تصريحات ترامب بشأن حرب غزة: تحوّل في النبرة أم اعتراف بتراجع النفوذ الإسرائيلي؟

 

 

 

عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا

 

 

في مقابلة مثيرة للجدل مع موقع “دايلي كولر” الأميركي، أدلى الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بتصريحات غير مسبوقة بشأن الحرب الجارية في قطاع غزة، متحدثًا عن الأضرار التي تلحق بإسرائيل على المستويين السياسي والدبلوماسي، ومشيرًا إلى تراجع نفوذها داخل دوائر صنع القرار في واشنطن.

 ترامب: إسرائيل تخسر في العلاقات العامة رغم المكاسب العسكرية

في حديثه، قال ترامب صراحة:

“سيُضطرون إلى إنهاء هذه الحرب، ولا شك أنها تضر بإسرائيل.”

ورغم إقراره بأن إسرائيل قد تحقق أهدافًا ميدانية، إلا أنه أكد أن هذه الحرب تُضعف موقفها في الساحة الدولية، موضحًا:

“إسرائيل قد تربح الحرب، لكنها لا تكسب نفوذًا في عالم العلاقات العامة، وهذا يضر بها.”

هذا التصريح يعكس وعيًا متزايدًا في أوساط النخبة السياسية الأميركية بأن الآلة العسكرية وحدها لم تعد قادرة على حماية صورة إسرائيل دوليًا، في ظل التغطية الإعلامية الواسعة للدمار الهائل في غزة، ومعاناة المدنيين، وجرائم الحرب الموثقة.

واحدة من أكثر النقاط إثارة في مقابلة ترامب كانت قوله:

“إسرائيل كانت أقوى جماعة ضغط رأيتها قبل 15 عامًا، وكانت تسيطر بالكامل على الكونغرس، لكنها فقدت ذلك اليوم.”

هذا التصريح يحمل دلالات خطيرة، إذ يتحدث عن تراجع في فعالية اللوبي الإسرائيلي، وعلى رأسه منظمة “أيباك” (AIPAC)، الذي كان يوصف تاريخيًا بأنه أقوى لوبي خارجي في الولايات المتحدة.
ويعكس كلام ترامب شعورًا بأن الدعم المطلق لإسرائيل لم يعد مضمونًا كما في السابق، خاصة مع تصاعد التيارات الشبابية واليسارية في الحزب الديمقراطي التي تُظهر تعاطفًا متزايدًا مع القضية الفلسطينية.

تأتي تصريحات ترامب في وقت تُواجه فيه إسرائيل أكبر موجة انتقادات دولية منذ عقود، على خلفية عدوانها المستمر على قطاع غزة، منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والذي خلّف حتى اليوم:

أكثر من 203,000 شهيد وجريح، غالبيتهم من النساء والأطفال.

أكثر من 9,000 مفقود، لا يزالون تحت الأنقاض.

كارثة إنسانية تهدد حياة مئات الآلاف بسبب الحصار، وانهيار القطاع الصحي، وانتشار المجاعة.

تهجير قسري لمئات الآلاف من السكان.

هذه الحقائق الموثقة من قبل منظمات أممية وحقوقية، جعلت إسرائيل تفقد ما تبقى من رصيدها الأخلاقي أمام المجتمع الدولي، وهو ما أشار إليه ترامب حين تحدّث عن فشلها في “عالم العلاقات العامة”.

ورغم انتقاده الصريح للحرب وتداعياتها، لم يتردد ترامب في تذكير الجمهور الأميركي بما يعتبره إنجازاته لإسرائيل خلال فترة رئاسته، حيث قال:

“لا أحد قدّم لإسرائيل أكثر مما قدمته أنا.”

وأشار إلى دعمه السياسي والعسكري لها، بما في ذلك المشاركة في ضرب مواقع نووية إيرانية (وهو تصريح غير مؤكد من أي جهة رسمية)، بالإضافة إلى قراراته التاريخية مثل:

نقل السفارة الأميركية إلى القدس.

الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.

الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل.

دعم مشاريع التطبيع مع دول عربية.

هذا التناقض بين دعمه السابق وانتقاده الحالي يُفسّر على الأرجح ضمن حسابات سياسية داخلية أميركية، إذ يسعى ترامب إلى إعادة التموضع أمام جمهور انتخابي بات أكثر حساسية تجاه القضايا الإنسانية، خصوصًا بعد انتشار مشاهد المجازر في غزة.

تصريحات ترامب ليست معزولة. فهي تأتي ضمن موجة أوسع من التململ داخل المجتمع الأميركي من سياسة الدعم غير المشروط لإسرائيل.
ويُلاحظ في السنوات الأخيرة:

تنامي الأصوات المعارضة للحرب في أوساط الجامعات، والمؤسسات الإعلامية، والنقابات.

انقسام الرأي العام الأميركي، خاصة بين الأجيال الشابة.

ضغوط شعبية وسياسية متزايدة على الكونغرس لوقف تمويل الحرب.

كل ذلك يُشير إلى أن الغطاء السياسي الأميركي لإسرائيل لم يعد كما كان، وأن هناك تغيّرًا تدريجيًا في المزاج العام، قد يُفضي إلى إعادة النظر في العلاقة “المقدسة” التي جمعت بين واشنطن وتل أبيب لعقود.

تصريحات دونالد ترامب، التي جمعت بين النقد الحاد والتفاخر السياسي، تُعبّر عن تحوّل ملموس في الخطاب الأميركي تجاه إسرائيل، وعن إدراك داخلي بأن الحرب على غزة أصبحت عبئًا على صورة إسرائيل، وتهديدًا لمصالح الولايات المتحدة ذاتها.

وبينما تستمر آلة الحرب الإسرائيلية في استنزاف غزة، يبدو أن الزمن السياسي والدولي يعمل ضد تل أبيب، وأن مرحلة جديدة من المساءلة الدولية – وربما العزلة – قد بدأت بالفعل، هذه المرة من داخل الحليف الأكبر نفسه.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...