دة نعيمة بويغرومني
ليست هذه الكلمات صرخة غضب، ولا ردّة فعل متشنجة على مقترح سياسي عابر… إنها صوت قلبٍ يحبّ هذا الوطن، ووجدان امرأةٍ آمنت أن الديمقراطية لا تكتمل بنصف شعب، ولا تستقيم بكفاءات تُقصى فقط لأنها أنثى.
أكتب لا دفاعًا عن النساء فقط، بل دفاعًا عن المعنى… عن روح العدالة، وجوهر المواطنة… أخاطبكم – أنتم في الأحزاب، وفي دوائر القرار، وفي مواقع صناعة السياسات – لا لأعاتبكم، بل لأذكّركم بأن النساء في هذا البلد لم يطلبن منّة، ولم ينتظرن إذنًا كي يبرعن… بل أثبتن في الميدان، وفي البحث، وفي التشريع، أن الكفاءة لا تُختزل في جنس، ولا تُقاس بصوت مرتفع.
فلنعِد ترتيب الحوار: ليس بين “لائحة النساء” و”لائحة الكفاءات”، بل بين مستقبل يُنصف نصف المجتمع، وماضٍ يُعيده إلى خانة التجميل السياسي.
ما يُحزن في الجدل الدائر حاليًا حول مراجعة نمط تمثيلية النساء، ليس هو جدواها، ولا هو السؤال العريض :هل الثلث جيد أم الإبقاء على واقع الحال؟ … بل الذي أثار غضبنا حقا، ودفعنا لهذا الموقف الترافعي هو هذا الخطاب المتعالي الذي يشكك في كفاءة النساء وكأنهنّ عبءٌ على الحياة السياسية، وكأن تواجدهن في البرلمان مجرد تزكية رمزية لا تُقنع.
والحقيقة أن المرأة المغربية – حين أُتيحت لها الفرصة – لم تكتفِ بإثبات وجودها، بل أثرت المشهد السياسي بجرأة ونقاش ومبادرة. ويكفي أن ننظر إلى الفريق النيابي الحالي لحزب العدالة والتنمية – الذي يضم تسع نساء وأربعة رجال فقط – لنجده الأكثر تماسُكًا، والأقوى مرافعة، والأصلب حضورًا، رغم ظروف الحصار والتضييق.
وبالجُملة، لسنا نعدم الادلة والأمثلة الكثيرة على صدق القول، فالنساء اللواتي برزن في ساحة السياسة،و جعلن صوت المرأة حاضرًا بقوة في صنع القرار الوطني والمناصب التنفيذية، وأثبتن أن الحضور النسائي فاعل وأساسي في العمل السياسي المغربي….
إذ هناك خناتة بنونة رائدة الأدب المغربي وأول روائية وطنية، التي لعبت دورًا هامًا في دعم الهوية الوطنية منذ الستينيات، وتخطت حدود الإبداع لتكون صوتًا سياسيًا واجتماعيًا بارزًا.
وهناك مليكة العاصمي الشاعرة والسياسية التي تنتمي إلى جيل السبعينيات، والتي جمعت بين النضال الأدبي والعمل السياسي، وظلت من الأصوات الحرة التي أثرت المشهد الوطني.
وهناك بسيمة الحقاوي الوزيرة والفاعلة السياسية، التي قادت مشروع قانون مهم لمناهضة العنف ضد النساء، وظلت من أبرز المدافعات عن الحقوق الاجتماعية والكرامة الإنسانية.
دون أن ننسى خديجة الزومي السياسية والنقابية البارزة، التي مثلت خطابًا نسائيًا متزنًا داخل المشهد السياسي منذ مطلع الألفية، ودفعت قضايا المرأة بقوة في المؤسسات النقابية.
إلى جانب هؤلاء، تتجلى كفاءات علمية وفكرية وأخلاقية رفعت اسم المغرب عاليًا، إضافة إلى مواقف شجاعة في ميادين البحث والعلوم والدفاع عن القضايا الوطنية والإنسانية، من قبيل :
_رحمة بورقية أكاديمية ومفكرة، شغلت منصب رئيسة جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، وطرحت إصلاحات مهمة في التعليم العالي لتعزيز الجودة والابتكار.
