من إيطاليا… كلمة حق في زمن التفاهة و البهتان:دعوة لوقف العبث الإعلامي وصون كرامة الإنسان بالمغرب
عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا
في زمن تتزاحم فيه الأصوات، وتضيع فيه الحقائق بين عناوين مدفوعة وحسابات تنشر الوهم، تابعت ببالغ الأسى والدهشة ما تعرضت له الشابة المغربية غيثة عصفور من تشهير، وتهجم، واتهامات أخلاقية خطيرة، دون انتظار كلمة الفصل من العدالة، ودون احترام لقرينة البراءة التي يفترض أن تكون قاعدة في أي مجتمع يدّعي احترام القانون والكرامة الإنسانية.
كإعلامي مقيم في إيطاليا، أتابع الشأن المغربي عن كثب، وأشعر بالفخر كلما برز اسم مغربي يحقق النجاح أو يرفع راية البلد في أي محفل. لكن في المقابل، يؤسفني أن أرى بعض “المنابر الإعلامية الاسترزاقية” وقد تحوّلت إلى أدوات للتحقير، والفضح، واستباحة الأعراض، في سعيها المحموم وراء “الترند”، والمشاهدات، والربح السهل على حساب الأخلاق والضمير.
القضية التي شغلت الرأي العام المغربي مؤخراً، والمتعلقة بتوقيف الشابة غيثة عصفور على خلفية اتهامات الخيانة الزوجية والفساد، انتهت بقرار حفظ الملف من طرف النيابة العامة، بعد أن تبين انعدام الأدلّة القانونية الكافية لمتابعتها.
لكن الغريب في كل هذا، أن الرأي العام قد أصدر حكمه مسبقًا، وأن بعض الصفحات والمنصات الإعلامية لم تتردد في إلصاق صفة “الخائنة” بها، بل واستباحت خصوصيتها، وصنعتها مادة للضحك، والتنقيص، والفضيحة!
أي مجتمع هذا الذي يقتل الإنسان قبل أن يُحاكمه؟
وأي إعلام هذا الذي ينسف أبسط أخلاقيات المهنة ليُتاجر بسمعة شابة لم تُثبت إدانتها بأي ذنب؟
أكتب كلماتي هذه، ليس دفاعًا عن شخص بعينه، بل دفاعًا عن كرامة الإنسان المغربي، وعن ما تبقى من الأخلاق والضمير في الفضاء العام.
لا يمكن أن يستمر هذا الانهيار القيمي، حيث يتحول المواطنون إلى قضاة وجلادين في “فايسبوك” و”تيك توك”، بينما تتوارى العدالة الحقيقية في ظلال التشهير الجماعي.
ما حدث مع غيثة عصفور، قد يحدث غدًا مع أي شابة مغربية طموحة، مستقلة، أو حتى ناجحة.
ولا يجب أن نسمح بأن يتحوّل مجتمعنا إلى آلة سحق أخلاقي، يتغذى على الإشاعات، ويدين الأبرياء، ويُهين النساء كلما ظهرن في المجال العام.
ما يُؤلم أكثر هو أن بعض “المواقع” و”المنابر” التي تُحسب على الصحافة، لم تجد حرجًا في تشويه سمعة الشابة، ونشر صورها دون موافقتها، واختلاق روايات لا تستند إلى أي مصادر موثوقة.
هذه المنابر، بدل أن تقوم بدورها التوعوي والتحليلي، باتت تمارس نوعًا من الإعدام الرمزي بحق الأفراد، وتغذي فكر الكراهية، وتُرسخ ثقافة الانحطاط، في خيانة واضحة لأخلاقيات المهنة الصحفية.
أقول لهؤلاء:
أنتم لا تمثلون الصحافة، بل تمثلون التفاهة المقنعة في ثوب إعلام.
أنتم خطر على وعي الناس، وتهديد للمجتمع المغربي المحافظ، الذي لا يُقبل أن تُداس فيه كرامة الإنسان بهذه الخفة.
غيثة ليست وحدها.
وما حدث معها هو جرس إنذار لنا جميعًا:
لنحمي كرامة نسائنا، لنحترم القانون، ولنتذكّر أن الفضيحة الحقيقية ليست في ما نزعمه عن الآخرين، بل في تخلي المجتمع عن أخلاقه حين ينهار تحت سلطة الإشاعة.
اليوم، وبعد أن برّأت العدالة الشابة غيثة عصفور، يجب أن نطرح سؤالاً صريحًا:
من سيُحاسب الذين خاضوا في عرضها؟
من سيعتذر لها؟ ومن سيُعوّضها عن الضرر المعنوي والاجتماعي والنفسي؟
هذا النداء موجه للرأي العام، للإعلاميين، ولصناع القرار:
كفى تشهيرًا… كفى استسهالاً لدم الناس وشرفهم وعرضهم.
ولنتذكّر جميعًا أن الله عدلٌ ولن يفلت مجرم من عقابه وأن التاريخ لا ينسى .





