سوريا.. قراءة في فشل إدارة الجولاني ومسارات التفكك الوطني.

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

الدكتور حسن مرهج خبير الشؤون السورية والشرق أوسطية.

 

 

 

الحالة السورية الحالية تمثل أحد أعقد التجارب السياسية والأمنية في منطقة الشرق الأوسط، حيث تتشابك فيها الأبعاد المحلية والإقليمية والدولية في سياق تحولات بالغة التعقيد. التدهور الحاد الذي شهدته سوريا في السنوات الأخيرة لا يمكن فصله عن السياسات التي انتهجتها الفصائل المسلحة، وبالأخص إدارة الجولاني، التي أدت إلى اشتداد الفوضى وتفاقم الانقسامات والنزاعات.

تتسم الحالة السورية اليوم بحالة من الانهيار شبه الكامل لمؤسسات الدولة المركزية، وربما يمكن وصف الموقف بـ”الدولة الهشة” أو “الدولة المنقسمة”. هذا الانهيار لا يشير فقط إلى غياب سلطة مركزية فاعلة، بل يعكس تمزق النسيج الاجتماعي والسياسي داخل البلاد، حيث برزت عدة كيانات متناحرة تتنافس على السيطرة والنفوذ.

إدارة الجولاني، كقوة مسلحة رئيسية، تبنت خلال السنوات الماضية نهجًا عسكريًا وسياسيًا أدى إلى تعميق الانقسامات وتحويل مناطق وسيطة إلى ساحات صراع مفتوحة. سياسات هذه الإدارة اتسمت بالاستبداد الداخلي، وقمع الأصوات المعارضة، وفرض أجندة ضيقة، ما أسهم في فقدانها الدعم الشعبي ورسوخ حالة الاستقطاب داخل المناطق الواقعة تحت نفوذها.

سياسياً، برزت أزمة قيادة داخل الأطر التي يتحكم بها الجولاني، حيث السلطة مركزة في يد قلة ضيقة لا تقبل بالأفكار البديلة أو الشراكة السياسية. هذا أدى إلى استنزاف التماسك الداخلي للفصيل، وتحولاته إلى كيانات شبه مستقلة داخل نفس التنظيم، ما فجر حالة من الصراعات الداخلية وأضعف القدرة على إدارة الملف السياسي بشكل فعال.

الافتقار إلى شرعية محلية وشعبية، بالإضافة إلى اعتماد الإدارة على الدعم الخارجي، وضعها في موقع هش ومعرضة لضغوط متزايدة من الفاعلين الإقليميين والدوليين الذين يرون في هذا الوضع فرصة لتحقيق مكاسب جيوسياسية خاصة بهم، ما زاد من تعقيد الأزمة.

أمنياً، ساهمت سياسات القمع والتغول العسكري في تفشي الفوضى والعنف العشوائي، إذ لم تعد حالة اللا استقرار مجرد نتائج جانبية للنزاع، بل صارت جزءًا من منطق العمل السياسي للنظام والجماعات المسلحة. انعدام الأمن المؤسسي وتفشي الفصائل المسلحة أديا إلى سقوط الأراضي في دوامة من الانفلات الأمني، الذي أثر على حياة المدنيين، وأدى إلى هجرة واسعة وتدمير البنى التحتية.

كما أدى انقسام الفصائل وتنافسها على النفوذ إلى مظاهر انعدام قانون تُقوّض أي فرص لحل سياسي شامل أو توافق وطني، في ظل ما يمكن تسميته بـ”حروب الفصائل” التي تضعف كل الجهود الداعية لاستقرار البلاد.

يمكن قراءة المشهد السوري من خلال عدسة فشل الدولة في تحقيق مشروعها الوطني الجامع، حيث تشتت السلطة والسيطرة، وتصاعد النزاعات الأيديولوجية والمذهبية، وإدخال التدخلات الإقليمية والدولية التي عملت على تعميق الأزمات لا معالجتها.

الحالة السورية اليوم هي تجسيد لفشل المؤسسات في تحقيق الحكم الرشيد، والخطاب السياسي ضعيف في القدرة على التقريب بين مختلف المكونات الاجتماعية، وهو ما أنتج فراغاً سلطوياً داخل المجتمع. الصدمة السورية ليست فقط عنيفة من الناحية العسكرية والأمنية، بل أكثر تعقيداً على المستوى الاجتماعي والسياسي، حيث فقدت الدولة أدوات التموضع السياسي والسن التكتيكات الفاعلة لبناء المصالحة والاستقرار.

باختصار، سياسات إدارة الجولاني المتمركزة حول فرض سيطرة أمنية ضيقة وأجندات خارجية، عززت حالة الفوضى السياسية والأمنية في سوريا، مما أدى إلى تأجيل أي حلول سياسية حقيقية. المشهد السوري اليوم يتطلب مراجعة شاملة للنهج الذي أُعتمد، يعيد الاعتبار للفعل السياسي البناء والشرعية الشعبية، ويبحث عن آليات توافقية تضم كافة مكونات المجتمع السوري للخروج من المأزق السياسي والأمني المزمن.

إيطاليا تلغراف

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...