-خديجة مفيد مفكرة وأكاديمية، أسهمت في تطور الفكر السياسي الإسلامي بالمغرب، وقدمت رؤى جديدة تسعى لتجديد الخطاب الديني والاجتماعي.
-كوثر بنحمو خبيرة في الدراسات الاستراتيجية والعلاقات الدولية، دافعت عن صورة المغرب في المحافل الدولية وألقت محاضرات في جامعات مرموقة.
-نزيهة معاريج عالمة وعضو المجلس العلمي، تمثل الفكر المعتدل والمنفتح، وتلعب دورًا بارزًا في الحوار الديني والمجتمعي.
-نادية أبركان باحثة متخصصة في الذكاء الاصطناعي، شاركت في تطوير تطبيقات مبتكرة في مجالات الطب والبيئة، مؤكدة قدرة المرأة المغربية في العلوم الدقيقة.
-ابتهال أبو السعد الشابة المغربية التي اتخذت موقفًا أخلاقيًا شجاعًا، فطُردت من شركة عالمية بسبب رفضها التواطؤ مع دعم العدوان على غزة، ما يعكس الكفاءة الأخلاقية والإنسانية.
وغير هؤلاء الكثيرات والكثيرات من بنات هذا الوطن، اللواتي سطرن أسماءهن بفخر وإبداع في مختلف ميادين الكفاءة والالتزام الوطني.
وقد اكتفينا ببعض هذه الأسماء بل” الذرر” البراقة من باب الاختصار فقط ، إذ يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق لتدلّ على قيمتها وثقلها.
من هذا المنطلق، حق لنا ان نتساءل مرغمين: هل المشكلة حقا في قلة الكفاءات النسائية؟!
وبالتبع، اليس التراجع عن اللائحة النسائية او التفاوض المبالغ فيه حول الرفع منها، هو تضييق على الأفق الوطني نفسه؟
أسماء الذرر أعلاه، هن القدوات التي بها نرفع رأسنا، وبها نُقاوم معالم التبخيس في هذا الوطن، فلا تجهضوا الحلم… ولا تسرقوا من بنات هذا الوطن حقهن في تمثيله.
أيا أمناء الأحزاب، و يا من بأيديهم صناعة المشهد السياسي في الوطن:
مناضلاتكم الحقيقيات (لا اللواتي ساقتهن القرابة العائلية و ما عداها من الطرق الملتوية التي تلوي عنق السياسة وترمي به في قاذورة الفساد) ، لا تطلبن صدقة سياسية، ولا تتحدثن بلغة الصراع… بل تطرقن الباب بلغة الشراكة، وبإيمان عميق أن التغيير لا يكون من طرف واحد….
فهلا منحتهن الثقة… كما منحتهن أرض هذا الوطن القدرة على الصمود والعطاء.
لا تُقصوا الكفاءات باسم “إصلاح” لا يُصلح سوى سلطة الإقصاء.
لا تجعلوا تمثيلية النساء مجرد بند يُشطب عليه في اللحظة الأخيرة.
وبالجُملة، إننا لا نكتب هذه الكلمات من موقع الانفعال، بل من عمق المعاناة والامل
اي نعم تعبت نساء هذا الوطن من الصبر على شعارات الإنصاف الموسمية … لكننا مع ذلك، لم نفقد البوصلة، ولم نتخلّ عن الإيمان بأن الوطن يسع الجميع.
فكيف نُكرم وطناً لا يُكرم نساءه وكفاءاته؟
وعليه، كفى اختزالًا… لسنا زينة للوائح، ولسنا كمالة عدد… نحن نصف المجتمع الذي آن له أن يُنصف.
أمااسترجاع الثقة في السياسة ومصالحة الشعب معها، فهي مسؤوليتنا جميعًا – كلٌّ من موقعه – وعليه، إن خطاب الملك الأخير كان نورًا في عتمة التردّد، فهل نحسن الإصغاء لهذا النور؟ أم سنطفئه مرةً أخرى بأيدينا؟
الوطن ينتظر الجواب… فلا تدعوه ينتظر طويلًا.





