عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا
شهدت مدينة كاتانيا، جنوب إيطاليا، حدثًا لافتًا في المشهد المدني الأوروبي، حيث تدفّق آلاف المواطنين إلى شوارعها ومينائها، استجابة لنداء إنساني يتجاوز الجغرافيا والسياسة، ويعيد إحياء مفهوم التضامن الشعبي الحقيقي. في مشهد اختلط فيه الوعي التاريخي بالحس الإنساني، تجمّع أكثر من 15 ألف متظاهر دعماً لأسطول الصمود العالمي، الذي يواصل إبحاره نحو قطاع غزة المحاصر.
هذا الحراك الجماهيري، الذي تميّز بسلميته وتنظيمه، ليس مجرد تظاهرة موسمية أو حدث عابر، بل يعكس تحوّلاً تدريجيًا في الوعي الجماعي الأوروبي، وخصوصًا الإيطالي، تجاه ما يجري في فلسطين. في وقت يبدو فيه الخطاب الرسمي متردّدًا، وربما عاجزًا، تتقدّم المجتمعات المدنية خطوة إلى الأمام، معلنة رفضها لواقع الاحتلال والحصار، ومؤكدة أن التضامن لم يعد شعارًا، بل أصبح فعلًا ملموسًا يُترجم على الأرض.
الحدث الذي شهدته كاتانيا ليس منعزلاً عن سياق أوسع. فمن ميناء برشلونة إلى ميناء جنوة، انطلقت قوافل بحرية نحو أسطول الصمود، الذي يضم سفنًا مدنية من أكثر من عشرين دولة، حاملة على متنها نشطاء، أطباء، مثقفين، ومواطنين عاديين يؤمنون بحق الفلسطينيين في الحياة والكرامة والحرية.
الرسالة واضحة: الحصار لا يمكن أن يتحول إلى أمر طبيعي، والصمت الدولي لا يجب أن يكون غطاءً للمأساة المتواصلة في غزة. وما لم تستطع حكومات العالم القيام به طوال سنوات، يحاول هذا الأسطول أن يحققه على طريقته: كسر الحصار الرمزي والفعلي، وكشف زيف التوازنات التي تُبقي غزة تحت الخنق السياسي والاقتصادي والإنساني.
ما يميّز حراك كاتانيا ليس فقط عدد المشاركين الكبير، بل نوعية الرسائل التي حملها. الأعلام الفلسطينية، الشعارات المناهضة للإبادة، واللوحات التي كُتب عليها “من النهر إلى البحر، فلسطين حرة”، لم تكن مجرد أدوات احتجاج، بل إعلان عن انخراط شعبي عميق في قضية لم تعد تخص الفلسطينيين وحدهم، بل كل من يؤمن بالعدالة وحقوق الإنسان.
كما أن ختام المظاهرة بعرض عبارة “غزة، نحن قادمون” على شاشة ضخمة في ساحة عامة، يحمل في طيّاته دلالات رمزية قوية، تُظهر أن هذا الحراك ليس ردّ فعل عاطفيًا، بل فعلًا سياسيًا وإنسانيًا له أهدافه الواضحة ورسائله الدقيقة.
لقد أثبتت هذه التظاهرة، وما سبقها من فعاليات في جنوة وبرشلونة ومدن أخرى، أن هناك صحوة أوروبية حقيقية، تقودها مجتمعات مدنية بدأت تدرك أن دورها لا يقل أهمية عن دور المؤسسات الرسمية. فعندما تتقاعس الحكومات عن اتخاذ مواقف واضحة ضد الاحتلال والعنف، تتكفّل الشعوب بإعادة تصويب البوصلة الأخلاقية.
وإيطاليا، التي عُرفت لعقود بدورها في الدفاع عن القضايا العادلة، تجد نفسها اليوم أمام لحظة استثنائية، يمكن أن تعيدها إلى موقعها الطبيعي في قيادة المواقف الداعمة للسلام والعدالة، لا سيما وأن الحراك الشعبي بدأ يفرض نفسه كعامل ضغط مؤثر في الرأي العام.
أسطول الصمود ليس مجرد سفن تُبحر نحو غزة، بل هو ضمير جماعي يُبحر نحو المستقبل، حاملاً في طيّاته أسئلة كبرى عن معنى العدالة، وحدود الصمت، ومصير القيم الإنسانية في عالم يزداد تقهقرًا أمام منطق القوة.
والمظاهرات التي واكبته، من كاتانيا إلى العواصم الأوروبية، هي بمثابة شهادة حيّة على أن الشعوب، حين تتحرّك، قادرة على فتح مسارات جديدة لا تستطيع السياسة الرسمية أن تبلغها. وما يجري الآن في المتوسط، ليس مجرد حملة بحرية، بل إعلان عن ولادة نمط جديد من المقاومة المدنية العابرة للحدود، التي تستمد قوتها من إيمانها العميق بقضية إنسانية عادلة.
بين غزة وكاتانيا، تتقاطع اليوم أصوات الأمل بالغضب، ويعلو صوت الضمير فوق ضجيج التواطؤ. وربما لا يصل الأسطول إلى شواطئ غزة، لكنه وصل حتمًا إلى قلوب الملايين، ليعيد التذكير بأن الحرية لا تُقاس بعدد الأميال البحرية، بل بعدد من يرفضون التنازل عنها، ولو بالصوت، ولو بالفعل الرمزي.





