المولد النبوي الشريف: السَنُّ الحميد للعِيدِ المجيد

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

بقلم مصطفى بن عبد الرحمن الشنضيض

 

 

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وصحبه أجمعين.

منذ عهد الدولة المرينية الشريفة، أي منذ القرن السابع الهجري، تقبل المغاربة الاحتفال بعيد المولد النبوي الشريف، بقبول حسن، وأنبتوه نباتا حسنا، وكفله الملوك الشرفاء العرفاء تَعاقُبا وَتِبَاعا وتَوَارُثا، فتقام سرديات ميلاده صلى الله عليه وآله وسلم، وشمائله، وسيرته، كابرا عن كابر، وكاثرا عن كاثر، فصار عيدا مجيدا، وعادةً شعبيةً سنوية، تعد من رأس المال اللاماديٍ الذي يتوارثه الأحفاد عن الأجداد من غير نكير، لا من قبيل ولا دبير، بل باستحثاث وترويج وإذاعة وإشاعة وترغيب وتقدير وتشرّف وتبرك.

إلا أنه في العقود الخمسة الأخيرة، بدأت تتراجع روح الطاعة والانقياد، وتهب ريح التمرد والانتقاد، لكل موروث استقر في النفوس من جهة العقول، وتلقته الطباع السليمة بالقبول، وإن كان له أصل في الدين، ومستمد من كليات الشريعة، وتشمله عمومات النصوص، وتقويه الأقيسة الصحيحة.

ومن جملة الأعراف والعادات التي طالتها انتقادات بعض الشباب، ولهجت بها ألسنة بعض الأغراب، مسألة إدخال السرور على الأولاد والأهل احتفالا بِعِيد المولد النبوي، وتذكيرهم بشمائل وسيرة سيد الخلق؛ فأنكروا هذا الاحتفال، وجعلوه من البدع المنكرة، والمعاصي المكررة، والأوقات المُهدَرَة، بدعوى عدم احتفال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأسلافِنَا الصالحين الأوائل بمولده صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه لو كان في الاحتفال خيرٌ لسبقونا إليه، وأنه ليس من الخير الذي علمَّنَاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمـ وغير ذلك من الدعاوى الواسعة، التي يتناقلونها على أنها أدلة قاطعة، وبراهين ساطعة.

الأمر الذي دعاني إلى كشفِ المُعَمَّيَات، وفتْح المقْفلات، وفك المُدْغَمات، لعلّي أبلغُ الغاية في تجديد المباني، وإيضاح المعاني، للمحافظة على هذا المكتسب، وصيانة هذا الموروث، من تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، ببعض ما حضرني في هذا الباب، راجيا المولى عز وجل أن يهديني سواء السبيل، وأن يجري الحكمة على قلبي ولساني وقلمي؛ لذا سأعرض بحثي وفق التسلسل التالي:

  1. لفظ العيد في الشرع يطلق على كل ذكرى مباركة، ولا يقتصر على العيدَيْن
  2. معنى البدعة في الشرع الحنيف، عند المذاهب الأربعة
  3. البدعةُ الحسنة، سنةٌ محمودة
  4. نماذجُ من البدع الحسنة من الصحابة في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم
  5. نماذج من البدع المذمومة من الصحابة في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم
  6. نماذج من البدع الحسنة من الصحابة بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم
  7. نماذج من البدع الحسنة من التابعين فمن بعدهم.
  8. عدم الفعل من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته، ليس دليلا على التحريم
  9. أول من احتفل بعيد المولد النبوي
  • في المملكة المغربية
  • في مصر
  • في العراق
  1. اعتراضات وردود
  • الاعتراض الأول: ينبغي الاحتفال به صلى الله عليه وآله وسلم باتباع سنته، وجوابه
  • الاعتراض الثاني: أنتم تحتفلون بتاريخ وفاته صلى الله عليه وآله وسلم، لا بتاريخ مولده، وجوابه.
  • الاعتراض الثالث: ألا نكتفي بعيدي الفطر والأضحى؟ فلا يوجد مقتضٍ لابتداع عيد آخر، ويكفينا ما كفى سلفنا الصالح.
  • الاعتراض الرابع: لم يبتدع عمر بن الخطاب أمرا جديدا في التراويح بجمع الناس على أبي بن كعب، وإنما ردهم إلى السنّة

