جانبلات شكاي
من على صفحات روايته الجديدة «ناموا في منتصف الطريق»، وعبر قصة حب جمعت بين عمر ومريم، يحاول الكاتب والصحافي السوري شعبان عبود، أن يجسد «الزلزال الذي ضرب البلاد» السورية، وتجربة أربعة عشر عاماً من الثورة والحرب، والأثمان الباهظة التي دفعها السوريون للخلاص من نظام استبدادي، جثم على قلوبهم لعقود، داخلا في تفاصيل تجربة الفصائل الإسلامية المتشددة التي سيطرت وحكمت في ادلب وشمال غرب سوريا، ومنتقدا وراسما نظرة قاتمة لذلك الحضور.
الرواية الصادرة عن «دار نينوى» في دمشق هي من القطع المتوسط وبصفحات تصل إلى 280 صفحة، وتضم 49 فصلاً، وهي الثانية للكاتب بعد روايته الأولى «ملكة الفوعة، تلميذ بنّش»، التي صدرت قبل نحو خمسة أعوام عن «دار نون» في تركيا، وعلّ عبود الهارب من بطش نظام الأسد وحتى قبل الثورة السورية بسنوات، والمستقر حالياً مع عائلته في الولايات المتحدة الأمريكية، يستند إلى ذكريات طفولته وشبابه التي قضاها في إدلب، ليرسم لنا لوحات عن طبيعة محافظته الخضراء، عاشها وتمنى عليها أن تزدهر أكثر، كما تمنى لدمشق حين أطلق مصطلحه الشهير «ربيع دمشق» في مقالاته، التي كان ينشرها بداية الألفية الثانية.
في روايته يعتبر عبود أن «كل شيء في الكون يبدأ بانفجار. يقول العلماء إن العالم كان نقطة لا ترى، ثم انفجر، ﻻ لشيء، بل لأنه كان يجب أن ينفجر. كأن الجمال المفرط ﻻ يحتمل نفسه، فينكسر ليعيد تشكيل المعنى، وهكذا، كان لا بد للبلاد أن تنفجر، أن تسحق، أن تبكي، أن تنزف، لا لشيء، بل لأنها كانت مهيأة للحظة كهذه». لم يتوقع الكاتب أن تحصل روايته خلال أيام، على موافقة الطباعة من قبل الجهات الرسمية والمعنية في وزارة الإعلام السورية، خاصة أن بعضا من الفصائل التي كانت تمسك بالقرار في إدلب، وعلى رأسها «هيئة تحرير الشام»، ويشرّح سياساتها هناك، أصبحت في قمة السلطة اليوم، وباتت تحكم دمشق بعد سقوط النظام السابق. وفي تصريحه لـ»القدس العربي» يقول عبود: «خلال تواصلي مع دار النشر، وبعد الموافقة المبدئية على نشر الرواية، وإرسال صورة لي عن عقد طباعة الرواية، طلبت منهم الحصول على الموافقات الرسمية اللازمة قبل أن نخطو خطوة أخرى، أو نوقع العقد، وكانت لديّ شكوك، ولم أكن أتوقع أن تتم الموافقة، ووضعت خطة بديلة، وتواصلت مع بعض دور النشر في لبنان وتركيا، من أجل طباعة الرواية هناك، في حال جاء الرد بالرفض، لكن بعد نحو أسبوعين أرسلت لي الدار صورة عن موافقة وزارة الإعلام».
