عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا
في عالمٍ تشتد فيه المنافسة السياحية وتزداد فيه أهمية الاقتصاد المرتبط بالتنقل والترحال والاكتشاف، يُعيد المغرب رسم موقعه ليس فقط كوجهة جذابة، بل كمشروع سياحي استراتيجي متكامل يمزج بين النمو الاقتصادي، والانفتاح الثقافي، وإعادة الاعتبار لصورته العالمية. والمفارقة اليوم ليست في كون المملكة “تحقّق أرقاماً”، بل في كيف أنها تُغيّر قواعد اللعبة بهدوء وفعالية.
أن يستقبل المغرب 8.9 ملايين زائر في نصف عام، بزيادة 19٪ عن العام الماضي، فهذا تطوّر نوعي. لكن أن تُحوَّل هذه الزيادة إلى عائدات تتجاوز 5.1 مليار دولار، فذلك يعني أننا أمام سياسة مُفعّلة، لا مجرد حركية موسمية.
النجاح لا يُقاس بعدد الليالي السياحية، بل بكيفية إدماج السياحة في الدينامية الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما بدأت المغرب ينجح فيه تدريجياً. إذ تشير المعطيات إلى أن خارطة الطريق 2023-2026 للسياحة، لم تُبنَ فقط على تحسين العرض، بل على إعادة تصميم تجربة السائح من لحظة وصوله حتى مغادرته، بكل ما تحمله من احتكاك بالثقافة، والانفتاح على الإنسان، وتذوّق للمكان.
من التوسعة المتقدمة لمطاري الدار البيضاء ومراكش، إلى إنفاق 600 مليون دولار على تطوير الوجهات والمواقع السياحية، لم يعد الحديث عن “تزيين الواجهة”، بل عن هيكلة البنية التحتية لاحتضان تدفقات بشرية متزايدة، ضمن رؤية توازن بين الكم والجودة. هذه خطوة حاسمة لبلد يستعد لاستقبال أحداث بحجم كأس العالم 2030 وكأس الأمم الإفريقية، حيث لا يكفي توفير الفنادق، بل لا بد من خلق “انطباع سياحي وطني”.
الأمر هنا ليس “موسماً ناجحاً”، بل تحولٌ مؤسساتي تقوده وزارة السياحة، وتدعمه إرادة سياسية عليا، لفكّ الارتباط بين السياحة والموسمية، واستبداله بعلاقة جديدة تقوم على استدامة التدفق السياحي، واستثمار العائدات في التنمية المحلية والعدالة المجالية.
أن يمثل مغاربة المهجر أكثر من 50٪ من الوافدين على المغرب في هذه المرحلة، فذلك معطى بالغ الدلالة. إنهم ليسوا فقط مستهلكين للخدمات، بل قوة ناعمة تحمل معها حنيناً، وتنعش الاقتصاد، وتُعيد تدوير الثقة في بلد المنشأ. والمفارقة هنا أن المغرب يستثمر في علاقة وجدانية مع جاليته، يحوّلها إلى رافعة اقتصادية وثقافية، دون أن يختزلها في التحويلات المالية.
هؤلاء يشكلون رأس مال استراتيجياً لم يُستثمر بعد بالقدر الكافي، لكن المؤشرات الحالية توحي بأنهم سيكونون شركاء أساسيين في إنجاح موعد 2030، بما يحملونه من شبكات في بلدان الإقامة، وحنين يمكن أن يُترجم إلى استثمارات مستقبلية.
ما يُميز العرض المغربي، أنه لا يخضع لنمط واحد. فالمملكة تضع على الطاولة كل ما لديها: من أسواق مراكش والرباط، إلى الأطلس المتوسط وسحر الصحراء، ومن فاس العتيقة إلى أكادير الحديثة. لكنها تضيف إليه اليوم بنية ذكية في الحجز، وخدمات عصرية في النقل، وتجربة رقمية ترافق السائح قبل أن يصل. هكذا فقط، يُعاد تعريف “التجربة السياحية” كمنتج ثقافي اقتصادي متكامل، لا كزيارة عابرة.
ما يحققه المغرب اليوم في قطاع السياحة، يجب أن يُقرأ في سياقه الأشمل: الدولة تستعد لمرحلة جديدة من الحضور الدولي، والمراهنة على السياحة ليست خياراً تكميلياً، بل مساراً استراتيجياً لبناء صورة بلدٍ حديث، مضياف، وذو قدرة على التنافس العالمي.
ولعل أهم ما يميز هذا المسار، هو أنه لا يُبنى فقط على “الوجه الجميل”، بل على ذكاء إداري بدأ يربط بين العائد السياحي والتنمية المحلية، وبين استقبال الزوار واستدامة الموارد. هذا هو المغرب الذي يُحضّر للعالم من اليوم، لا ليكون وجهة، بل ليكون قصة سياحية من نوع جديد.