أقول وبالله التوفيق:

لفظ العيد في الشرع يطلق على كل ذكرى مباركة، ولا يقتصر على العيدَيْن

أطلق الشرع الحنيف لفظ العيد على عيد الفطر وعيد الأضحى، كعيدين دينيين فيهما صلاة مخصوصة وشعائر مخصوصة شرعها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي بكر عن الجاريتين اللتين تغنيان: (دعهما يا أبا بكر، إن لكل قوم عيدا، وإن عيدنا هذا اليوم)([1])، رواه البخاري ومسلم بألفاظ متشابهة، وهذا اللفظ ظاهره الحصر في عيد واحد، وليس الأمر كذلك كما هو معلوم؛ وفي رواية أخرى: (دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد)([2]).

كما أطلق الشرع كذلك لفظ “العيد” على أيام أخرى، من أجل العَوْدِ والتكرار في كل سنة، لا لأن فيه عبادةً مخصوصة، وشعيرة معيّنة غير مستمدة من أصول الشريعة، شرعها الناس لأنفسهم من دون الله، وإنما هي اجتماع الناس لذكر الله والأكل والشرب والإنشاد، مما هو من عادات الناس في الأفراح.

جاء في صحيح البخاري أن أبا عبيد مولى أزهر قال: شهدت العيد مع عثمان بن عفان، فكان ذلك يوم الجمعة، فصلى قبل الخطبة، ثم خطب فقال: (يا أيها الناس، إن هذا يوم قد اجتمع لكم فيه عيدان، فمن أحب أن ينتظر الجمعة من أهل العوالي فلينتظر، ومن أحب أن يرجع فقد أذنت له)([3])، وهنا يراد بهما الجمعة والعيد.

وفي الصحيحين واللفظ للبخاري، عن عمر بن الخطاب، أن رجلا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرأونها، لو علينا معشر اليهود نزلت، لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. قال: أي آية؟ قال: [اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا]، قال عمر: (قد عرفنا ذلك اليوم، والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو قائم بعرفة يوم جمعة)([4])، والكل يعلم أنهما عيدان عند المسلمين، كما يعرف الجميع، فقد جاء في رواية المعجم الأوسط للطبراني (إِنِّي لَأَعْرِفُ فِي أَيِّ يَوْمٍ أُنْزِلَتْ: [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ]، يَوْمَ جُمُعَةٍ، يَوْمَ عَرَفَةَ، وَهُمَا لَنَا عِيدَانِ)([5]).

وقال الله تعالى: [قَالَ عِيسـَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ] [الْمَائِدَة: 114].

تستخلص من النصوص السابقة أن الشارع لم يطلق لفظ “العيد” على يومي الفطر والأضحى فقط، بل زاد فأطلقها على الجمعة، وعلى يوم عرفة؛ ومن هنا جاء إطلاق الناس لفظ “العيد” على غير عيدي الفطر والأضحى، كأعياد الاستقلال، وعيد المسيرة، فإنه ليس فيه محظورٌ شرعي من حيث اللفظُ، لعدم تخصيص ذلك اليوم بعبادة خاصة  كما في العيدين، وإنما هو الاستعمال اللغوي ليومٍ عالي القدر، ذي بال.

معنى البدعة في الشرع الحنيف

اتفقت المذاهب الأربعة على أن ما أحدِث في زمن غير زمن النبي صلى الله عليه وسلم، منه ما هو مستحسن، ومنه ما هو مستقبح، فيختلف الحكم باختلاف تصوير المحدَث، وتحديد الباب الذي يدخل فيه. فإما أن يدخل في العبادات التي الأصل فيها التوقيف، وإما أن يدخل في الأحكام التي الأصل فيها التعليل، وإما أن يدخل في العادات التي الأصل فيها استصحاب الإباحة، أو الأولوية، إن كانت مما يدخل في المروءات، ما لم يأت دليل أو أمارة أو قرينة ناقلة عنهما. وإليكم أقوال المذاهب الأربعة:

