رواية «أنا يوسف يا أبي» وبئر الغربة والخيانة والفساد

إيطاليا تلغراف

 

 

 

موسى إبراهيم أبو رياش
كاتب أردني

 

رواية «أنا يوسف يا أبي» للكاتب الأردني باسم الزعبي، تنتمي إلى الروايات التي تمزج بين السرد الذاتي والاجتماعي، وتُعالج قضايا معاصرة بلغة شاعرية ذات بعد وجداني، مع توظيف رمزي مستلهم من مرجعيات دينية وثقافية. ومن خلال شخصية عون وابنه محمد، ترصد الرواية أزمات الإنسان العربي، في ظل الانكسارات السياسية والاجتماعية، داخل الوطن وخارجه.
تدور أحداث الرواية حول «عون»، الرجل الذي يضطر إلى مغادرة وطنه بعد إحالته إلى التقاعد ظُلما نتيجة مواقفه الصلبة ضد الفساد. وهو موظف شريف، قضى حياته ملتزما بالقانون والنزاهة، لكنه يصطدم بجدار من المحسوبيات والرشاوى في مؤسسة تنحاز للفاسدين وتُقصي الشرفاء.
يتخذ عون قرار الهجرة إلى روسيا، التي تخرّج في جامعاتها ومسقط رأس زوجته غالينا، التي فقد معها التفاهم العاطفي والثقافي، وبدأت علاقتهما بالتآكل. يرافقه إلى روسيا ابنه المراهق محمد، الذي يمر بأزمة هوية عاطفية وأُسرية، وينزلق لفترة قصيرة في سلوكيات مريبة، قبل أن يبدأ بإعادة تشكيل وعيه بنفسه وبالعالم.
ترصد الرواية عبر خطوط سردية متوازية مأساة الانكسار الإنساني في عالم مادي فاسد، حيث تتفكك مؤسسة الأسرة، ويتحول الوطن إلى مساحة طاردة، وتصبح المرأة أحيانا مصدر خيانة لا دفئاً، بينما يبقى الأهل والأصدقاء المخلصون كصالح وعائشة وفاديم هم الأوتاد الأخلاقية، التي تمنع الإنسان من الانهيار الكامل. يوظف الكاتب شخصية يوسف (القرآنية) كرمز للتهميش والنبذ والغدر القريب، ويعيد توظيفها في إسقاطات معاصرة، ليقول إنّ «يوسف» العربي، ما زال يُلقى في البئر ويُنسى ويُتهم ويُغرَّب.. لكن ما يزال الأمل قائما في الخروج من الجبّ.
الوطن: بين الحنين والخذلان
الوطن في الرواية ليس مكانا جغرافيا بقدر ما هو سؤال مستمر عن الانتماء والكرامة والعدل. يتجلّى الحنين للوطن عند عون، رغم سفره القسري، عندما يقول له أخوه صالح: «أقسم بأنّ بلادنا جميلة، لو أخلص أهلها لها لكانت أجمل بلاد الدنيا، ولولا الفساد»، فيجيبه عون: «لم أفكر يوما من الأيام أنّ هناك بلادا أجمل من بلدنا، أقول ذلك عن خبرة، فأنا عشت طويلا في أوروبا، وسافرت إلى بلاد كثيرة، وكنت دوما أشتاق إلى هذا البلد الصغير الدافئ، الحنون. لم أفکِّر بالسفر إلا لأن الدنيا ضاقت بوجهي». ولا تكتفي الرواية بالنوستالجيا، بل تُعرّي الانقسام الطبقي والنفاق السياسي، عبر صور فاضحة لحيتان الفساد والثراء غير المشروع، مقابل عجز أمثال عون عن تأمين حياة كريمة بعد عقود من العمل النزيه ونظافة اليد.
وتهاجم الرواية بوضوح الفساد بوصفه سرطانا ينخر في جسد الوطن، ويُقصي الكفاءات والخبرات المخلصة، حيث تتم إحالة عون إلى التقاعد المبكر، لأنّه كان شوكة في حلق الفاسدين، يرفض الرشوة ويصّر على تطبيق القانون. هذا الفساد يخلق خللا أخلاقيا واقتصاديا، ويصبح أحد أسباب الاغتراب الداخلي والانفجار الصامت. وتتكثف غربة عون وأزمته في علاقته الفاترة مع زوجته غالينا، التي يُفترض أن تكون له وطنا وسكنا وملاذا، حيث تكشف الرواية جانبا مظلما من العلاقة الزوجية، إذ تتحول الزوجة غالينا إلى كيان غريب في حياة عون، وازدياد عزلتها وتجاهلها له، خاصة بعد عودتهما إلى روسيا، بل تعمدها تزويده بالفودكا لتنعم ببعده وغيبته وضياعه. وقد اكتشف الابن محمد خيانة أمه لأبيه عندما استمع دون قصد لمكالمة عاطفية طويلة لها مع شخص غريب، هذه الخيانة لم تأت فقط كفعل جنسي محتمل، بل كاغتيال وجداني، وكسر للثقة، واغتيال للعاطفة، وقتل بطيء لركائز البيت؛ إذ تتسرب إلى بُنية الأسرة، فغدت مؤسسة متصدعة.
وفي خضم التفكك الأسري وغياب الاحتواء والدفء، وغواية اليأس، يقع محمد في شرك إحدى الجماعات المتطرفة؛ إذ تقدم الرواية نموذجا واقعيا لكيفية تجنيد الشباب عبر استغلال الفراغ العاطفي والتمرد على الواقع. ويتورط محمد في أعمال هذه الجماعة وإجرامها، لكنه يتخلص منها بفضل يقظة ضميره وفرصة ذهبية استغلها، وخطة مدروسة نفذها، لتعيد الرواية التأكيد على أهمية الوعي والتوجيه، لمنع الانحراف والتورط، وقبل كل شيء، أهمية الأسرة كدرع واقٍ وجدار صلب.
