عبد القادر الفرساوي
في زمن صارت فيه الشعوب الأوروبية تبحث عن “الهوية” تحت أسرّة التاريخ، طفت على السطح موضة جديدة: اليمين المتطرف. ليست موضة في اللباس أو الموسيقى، بل موضة سياسية، تتكرر كعدوى موسمية، تنقلها خيبات الأمل والكساد العاطفي والاقتصادي. من فرنسا إلى إيطاليا، ومن النمسا إلى إسبانيا، تصعد وجوهٌ مكفهرة، تلوّح بالأعلام أكثر مما تقرأ الدساتير، وتصرخ في وجوه الناس بعبارات من قبيل: “فلنستعد بلدنا!”… وكأن الوطن ضاع في حقيبة مهاجر.
في إسبانيا، حملت هذه الموجة اسما غريبا بعض الشيء: “VOX”. حزب يميني متطرف، حديث النشأة، قديم في نبرته، ينهل من قواميس الخوف والتفوق العرقي، ويتغذى على فكرة أن “الآخر” هو أصل كل الشرور، سواء كان هذا الآخر مغربيا، مسلما، إفريقيا، أو حتى يضحك بصوت عال في الحديقة العامة.
زعيم هذا الحزب، سانتياغو أباسكال، لا يخفي شغفه بإسبانيا “النقية”، تلك التي لا نعرفها إلا في كتب الخيال، ويبدو كمن يحاول رسم وطن بممحاة. لا يحب أن يرى الحجاب في المدارس، ولا المآذن في الأفق، ولا الشاي بالنعناع في المقاهي. يؤمن أن الإسبانية لغة مقدسة لا يجوز أن يجاورها الدارجة المغربية، أو لهجة الأمازيغ، أو نبرة الهنود الذين يقضون ليلهم في المطابخ وظهرهم منحنٍ فوق الصحون.
لكن الغريب – والمضحك في آن – أن VOX يصرخ من فوق المنابر بينما الإسبان يأكلون ما طبخه المهاجرون، ويقيمون في عمارات بنيت بأيدي المهاجرين، ويستفيدون من ضرائبهم دون أن يسألوهم كيف تأتّت لهم تلك “النعمة”. من الذي كان يكنس الشوارع حين نامت الدولة؟ من الذي وقف في الحقول تحت شمس يوليوز و غشت؟ من الذي يقبل العمل في المذابح والمجازر والأسواق الرطبة حيث يتقزز أبناء الإسبان المدللون من الرائحة؟ من الذي يعتني بالمسنين في دور الرعاية حين يغيب الأبناء الأصليون في عطلاتهم؟ المغاربة، والإكوادوريون، والأفارقة، وسائر “الآخرين” الذين يريد VOX محوهم من الصورة.
في مدينة صغيرة تدعى “خوميّا”، خرج هذا الحزب مؤخرا في استعراض جديد، يقترح فيه منع مظاهر الاحتفال بعيد الأضحى بحجة أنه “لا ينتمي إلى الثقافة الإسبانية”. كأن إسبانيا لوحة بيضاء لم يكتب فيها أحد غير القشتاليين، وكأن الأندلس لم تكن، وقرطبة لم تلمع يوما، وطليطلة لم تهمس بلغات ثلاث.
في تناقض مثير للسخرية، لم نجدهم يعترضون على “الهالوين” ولا على “سان فالنتين”، ولا على سيل الاحتفالات المستوردة من الغرب الأمريكي… بل فقط عندما يتعلّق الأمر بالإسلام والعرب والمغاربة، تُفتح العيون وتشهر الأقلام، وتعلو صيحات “الهوية المهددة”.
حتى الكنيسة الكاثوليكية – وهي ليست بالضبط معقلا للتعدد الثقافي – خرجت لتقول: “هذا تمييز لا يليق بمجتمع ديمقراطي”. حتى الأساقفة أصابهم الحرج من خطاب VOX! حتى الذين لبسوا السواد لعقود، استنكروا هذا البياض السام.
فالمشكلة ليست في اختلاف العيد، بل في توحيد العقول. المشكلة ليست في الخوف من الآخر، بل في تحويل هذا الخوف إلى منصة انتخابية، إلى مشروع سياسي يباع في الأسواق ويشترى بالأصوات.
فوكس لا يقرأ التاريخ، ولو قرأه لاكتشف أن إسبانيا التي يدعي حمايتها من “الغرباء” هي نفسها التي خرج منها الأندلس، وهي التي أرسلت ذات يوم ملايين المهاجرين إلى ألمانيا وفرنسا، هربا من الجوع والبطالة. لكن الذاكرة عند فوكس قصيرة، أو انتقائية، أو ربما مجروحة بسوء النية.
إنه خطاب لا يخاطب العقل، بل يلاعب الغرائز. لا يدعو إلى البناء، بل يحرض على الهدم. لكنه – ولحسن الحظ – لا يغير شيئا من الحقيقة: أن المهاجرين، والمغاربة خاصة، هم من رفعوا الاقتصاد الإسباني على أكتافهم حين أعرض عنه كثير من أبنائه، وهم من طهوا وغسلوا، وبنوا، ورعوا، دون أن يطلبوا وساما أو مديحا… فقط قليلا من الاحترام.
فهل هذا كثير؟