  1. الحنفية

قال بدر الدين العيني في «عمدة القاري» عند شرحه لقول عمر ابن الخطاب رضي اللّه عنه:”نعمت البدعة”، وذلك عندما جمع الناس في التراويح خلف قارىءٍ وكانوا قبل ذلك يصلون أوزاعًا متفرقين “والبدعة في الأصل إحداث أمر لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم البدعة على نوعين، إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي بدعة حسنة وإن كانت مما يندرج تحت مستقبح في الشرع فهي بدعة مستقبحة” ([6]). انتهى

وقال ابن عابدين في «حاشيته على الدر المختار»: “فقد تكون البدعة واجبة، كنصب الأدلة للرد على أهل الفرق الضالة، وتعلّم النحو المفهم للكتاب والسنة، ومندوبة، كإحداث نحو رباط ومدرسة، وكل إحسان لم يكن في الصدر الأول، ومكروهة، كزخرفة المساجد([7])، ومباحة كالتوسع بلذيذ المآكل والمشارب والثياب”([8]). انتهى

  1. المالكية:

قال القرطبي في «تفسيره»: “كل بدعة صدرت من مخلوق، فلا يخلو أن يكون لها أصل في الشرع أو لا، فإن كان لها أصل كانت واقعة تحت عموم ما ندب الله إليه وخص رسوله عليه، فهي في حيز المدح([9]) اهـ.

وعرفها الشاطبي في «الاعتصام» بأنها: “طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه، وهذا على رأي من لا يدخل العادات في معنى البدعة، وإنما يخصها بالعبادات”([10])اهـ، لاحظوا كلمة “يقصد” أنها ترجع إلى النية القلبية، وهذا لا يعلمه الا الله، فلا يجوز التنقيب عن النوايا، ثم إن الاحتفال ليس طريقة مخترعة في الدين إنما هو الفرح والإعلان به؛ كما أنه لا أظن أن أحدا من المحتفلين بعيد المولد النبوي يقصد مضاهاة الطريقة الشرعية، أو المبالغة في التعبد.

ثم استطرد فقال: “وأما على رأي من أدخل الأعمال العادية في معنى البدعة، فيقول: البدعة طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية”([11]).

وقال محمد الزرقاني في «شرح الموطأ» عند شرحه لقول سيدنا عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: (نعمت البدعة هذه) “فسماها بدعة لأنه صلى اللّه عليه وسلم لم يسنّ الاجتماع لها ولا كانت في زمان الصديق، وهي لغة ما أُحدث على غير مثال سبق، وتطلق شرعًا على مقابل السنة، وهي ما لم يكن في عهده صلى اللّه عليه وسلم، ثم تنقسم إلى الأحكام الخمسة”([12])اهـ.

وفي «المعيار المعرب» للونشريسي، جاء عن البدعة: “وأصحابنا وإن اتفقوا على إنكار البدع في الجملة، فالتحقيق الحق عندهم أنها خمسة أقسام، بدعة واجبة إجماعا، (…) بدعة محرمة إجماعا، (…) بدعة مندوب إليها، (…) بدعة مكروهة، (…) بدعة مباحة، وذكر أمثلة على كل ذلك، ثم قال: “فالحق في البدعة إذا عُرضت أن تعرض على قواعد الشرع فأي القواعد اقتضتها ألحقت بـها، وبعد وقوفك على هذا التحصيل والتأصيل لا تشك أن قوله صلى الله عليه وسلم:” كل بدعة ضلالة“، من العام المخصوص كما صرح به الأئمة رضوان الله عليهم”([13])اهـ.

  1. الشافعية

عرف الإمام الشافعي البدعة فقال: “البدعة بدعتان، ‌بدعة ‌محمودة، وبدعة مذمومة. فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم”، واحتج بقول عمر بن الخطاب في قيام رمضان: نعمت البدعة هي”([14]) كما جاء في «حلية الأولياء» لأبي نعيم.

وقال ابن دقيق العيد: “اعلم أن المـحْدَثَ على قسمين: محدث ليس له أصل في الشريعة فهذا باطل مذموم. ومحدث بحمل النظير على النظير فهذا ليس بمذموم لأن لفظ “المحدث” ولفظ “‌البدعة ” لا يذمان لمجرد الاسم بل لمعنى المخالفة للسنة والداعي إلى الضلالة ولا يذم ذلك مطلقاً فقد قال الله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾، [الأنبياء: 2]، وقال عمر رضي الله عنه: “نعمت ‌البدعة هذه”([15]) يعني التراويح”([16]) اهـ.