يعتقد الكاتب أن تجربة حكم الفصائل الإسلامية المتشددة في شمال غرب سوريا، خاصة في محافظة إدلب والمناطق المحيطة بها، لم تكن تجربة جيدة، بل على العكس، لقد واجهت الفصائل، خصوصاً «هيئة تحرير الشام» اتهامات بإدارة مناطقها بطريقة استبدادية تفتقر إلى الشفافية. ويتابع: لم تكن هناك مؤسسات رقابية مستقلة، أو آليات واضحة لمحاسبة السلطة القائمة، ومن ناحية ثانية سعت هذه الفصائل إلى فرض رؤى دينية متشددة على الحياة العامة، بما يشمل اللباس، التعليم، والفصل بين الجنسين، مع فرض عقوبات قاسية على من يدّخن، وأصبحت الموسيقى والغناء شبه ممنوعين، والناس التي اعتادت أن تقيم أعراسها منذ مئات السنين بمشاركة مغنٍ شعبي وفرقة موسيقية، صارت مثل هذه المشاهد لديها ممنوعة، وكل ذلك بسبب انتشار أفكار التكفير التي عممتها تلك الفصائل. يؤكد عبود أن النشاطات الوحيدة التي بات مسموحا بها هي الدورات الشرعية وتعليم القرآن، وتحت حكم هذه الفصائل صرنا نرى فتيات بعمر الخمس أو ست سنوات يضعن الحجاب، وصار ذلك مدعاة للتباهي والتفاخر، بدل أن نتباهى ونتفاخر بالعلم والتعليم العصري، وبترك الأطفال يحلمون دون خوف وترهيب من النار وجهنم. يقول عبود: خلال حكم الفصائل الإسلامية تم اعتقال الصحافيين والناشطين والخصوم السياسيين، بل حتى مقاتلين من فصائل أخرى، وأعرف الكثير من الناشطين والصحافيين الذين تم سجنهم، وكانت هناك سجون سرية وظروف احتجاز سيئة، وكثير من أبناء تلك المناطق فضلوا المغادرة واللجوء إلى تركيا للتخلص من سيطرة ونمط العيش والتضييق الذي فرضته تلك الفصائل.
في أحد الفصول يتحدث بطل الرواية عمر، الذي شارك في المظاهرات الأولى ضد النظام في حي ركن الدين في دمشق، عن تجربته واضطراره لمغادرة العاصمة خوفاً من الاعتقال، ويقرر أن يتجه إلى شمال غرب سوريا، لكنه يتعرض للسجن هناك على أيدي مقاتلين تابعين لفصيل إسلامي بعد وقت قصير من وصوله، لمجرد أنه علماني، حسبما يصفه أحد أمراء التنظيم، ثم ليهرب بعد تجربة قاسية هناك، باتجاه الحدود التركية بمساعدة أحد أصدقائه.
في طريق هروبه، وفيما هو يركب الحافلة، يستذكر عمر ما حصل معه ويعقد مقارنات ويطرح أسئلة عن التناقض ما بين جمال المكان في إدلب، والإسلاميين الذين باتوا يحكمونها: «في طريقه نحو المنفى ورحلة اللجوء إلى تركيا، تساءل عمر: إدلب تلك البقعة التي مرّت عليها أعقاب الخيول الرومانية، وهمسات الكهنة الإغريق، وفتوحات العرب، ثم انكفأت اليوم تحت ظل رايات سوداء وأفكار غريبة تكفّر الحياة برمتها، كيف لها أن تحتمل كل هذا التناقض؟ أن تكون بكل هذا الثراء الجمالي، ثم تُحكم بمنطق العدم»؟
تقف فكرة الرواية الأساسية، حسب الكاتب، عند أولئك الذين دفعوا الأثمان الباهظة للخلاص من النظام الاستبدادي، مئات الآلاف الذين حلموا بالحرية والكرامة، لكن لم يتسن لهم رؤية أحلامهم وهي تتحقق، لقد ماتوا أو ناموا في منتصف الطريق، وماتوا خلال التظاهرات أو في السجون تحت التعذيب، أو خلال رحلة اللجوء، حين غرقوا: «في البحار، كان الموج يبتلع الجثث بلا حرج، أطفال نائمون في أحضان أمهاتهم، في الصور الأخيرة لهم، كانت وجوهم تضحك، لم تكن المياه أكثر قسوة من اليابسة، ففي اليابسة كانت فوهات البنادق تنتظرهم، وفي البحر كان الموت يأتي بلا ضجيج».
رواية «ناموا في منتصف الطريق» لشعبان عبود، حجر في بركة سلطة لم تتضح بعد معالمها بالشكل الذي لطالما تمناه كثير من السوريين، وتظل موافقة الطباعة من وزارة إعلام هذه السلطة، بمثابة شعاع أمل بأن «ربيع دمشق» قد يزهر ثانية كما تمناها شيوخ مناضلي الاستبداد الأسدي.





