الثورة التي لا تحتمل النقد… تمهّد لطاغية جديد

 

 

 

 

 

خليل البطران

 

 تمهيد: نقد الحكومة أم خيانة للثورة؟

منذ الإعلان عن تشكيل الحكومة السورية الانتقالية برئاسة أحمد الشرع، ظهرت أصوات تنبّه، تنتقد، تحلّل، وتُحذّر من أخطاء محتملة.
لكن ما هو أخطر من الخطأ السياسي ذاته، هو هذا الخطاب المتصاعد الذي يَصم كل صوت ناقد بالخيانة، وكل اعتراض بـ”الارتهان”، وكل ملاحظة بـ”العمالة للنظام”.

كأننا – بعد كل ما عانيناه – نعيد إنتاج أسوأ ما في النظام، ولكن بأسماء جديدة ورايات ملوّنة.

الثورة قامت على إسقاط الأصنام… لا صناعة أصنام جديدة

هل نسي البعض أننا خرجنا في 2011 لأن النظام رفض النقد؟
لأنه قال: “إما الأسد أو نحرق البلد”؟
لأنه اتهم المتظاهرين بالخيانة، والمفكرين بالتآمر، والمطالبين بالإصلاح بأنهم أدوات خارجية؟

اليوم، هناك من يريد أن يقول لنا:

 “إما أحمد الشرع أو أنتم مندسون.”
“إما أن تصمتوا أو أنتم تغذّون الفتنة.”

كلا. الثورة لم تقم لتمنح أي أحد – مهما كانت صفته – حصانة فوق النقد.
لا الشرع، ولا غيره. لا حكومة ولا مجلس. لا وزير ولا مستشار.

الدولة لا تُبنى بالتطبيل

الدولة تُبنى بالمحاسبة. بالشفافية. بالمصارحة. بالاختلاف.
ما الفائدة من “حكومة ثورية” تُعامل كأنها معصومة؟
هل الحرية التي نادينا بها تُختصر في حرية التهليل والتصفيق فقط؟

بل إن النقد الحقيقي هو أكثر ما تحتاجه حكومة انتقالية تحاول النهوض من أنقاض بلد مدمّر.
نحتاج أصواتًا تقول:

لماذا تم تعيين فلان؟

ولماذا أُقصي آخر؟

ما خلفية هذا القرار؟

من يدير المرحلة فعلًا؟

وهذه الأسئلة لا تعني تخوينًا، بل وعيًا سياسيًا مطلوبًا حتى لا نستيقظ بعد سنوات على استبداد بوجه ثوري.

أمثلة حيّة: هل هذا هو الطريق؟

خذ مثلاً ما أُثير مؤخراً حول تعيين أحمد موفق زيدان مستشارًا للرئيس الشرع – بحسب منشورات عديدة.
الرجل له مواقف مثيرة للجدل، وتاريخ إعلامي طويل، لكنه محسوب – بحق أو باطل – على تيار الإسلام السياسي ، وسبق أن اتُّهم بالتقارب مع أطراف متشددة، بل وحتى بالتواطؤ الإعلامي مع أجندات خارجية.

نقول هذا لا طعنًا بالرجل، بل تحفّظًا على الرسالة السياسية التي يبعثها تعيينه في لحظة حساسة.

ومع ذلك، كل من انتقد القرار أو عبّر عن تحفظه قيل له:

 “أنتم تخدمون النظام”،
“هذا وقت بناء لا وقت اعتراض”،
“من أنتم لتشككوا في خيارات الشرعية؟”

كأننا أمام طبقة جديدة تُقدّس القائمين على المرحلة الانتقالية، وتمنع حتى التفكير بصوت مرتفع.

الشبيحة الجدد

في كل ثورة، يخرج من بين صفوفها من يُحاول خطفها لحسابه الخاص. وفي سوريا، لا يبدو أن الشبيحة قد اختفوا مع سقوط تماثيل الأسد… بل فقط بدّلوا الشعارات.

اليوم، هناك من يتصرّف كـ”شبيح ثوري”:

يهاجم كل من ينتقد الحكومة،

ويخوّن كل من يسأل “لماذا؟”،

ويرى في القيادة الانتقالية صنمًا لا يُمس، ولو أخطأت أو انحرفت.

ما إن يوجّه أحد الثوار أو المثقفين نقدًا لأداء الحكومة أو بعض قراراتها، حتى تنقضّ عليه هذه الفئة بشراسة، مرددةً نفس الاسطوانة:

“يا أخي، هذا النقد يُضعفنا! سيُفرح الأعداء! هناك أطراف تنتظر كلمة واحدة لتسقط الحكومة!”

وهم بذلك يرفعون حججًا واهية لتبرير قمع الرأي الآخر، تحت شعار “الحفاظ على المكتسبات الثورية”، وكأن الثورة لا تحتمل رأيًا مخالفًا، أو كأن الحكومة ستسقط لأن أبناءها انتقدوها!

لكن الحقيقة أن النقد يجب أن يكون بمثابة الرقيب على أداء الحكومة:
فإن أحسنت، قلنا لها: أحسنتِ وجزاكِ الله خيرًا.
وإن أخطأت، قلنا لها: أخطأتِ فصحّحي خطأكِ، ولا تكرريه.
بهذه العقلية فقط، يمكن للدولة أن تجتاز هذه المرحلة الصعبة بوعي وشفافية – لا على حساب الحرية، ولا على حساب مصادرة الرأي.

نسألهم:

هل النقد حالة غير صحية؟

وهل هدفه هو الهدم لا التقويم؟

وهل الثورة التي لا تتحمل النقد، تستحق اسمها أصلًا؟

عجيبٌ أمرهم.

<<كأنهم يقولون لنا: “وكأنك يا أبا زيد ما غزيت!”

نستبدل طاغية بطاغية، ونرفع شعار الحرية ثم نقدّس حكومة انتقالية، ونمنحها العصمة، وندافع عن أخطائها بمنطق: “هي بشر… لكنها لا تُنتقد!”

وجود هذه الفئة بين صفوف الثورة اليوم، أو في فضاء الشعب السوري عموماً، لا يُعد مجرد اختلاف في الرأي، بل هو تهديد مباشر لما خرج السوريون ينشدونه: الحرية والديمقراطية، وقد قدّموا لأجلها أكثر من مليون ونصف شهيد.

لذلك يجب تسميتهم بأسمائهم، ورفض خطابهم، ونبذهم من كل منبر يحاولون التشويش فيه على وعي السوريين الأحرار.

لا مكان في سوريا الجديدة لمن يُريد إعادة الناس إلى صمت القبور، وتكميم الأفواه، بحجة “الحفاظ على الحكومة”.

وكأننا أمام حكومة تنهار من أول نقد، لكنها تصمد أمام طعنات أعدائها… ما لكم، كيف تحكمون؟

 ما نريده:

نعم لحكومة انتقالية وطنية، لكن خاضعة للمساءلة الشعبية.

نعم للشرعية الثورية، لكن لا لتقديس القيادة.

نعم للوحدة، لكن لا لإلغاء التعدد والاعتراض المشروع.

نعم لبناء سوريا، لكن بأدوات ديمقراطية لا بهراوات تخوين.

الختام:

<الثورة التي لا تحتمل النقد، ستنتهي في حضن طاغية جديد.
فلنحمِ ثورتنا من عبادة الأشخاص، ومن زحف القداسة على القرار السياسي.
ولنُبقي أبواب النقد مشرّعة، فربما كانت هي الضمانة الأخيرة كي لا نخسر الحلم من جديد.

إيطاليا تلغراف

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...