و عرّف ابن حجر العسقلاني البدعة في «فتح الباري» تعريفا مقاربا، فقال: “كل ما أحدِث وليس له أصل في الدين”([17])، وجعل الاحتفال بالمولد النبوي مما له أصل في الدين، وخرّج استحبابه على صيام يوم عاشوراء فرحا بتنْجِيَة الله تعالى لنبيه موسى؛ كما نقل عنه السيوطي في «الحاوي الكبير»([18])، وتعريفه هذا للبدعة متسق مع حديث (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)([19])، لأنه يدل بمفهومه على أنه من أحدث في أمرنا هذا ما هو منه أي – تدل عليه عمومات النصوص أو مبني على الأقيسة الصحيحة – فليس بِرَدٍّ.

وقال ابن حجر في «الفتح»:” المراد بقوله كل بدعة ضلالة ما أحدث ولا دليل له من الشرع بطريق خاص ولا عام([20])اهـ. فقوله “بطريق خاص” أي بدليل جزئي في كل مسألة، وقوله: “ولا عام” أي يدخل في عموم ما دعا إليه الشرع من تلاوة لكتاب الله، وذكر وصلاة وصيام وقيام وإطعام..

ومن هنا يتبين معنى لفظ “كل” في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة)([21])، فهو وإن كان لفظا من ‏ألفاظ العموم، إلا أنه هنا، عام مخصوص استثني منه ما أحدِث وكان عليه أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكان له أصل في الدين، فلا يسمى بدعة بالمعنى المذموم، ولا يدخل فيها من وجه.

  1. الحنابلة:

وقال ابن رجب الحنبلي في «جامع العلوم والحِكم» في تعريفه للبدعة المذمومة: “ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، فأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه، فليس ببدعة شرعا، وإن كان بدعةً لغةً([22])اهـ.

لهذا، أرجو إعادة النظر في تعريف البدعة، وإعادة النظر فيما يقِفُ به المانعون في وجه عادات الناس وأعرافهم التي لا تتعارض مع الشرع الحنيف، ثم إنه مهما يكن قولهم صحيحا عندهم، فإن القول ببدعية عوائد الناس وتقاليدهم وأعرافهم التي تتساوق مع روح الدين الحنيف، يؤدي قطعا إلى الفتنة والفرقة والخلاف بل والتطاحن، الأمر الذي يقتضي أن الإبقاء على وحدتهم وهي فرض، خير من الخروج إليهم برأي وإن كان صوابا عند أهله، لأنه يخلق بلبلة وفِتَنًا في صفوفهم. وكل هذا، على التنزُّل في الحجة، وليس إقرارا بهذا الخلاف غير المعتبر.

رأي للتدبّر

من عمّق نظره في أمر البدعة سيجدها أنها لا تكون إلا في العقائد والعبادات المحضة، فالمبتدعة في وقت سلفنا الصالح، فإنهم كانوا إما يقولون بخلق القرآن كالمعتزلة، أو بنفي القدر كالقدرية، أو بالجبر وعدم القدرة على الاختيار كالجبرية، أو الاكتفاء بالإيمان القلبي كالجهمية، أو الاكتفاء بالقول باللسان كالكرامية، أو التكفير بالكبيرة كالخوارج، وهكذا، فكل من سألته عن الفِرَق المبتدعة، ذكرَ لكَ هذه الفرق وغيرها؛ وكتب الفِرَق الإسلامية للإمام أبي الحسن الأشعري، وأبي الحسين الملطي، وعبد القاهر البغدادي، وأبي محمد ابن حزم، والشهرستاني، وغيرها، موجودة مطبوعة.

فعن أشهب قال: سمعت مالكا يقول: “إياكم والبدع، قيل: يا أبا عبد الله وما البدع؟ قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسمائه وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان”([23]).

يقصد رحمه الله: ما سكت عنه الصحابة والتابعون في هذا الباب، بقرينة الجملة التي قبلها. وهذا طبعا من غير ضرورة ملجئة إلى تأويل لدفع أي فهم لا يليق بذات الله وأسمائه وصفاته.

