عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا
تعيش إسبانيا في الآونة الأخيرة على وقع تصاعد غير مسبوق في عدد المهاجرين القاصرين غير المصحوبين بذويهم، ممن وصلوا إلى أراضيها في عام 2024 عبر طرق البحر والمخاطر. ارتفاع الأرقام خلال هذا العام، مقارنة بالسنوات السابقة، لا يعكس فقط حجم الظاهرة، بل يكشف هشاشة السياسات الأوروبية في التعامل مع ملف الهجرة القاصر، والتحديات المتنامية لحماية الطفولة العابرة للحدود.
أكثر من خمسة آلاف وتسعمائة قاصر وصلوا إلى السواحل الإسبانية هذا العام دون مرافقة، معظمهم ينتمون إلى دول المغرب ومالي والجزائر. ومن اللافت أن عدد الفتيات من بين هؤلاء تضاعف بشكل كبير، ما يطرح تساؤلات خطيرة حول شبكات التهريب، والتهديدات التي تطال الفئات الأضعف من المهاجرين.
هذا الواقع يفرض على الحكومة الإسبانية، كما على نظيراتها الأوروبية، ضرورة التفكير في مقاربة أكثر إنسانية وأقل أمنية لملف الهجرة القاصر. إذ لا يمكن اختزال الظاهرة في أرقام وإحصائيات فقط، بل يجب النظر إليها كمرآة تعكس عمق الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في بلدان المصدر.
بعيدًا عن لغة الأرقام، فإن المعضلة الحقيقية تكمن في غياب رؤية شاملة تضمن لهؤلاء الأطفال حماية فعلية، سواء في مراكز الإيواء التي تعاني من الاكتظاظ وقلة الكفاءات، أو في مسارات الإدماج التي ما تزال، في كثير من الأحيان، سطحية وعاجزة عن الاستجابة لاحتياجاتهم الحقيقية.
الأمر لا يتعلق فقط بمسؤولية الدول التي يفر منها هؤلاء القُصّر، بل هو مسؤولية جماعية أوروبية وأخلاقية. فالهجرة القاصر ليست خيارًا، بل غالبًا ما تكون آخر فرصة يراها الطفل للهروب من واقع مأزوم. حين يفقد الطفل وطنه، بيته، أو عائلته، يصبح البحر ملاذًا، رغم خطورته.
التقارير الأخيرة أظهرت أيضًا أن عددًا كبيرًا من القاصرين غادروا مراكز الاستقبال قبل انتهاء الإجراءات القانونية المتعلقة بتحديد أعمارهم أو وضعيتهم القانونية، ما يعزز المخاوف من وقوعهم في براثن الاستغلال أو التشرد.
إن القاصرين غير المصحوبين ليسوا فقط ضحايا الهجرة، بل هم ضحايا ضعف السياسات، وعجز المنظومة الدولية عن توفير بدائل آمنة. هؤلاء الأطفال لا يحتاجون فقط إلى الإيواء والطعام، بل إلى بيئة توفر لهم الأمان والكرامة والأمل.
اليوم، يتطلب الوضع في إسبانيا – كما في غيرها من دول الاستقبال – تجاوز المقاربات التقنية إلى استراتيجيات حقيقية للتعاون مع بلدان الأصل، وتفعيل قنوات هجرة قانونية تحمي الأطفال من السقوط في الهشاشة.
فإذا كانت أوروبا تدافع عن حقوق الإنسان، فإن اختبارها الأبرز اليوم هو في كيفية التعامل مع هؤلاء القاصرين، ليس كأرقام عابرة في تقارير الهجرة، بل كبشرٍ يستحقون فرصة ثانية للحياة.