العلاقات الاجتماعية: الملاذ والسند
تتأرجح صورة الأسرة بين الملاذ والدافع إلى الرحيل. فبين أم حنونة (فاطمة) غُيّبت قسرا عن حياة ابنها بعد زواجه، وزوجة أنانية تسرق من زوجها روحه، وبين أخت حنون (عائشة) تمثل ما تبقى من الدفء، تقدم الرواية لوحة متعددة الأبعاد للأسرة العربية، حيث يتصارع الحنان مع التهميش، والانتماء مع القطيعة.
وفي جانب آخر، يُشكّل الأخ صالح أحد أعمدة الرواية، فهو الأخ الذي يمثل ضميرا حيا وعقلا راجحا، يمارس دور الناصح دون وعظ، ويمثّل ملاذا لأخيه عون في لحظات ضعفه. وهو من يرافقه في وداعه الأخير ويصرّ على أن يوصله بسيارته إلى المطار، كما فعل معه في شبابه عندما رافقه من أجل السفر للدراسة، في دلالة على صدقه، ومتانة العلاقة بينهما، وقوة الرابطة الأخوية، وبقي صالح وابنه معتز إلى جانبه في بحثه عن ابنه محمد، يؤازرانه ويحملا بعضا من أثقاله، وملاذا له في لحظات ضعفه وحزنه.
كما لعب الروسي فاديم دورا مهما في حياة عون، كصديق انتشله من الضياع والتهميش، ووفر له عملا في مجال تخصصه، أعاد له الحياة، وأشعره بالأهمية، وأنه ما زال منتجا وفاعلا، ووقف معه في أزمته عندما فقد ابنه محمد، وشد من أزره.
تصادم المرجعيات وتبادل الأدوار
تجسّد شخصية غالينا الروسية الفارق الحضاري والثقافي بين الشرق والغرب. بينما تمثل التقاليد الشرقية انحيازا للأسرة والخصوصية، تميل غالينا إلى الاستقلالية والانفتاح، حتى في التسمية، إذ غيرت اسمها وطلبت من الآخرين مناداتها باسم جديد. كما يستفزها عون بمواقفه السياسية المؤيدة للوطن، وتستفزه بنظرتها الساخرة للسقوط السوفييتي. هذا التباين أدى إلى تصدّع العلاقة بينهما، وكأن الرواية تقول: لا يمكن للشرقي أن يجد ذاته في مرآة غربية لا تعكس ملامحه.
كما تلعب الرواية على فكرة التبادل الرمزي للأدوار بين الأب وابنه؛ فعون الذي كان الحازم الرافض للفساد صار مغتربا ضعيفا، بينما يبدأ محمد بالتحول إلى مسؤول وصاحب قرار، حتى لو انزلق مؤقتا. هذه المراوحة في الأدوار تعكس عمق الأزمة بين الأجيال، وتُبرز أسئلة كبرى حول التربية والمسؤولية ووراثة القيم في عالم يتبدل بتسارع مرعب.
وبعد؛ فإنَّ رواية «أنا يوسف يا أبي»، وعلى الرغم من أنها لا تُحاكي سيرة النبي يوسف عليه السلام حرفيا، إلا أنها تتقاطع معها في جوانب عديدة، وتوظف رمزية «البئر» و«النبذ» و«الاغتراب» و«الحلم المؤجل». كما أنَّ «محمد/يوسف» في الرواية يشعر أيضا بأنه خُذل من أسرته وبالذات أمه التي خانت أباه، ويقع في «بئر» التجنيد والتهميش والخذلان الأسري، قبل أن ينهض ويبدأ صعودا جديدا نحو النضج والوعي.
رواية «أنا يوسف يا أبي» عمل سردي جريء، يخوض مغامرة واسعة لتفكيك تحديات العصر الراهن، يتقاطع مع السيرة والمرجع الديني والثقافي والسياسي والاجتماعي، في آن واحد. إنها رواية عن كل «يوسف» عربي أُلقي في غياهب الجبّ، يبحث عن خلاص من قسوة الإخوة، وخيانة الزوجة، وفساد الأنظمة، وضياع البوصلة. وتشكل الرواية بمرآتها العاكسة نصا مفتوحا على وجعنا المعاصر، وآمالنا المنتظرة، بين «يعقوب» ينتظر قميصا يعيد إليه بصره ويُعرّي جريمة أولاده، و«يوسف» الموقن بتحقق رؤاه وسجود الشمس والقمر والكواكب له مهما طال الزمن، وشعوب تنتظر مستقبلا يُغاث فيه الناس وفيه يعصرون، ينقلهم من شظف البادية وجفافها إلى رغد المدينة وطراوتها، بعد أن أنهكتهم السنون العجاف، وأميّة السياسة والفكر والحياة.
ولا بُدَّ، ختاما، من الإشارة إلى أنّ هذه الرواية هي الأولى للأردني باسم إبراهيم الزعبي بعد سبع مجموعات قصصية، وعدد من الكتب المترجمة عن اللغة الروسية، وقد صدرت هذه الرواية في عمّان عن الآن ناشرون، بدعم من وزارة الثقافة الأردنية، عام 2024 في 254 صفحة.

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...