وما عدا ذلك، فيعتبر ذكرهم للفظ البدعة حول بعض المسائل، من باب الوصف بحدوث ذلك الشيء الذي لم يكن من قبل، لا من باب الحكم الشرعي بالتحريم على المسائل المحدثة، وإن كان حكما شرعيا من بعضهم، فهو لسد ذريعة ما في تلك البقعة الجغرافية، قبل تفشي الظاهرة الداعية إلى التصدي والرد والمناقشة، فما كان يمنع من الخوض فيه في المدينة المنورة، كانوا يناقشونه ويردون عليه في الكوفة مثلا، وذلك يختلف باختلاف التفشي، وأثر البدعة على الناس، فيجيب العالم المجتهد بما هو أنسب لحال المستفتي، وأوفق لواقع الحال، وأصلح لمناطه، والله أعلم.

البدعةُ الحسنة، سنةٌ محمودة

حبّب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصحابة رضوان الله عليهم في السَّنّ الحَسَن، عند وجود الداعي إلى ذلك، من نيل حاجة أو حصول مصلحة راجحة، أو حتى عند عدم وجود الداعي ولا المقتضي كحال من داوم على قراءة سورة الإخلاص، وحال الزيادة في لفاظ التلبية والزيادة في ألفاظ الرفع من الركوع، بشرطين اثنين: أن يكون أهلا لهذا الاجتهاد والنظر والرسوخ في العلم، وأن يكون مستمدا من أصول الشريعة وقواعدها الكبرى، وعلى أقل تقدير أن لا يتعارض مع أصول وكليات الدين، وقطعياته في الثبات والدلالة.

روى مسلم عن جرير بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من سنّ في الإسلام سنّة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء)([24]).

قال النووي رحمه الله في «شرحه على مسلم»: “وفي هذا الحديث تخصيص قوله صلى الله عليه وآله وسلم كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وأن المراد به المحدثات الباطلة والبدع المذمومة وقد سبق بيان هذا في كتاب صلاة الجمعة وذكرنا هناك أن البدع خمسة أقسام واجبة ومندوبة ومحرمة ومكروهة ومباحة”([25]).

 فعبارة “سنة حسنة”‏ في الحديث لفظ عام في كل مُـحْدَث محمود، سواء كان في أمور “المنفعة العامة” أو في الدين، لأنه العموم يبقى على عمومه، ويشمل جميع أفراده، ما لم يرد ما يُخرج بعضهم، إذن: العبارة عامة في كل سنّة خيرٍ استمدت مشروعيتها من أصول الشريعة وكلياتها.

سيقول قائل: إن سبب ورود الحديث كان في مصلحة عامة، وهو وجه من وجوه التكافل الاجتماعي الذي أقامه الأشعرييون الذين مدح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فِعلَهم! وإن سميناها “بدعة حسنة”، فإنها لا يراد بها إلا معناها اللغوي.

وجوابنا على أن السنة الحسنة تكون في المصلحة العامة الدينية والدنيوية معا، هو ما رواه أحمد  في «المسند» عن ابن أبي ليلى قال: “وكانوا يأتون الصلاة، وقد سبقهم ببعضها النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: فكان الرجل يشير إلى الرجل إذا جاء، كـمَْ صلى؟ فيقول: واحدة أو اثنتين فيصليها، ثم يدخل مع القوم في صلاتهم قال: فجاء معاذ فقال: لا أجده على حال أبدا إلا كنت عليها، ثم قضيت ما سبقني. قال: فجاء وقد سبقه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ببعضها قال: فثبت معه، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاته قام فقضى فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنه قد سنَّ لكم معاذ فهكذا فاصنعوا)([26])، وروى أبو داود([27]) نحوه.

فنلاحظ أن قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “إنه قد سنَّ لكم” هو أمر متعلق بالصلاة أي بالعبادة لا بالمنفعة العامة.

