ناصر الزفزافي يودّع والده دون قيود: رسالة مصالحة من الدولة؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا

 

 

 

في مشهد إنساني مؤثر واستثنائي، سُمح للمعتقل ناصر الزفزافي، قائد حراك الريف، بحضور جنازة والده الراحل أحمد الزفزافي، أحد أبرز الأصوات المدافعة عن أبناء الحراك، وذلك دون أصفاد أو إجراءات أمنية مشددة. لحظة لم تمر مرور الكرام، إذ حملت بين طياتها معاني رمزية كبيرة، وفتحت باب الأمل في إمكانية طي صفحة واحدة من أكثر الملفات حساسية في المغرب الحديث.

وصول ناصر الزفزافي إلى بيت عائلته في أجدير بحرية وكرامة، لوداع والده الراحل، لم يكن مجرد التفاتة إنسانية عابرة، بل رسالة عميقة الدلالة. فغياب القيود الحديدية والحضور الأمني المكثف عن هذا المشهد، يعكس توجهاً مختلفاً، فيه قدر من الثقة والاحترام، وفيه أيضاً مؤشرات على إرادة رسمية لإعادة النظر في طريقة تدبير هذا الملف الشائك، الذي ترك بصماته ليس فقط على منطقة الريف، بل على الوعي الجمعي الوطني.

لقد شكّل هذا المشهد لحظة صدق نادرة بين الدولة وأبناء الريف، لحظة تلامس فيها القانون مع الإنسانية، والعقل المؤسساتي مع الحس الشعبي. وهي لحظة، رغم بساطتها، إلا أنها تُحسب للدولة المغربية التي اختارت أن تنتصر للقيم الأخلاقية في لحظة حزن إنساني خالص، بعيدًا عن منطق الصراع والمواجهة.

إن تمكين ناصر الزفزافي من توديع والده بهذه الطريقة، خطوة ذات بعد إنساني رفيع، لكنها أيضًا إشارة سياسية بليغة. فالكثير من المتابعين اعتبروها بارقة أمل في إمكانية طي ملف معتقلي حراك الريف نهائيًا، عبر مداخل الحوار والمصالحة، لا منطق الغلبة أو الإقصاء.

المغاربة، داخل الوطن وخارجه، تابعوا هذه اللحظة بتأثر كبير. ومثلما شكر كثيرون السلطات المغربية على هذا الاستثناء الإنساني، فإنهم يأملون أن تتحول هذه المبادرة الرمزية إلى قرار شامل، يقود إلى إطلاق سراح باقي معتقلي الحراك، في إطار تسوية وطنية تعيد اللحمة بين الدولة والمجتمع، وتعزز الثقة في مستقبل ديمقراطي مشترك.

اليوم، لا أحد يربح من استمرار هذا الملف مفتوحًا. وطيه لن يكون هزيمة لأحد، بل انتصار للجميع. انتصار للحكمة، وللوطن، ولمفهوم العدالة المتصالحة مع ذاتها ومع مواطنيها.

رحم الله أحمد الزفزافي، الصوت الذي لم يكل عن المطالبة بالكرامة لأبناء منطقته، وترك رحيله لحظة حقيقية للمراجعة.
فهل تتحول هذه اللفتة النبيلة إلى بداية جديدة؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...