وفي ما يمكن أن تستدعيه أسئلته الوجودية من اغترابات عميقة، ومن شهادات أراد من خلالها الروائي تجاوز عقدة التوثيق إلى التخييل، عبر إعطاء وظائف مفتوحة لضمائر السرد، حيث الأنا الساردة، وحيث الـ»هو» الذي يبدو ساردا مراقبا منحازا وليس حياديا..
البطل.. الغائب والمستعاد
تعيش شخصية البطل محمود، أزمة هروبها إلى الغرب، لتجد نفسها إزاء عالم مسكون بالشكوك، والتوهم بغرائبية المكان الدوستوبي، فهي لا تملك سوى أن تستدعي ذكرياتها كمصدٍّ نفسي لمواجهة الغياب، ولاستعادة الذات بوصفها صاحبة الشهادة القادرة على ترسيم علاقتها بالمكان المتخيل، وبالزمن الذي ينسحب من عموميته الفلسفية، ليحضر بوصفه زمنا سودانيا، يتلمس من خلاله الروائي عوالمه المفقودة، ويومياته التي ينكسر فيها حلمه الثقافي الذي عاش مع قناع «مصطفى سعيد» اغتراباته القديمة وأوهام بطولته وفحولته الشرقية.. يسحبه التداخل الزمني في الرواية إلى زمن مركب، هو زمنه النفسي وتشظيه العميق، مثلما هو زمن السردي الذي يؤدي وظائفه الراوي الشخصي، والراوي العليم، وعبر تقانات تكون فيها تلك الوظائف أكثر تمثيلا لما تعانيه الشخصية الرئيسية وهي تعتاش على الذاكرة، وعلى رائحة الماضي/ الأم، حتى تبدو لقارئها وكأنها شخصية معلولة بقلقها، وبوجودها المضطرب، ومسكونة بهوس عصابي للهروب واللانتماء، تبدو فيهما لا تثق بأحد، فتعيش هواجسها عبر البحث عن الغائب يظل يلاحقها، ويكشف عن لا يقينها الوجودي.. هروب البطل من الزمن السياسي السوداني، هو الذي يدفعه إلى استعادة وجوده عبر الزمن النفسي، لمواجهة أزمته الداخلية، وربما لمواجهة ماضيه، فبقدر ما كان زمنه حافلا بأحلام كبيرة، وبسيرة تتعالق ضديا مع شخصية بطل رواية «موسم الهجرة إلى الشمال»، إلا أن عودتها إلى السودان الجديدة بعد انهيار منظومة «الأسلمة السياسية»، تدفعه إلى استعادة لا وعي البطولة، عبر استثارة فكرة الناشط السياسي والبطل الوطني، لكنه سرعان ما يجد نفسه إزاء واقع ملتبس، تتقوض معه مثاليته، وحساسيته في البحث عن ذاته، أو حتى البحث عن غائبه.
يعيش لحظات المحنة، والاندحار الداخلي، من خلال ما ينتهي إليه، حيث تتضخم مظاهر الفساد والخراب، وحيث الشغف بالسلطة وصور الاقتتال الوطني، فلا يملك إلا أزمة اغترابه الداخلي، تتوزعه رغبة الهجرة، والبحث عن ذلك الغائب، أو العودة إلى الآخر بحمولاته الرمزية والنفسية والإشباعية، رغم ما تُثيره تلك العودة من أسئلة حادة، ومن استغواءات تستفز لاوعيه، وتجرح هويته النرجسية.. ما بين حساسية الاغتراب وقلق الوجود، تتنامى سردية الملاحقة، والشغف بمواجهة النرسيس الذي يسكنه، ويشاطره القلق، ورمادية المصير، وهذا ما يدفعه في حالة فارقة إلى العودة إلى الوطن الصعب بصراعه الداخلي، تمثيلا إيهاميا لاستعادة فكرة الخلاص، والتطهير، ومواجهة محنة هزيمته الداخلية..
سردية الذات القلقة..
لا يجد الروائي سوى أن يضع روايته أمام زمن تناظري، الماضي فيه مسكون بذاكرة «مصطفى سعيد» بفحولته، وبأوهام سرديته عن الآخر، والحاضر فيه ينفر عن الذاكرة، ليعيش معها البطل كوابيسه وأوهامه، وكأنه بلا أغطية أو معنى، يأخذه الإحساس بالخيبة إلى إثارة ما يخفيه في داخله من خوف فارق، ومن إحساس بأن العالم يخونه، وأن حساسيته في النظر إلى الأشياء تكشف عن أزمة وعيه القلق، وعن انسحاقه تحت مشاعر إكراهية، ليجد نفسه في «المصحة النفسية» باحثا عن ذاته، وعن حقيقته، وعن إنسانيته المستلبة، مسكونا بالتساؤل المر «هل كنت إنساناً حقيقياً، أم مجرد كائن مستلف يعيش بين الناس على هيئتهم، من دون أن يكون واحدا منهم». ما تسرده الذات، تضعنا إزاء اللحظة السودانية القلقة، بكل ما تمور به من عوالم غرائبية، ومن صراعات دامية، ما يمنحه إحساسا متعاليا، رغم قلقه، باستعادة فكرة البحث عن البطل الذي يخصه، بوصفه تمثيلا لأنموذجه عن البطل السوداني، في رمزيته وفحولته، حتى تتحول ثنائية الاستعادة والبحث عن رؤية سردية، تتفجر معه الرغبة في مواجهة الواقع، وفي تحويل «وعيه القلق»، أو حتى «وعيه الشقي» بالمفهوم الهيغلي، إلى محرك ضدي لمواجهة ضياعه، واندحاره، ومنازعة مشاعر الإحباط، فلم يعد الهروب منقذا له، وحتى تَخيّله اصطفاء صورة «مصطفى سعيد» فقد بريقه، ليدفعه إلى البحث عن غائب آخر، وعن بطل آخر، يمكنه أن يتجاوز عقدة انكساره الوجودي من خلال تعاليه السردي، وعلى نحوٍ يجعل من توصيفه لمفهوم البطولة أكثر تمثيلا لقيم البقاء والانتماء، وحتى لمراجعة الزمن النفسي، وزمن الجسد الجنسي العالق بخيارات «مصطفى سعيد» ليحضر الزمن الوطني، بوصفه زمنا إنسانيا، له طاقة الخلق والإثراء ومواجهة العجز، وابتكار وجود آخر للحياة كما يقول بطل الرواية..