وروى أبو داود وغيره عن أبي سعيد الخدري قال: خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمما صعيدا طيبا فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكرا ذلك له فقال للذي لم يعد: (أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك). وقال للذي توضأ وأعاد: (لك الأجر مرتين)([28]) فانظر إلى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (قد أصبت السنة) فالرجل لم يحفظ السنة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإنما اجتهد فأصابها باجتهاده في الفهم عن الله ورسوله، والمضي على سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تنزيل نصوص الكتاب العزيز. فهي بدعة حميدة في الدين.

ولهذا يكون قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (من سنّ في الإسلام سنّة حسنة) يفيد العموم الباقي على عمومه، من جهة من سنّها، لعموم الأفراد الداخلة في لفظ “من”، ومن جهة كل “سنة حسنة” كذلك، أي في كل ما فيه خير ومصلحة عامة دينية أو دنيوية، بشرط أن يكون مستمدا من أصول الشريعة وكلياتها، أو على أقل تقدير أن لا تتعارض مع أصول الشريعة، ولم يأت الشارع بإلغائها ابتداءً، مما كان من البدع المذمومة.

والجواب على قول القائل بأن البدعة الحسنة لا يراد بها إلا “البدعة اللغوية”، هو أننا بقولنا “عيد المولد النبوي”، فنقصد بـ “العيد” معناه اللغوي كذلك، لأننا يقينا لا نحدث صلاة مخصوصة، أو شعيرة مخصوصة، كما في العيدين الشرعيين، وإنما هو إظهار الفرح والسرور وتذكيرٌ بالسيرة النبوية المطهرة العطِرة، وسردٌ لشمائل النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم.

نماذج من البدع الحسنة من الصحابة في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم

لم يفهم الصحابة رضوان الله عليهم من أحاديث النهي عن الإحداث في الدين، كلَّ ابتداع ولو كان حسنا يحقق مصلحة عامة وينسجم مع كليات الدين وقواعده الكبرى، فإنهم ابتدعوا ‏أمورا حسنة في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبعد مماته كذلك،

أما في حياته صلى الله عليه وآله وسلم:

‏- فما ورد من صلاة بعض الصحابة بتكرار سورة الإخلاص([29])،

– وكذلك الزيادة في ألفاظ الرفع من الركوع([30])،

– وكذلك سنّ معاذ بن جبل طريقة إتمام الصلاة للمسبوق كما مر معنا([31])،

– ومثله سن صلاة ركعتين قبل “الإعدام”، كما فعل خبيب ‏بن عدي([32])،

ونحو ذلك، دعاء الرجل‎ ‎الذي قال: (اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت ‏المنان، بديع السماوات والأرض، ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم). فقال رسول ‏الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أتدرون بما دعا؟)، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ‏‏(والذي نفسي بيده، لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا ‏سئل به أعطى)([33]) وغيرها كثير‎.‎

نماذج من البدع المذمومة من الصحابة في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

سبق معنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقر الصحابة على ما أحدثوه مما انسجم مع سنة ودعوته ورسالته، واتسق مع الأصول ودخل في العمومات مثل ما رأينا؛ لكنه صلى الله عليه وآله وسلم أنكر ما خالف ‏وعارض الأصول، مما كان فيه مشقة وعنت على الناس أو خالف التوجه العام لمولانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

– فأنكر على بعض الصحابة عزمهم على فعل ما لا يرضاه كالصوم ‏الدائم، والقيام الدائم، والتبتل الدائم ؛ فقد روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)([34]).

– وأنكر على أبي إسرائيل وقوفه تحت الشمس زيادة في التعبد؛ فقد روى مالك والبخاري واللفظ له، عن ابن عباس قال: (بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب، إذا هو برجل قائم، فسأل عنه فقالوا: ‌أبو ‌إسرائيل، نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مره فليتكلم وليستظل وليقعد، وليتم صومه)([35]).

– وأنكر على عثمان بن مظعون تبتله([36])؛ فقد روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص، قال: (رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون التبتل. ولو أذن له، لاختصينا).

وذلك، لأن كل ما ذكرنا ‏يتنافى مع سنته الشريفة والفطرة السليمة والعادات القويمة، والتيسير الذي جاء به؛ فما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليشدد على أمته، ويدخلهم في الحرج، أو يبغي لهم العنت، فلهذا نهى عن ذلك، ليجتث هذه النوايا من جذورها، ويحسَّها من أصولها. فلا هم يفعلون، ولا غيرهم يأتسي بهم.

نماذج من البدع الحسنة من الصحابة بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم

ابتدع الصحابة الكرام محدثات وبدعا محمودة كثيرة بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

– فقد أحدث أبو بكر رضي الله عنه ‏أمر جمع القرآن الكريم في مصحف واحد([37]).

– ورفع عدد من الصحابة أصواتهم بالتكبير ‏في أيام عيد الأضحى؛ قال البخاري: (وكان عمر رضي الله عنه يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيرا، وكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام وخلف الصلوات وعلى فراشه وفي فسطاطه ومجلسه وممشاه تلك الأيام جميعا، وكانت ميمونة تكبر يوم النحر، وكُنَّ النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد) وقال البخاري: (وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما وكبر محمد بن علي خلف النافلة)([38]).

– وقَـنَت عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الصبح بقوله: (اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ‏ونؤمن بك ونثني عليك الخير، ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد، ‏ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، ونرجو رحمتك، ونخشى عذابك، إن ‏عذابك الجد بالكفار ملحق)، كما عند ابن أبي شيبة([39]) وعبد الرزاق([40])، وقنت بذلك ابن ‏مسعود وأبي بن كعب.

– وزاد عمر في التلبية فقال: (لبيك مرغوبا أو مرهوبا، لبيك ذا ‏النعماء، والفضل الحسن) رواه ابن أبي شيبة([41])، وكان ابنه عبد الله يقول: (لبيك ‏والرغباء إليك والعمل، لبيك وسعديك)([42]) رواه مالك، ومن طريقه رواه مسلم، وأنس كان ‏يقول: (لبيك حجا حقا) رواه البزار مرفوعا([43])، ورجح الدارقطني في «علله»([44]) وقفه على أنس وهو الصواب.

– وزاد الخليفة الراشد عثمان بن عفان الأذان الأول في الجمعة([45]).

– وكان يقول ‏رضي الله عنه عند قد قول المؤذن “قد قامت الصلاة”: “مرحبا بالقائلين عدلا، وبالصلاة مرحبا وأهلا” ‏كما في مصنف ابن أبي شيبة([46]).

– وزاد ابن عمر رضي الله عنه في التشهد: “وبركاته” و”وحده لا شريك له”([47]).

‏وابتدع الصحابة تلاوة سورة العصر عند الافتراق من مجالسهم، كما عند الطبراني في «المعجم الأوسط»([48])؛

– وخص عبد الله بن ‏مسعود يوم الخميس للموعظة كما في «صحيح البخاري»([49])؛

وسن أبو الدرداء تلاوة القرآن في ‏جماعة([50])

فهل نعترض على هؤلاء الصحابة الكرام على ما أحدثوا، أم نتواضع ونتعلم منهم.‏

نماذج من البدع الحسنة من التابعين فمن بعدهم

أحدث الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز تلاوة قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]، وسنها للقراءة على المنابر أيام الجمعة.

قال أبو الفداء صاحب حماه في «المختصر في أحبار البشر»: “كان خلفاء بني أمية يسبون علياً‌‌ رضي الله عنه، من سنة إِحدى وأربعين، وهي السنة التي خلع الحسن فيها نفسه من الخلافة، إلى أول سنة تسع وتسعين، آخر أيام سليمان بن عبد الملك، فلما ولي عمر، أبطل ذلك، وكتب إِلى نوابه: بإبطاله، ولما خطب يوم الجمعة، أبدل السب في آخر الخطبة بقراءة قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]، فلم يسب علي بعد ذلك”([51])اهـ.

جاء في «الكامل في التاريخ» لابن الأثير: “فحل هذا الفعل عند الناس محلا حسنا، وأكثروا مدحه بسببه([52])؛

وجاء في «تاريخ الخلفاء» للسيوطي: ” فاستمرت قراءتها في الخطبة إلى الآن([53]).

وفي القرن الرابع الهجري مع محنة أهل السنة والجماعة وعلمائهم في القيروان، كان أبو سليمان ربيع القطان ممن حرض على الدولة العبيدية بعد أن قتلوا المئات من علماء أهل السنة، والآلاف من عامتها، وفرجـّحوا الخروج مع أبي يزيد الخارجي في ثورته ودعوته لمحاربة العبيديين، فخرجوا معه، ثم انقلب عليهم، لكن الله شاء أن ينتصر أهل السنة بعد ذلك ويقضوا عليهما معا.

جاء في «معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان» لأبي زيد الدباغ: “قال ربيع القطان أنا أول من يشرع فى هذا الأمر، ويخرج فيه، ويندب المسلمين، ويحضهم عليه، وتسارع جميع الفقهاء والعباد لذلك، فلما كان بالغد خرج ربيع وجماعة الفقهاء ووجوه التجار الى المصلى بالسلاح الشاك، والعدة العجيبة، التي لم ير مثلها، وضاق بهم الفضاء وتواعد الناس أن ينظروا في الزاد وآلة السفر إلى يوم السبت – وذلك يوم الاثنين – وركب بعض الشيوخ من الموضع الى الجامع بالسلاح، وشقوا السماط بالقيروان، وزادوا في استنهاض الناس، فلما كان يوم الجمعة اجتمعوا فى الجامع وركبوا بالسلاح الكامل، وعملوا البنود والطبول، وأتوا بالبنود فركزوها لمبالة المسجد المعروف بالحدادين، وكانت سبعة بنود، (…) وفي السادس منها “بعد البسملة لا اله الا اللّه محمد وسول اللّٰه أبو بكر الصديق عمر الفاروق”([54]).

وبهذا يكونون قد أظهر أهل القيروان الترحم على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وسنوا مداومة الدعاء لأبي بكر وعمر، مثبتين لعقيدة أهل السنة والجماعة في الخلفاء الراشدين في قلوب المؤمنين، بعد ما كان العبيديون يُكرِهون المسلمين على التبرؤ منهم ولعنهم وسبهم؛ ونشهد الآن الترضي على الخلقاء الراشدين الأربعة في كل منابر الجمعة وفي جميع أنحاء العالم الإسلامي وفي مساجد المسلمين في كل العالم.

وقال ابن تغري بردي في «النجوم الزاهرة»: “قال العلامة أبو المظفر بن قزأوغلي في تاريخه: “وكتب على المساجد والجوامع سب أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة وطلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص رضي الله عنهم، في سنة خمس وتسعين وثلاثمائة، ثم محاه في سنة سبع وتسعين”([55]).

عدم الفعل من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته، ليس دليلا على التحريم

نعلم أن الواجب ما أمرنا الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، والمحرم هو ما نهانا عنه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، أما ما سكت عنه الله ىتعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن كان في باب العقائد أو العبادات المحضة فالأصل فيه التوقيف، ولا يجوز فيه تجاوز ما ورد به الشرع، وإن كان في الأعراف وما يحقق المصالح العامة، فإنه يُعرض على الأدلة ليثبت له أحد الأحكام التكليفية الخمسة:

إما الوجوب كجمع القرآن وتدوينه والاعتناء به،

أو السُّنِّية كالأذان الأول للجمعة،

أو الإباحة كالصلاة بتكرار سورة الإخلاص في كل ركعة، أو غيرها،

أو الكراهة كتخصيص يوم الجمعة بالصيام، وليلتها بالقيام،

أو التحريم كاالاختصاء،

 وهذا قول الإمام القرافي في «فروقه»([56])، وتبعه أبو العباس النفراوي في «الفواكه الدواني»([57])،

وهو قول العز بن عبد السلام في «قواعده»([58])، والنووي في «شرح مسلم»([59])، وغيرهم.

أول من احتفل بعيد المولد النبوي

نجد عند التحقيق أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو أول من احتفل بنفسه، فصام أيام الاثنين عرفانا وشكرا لله جل جلاله على منه وكرمه وإفضاله.

روى مسلم عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم الاثنين؟، قال: (ذاك يوم ‌ولدت ‌فيه، ويوم بعثت (أو أنزل علي فيه))([60]).

فصام كل يوم اثنين عرفانا وشكرا لله تعالى على هذا اليوم من أيام الله، اليوم الذي ولد سيد المرسلين، ورحمة الله للعالمين، ولم يرد صلى الله عليه وآله وسلم أن يشق على أمته فيأمرها أو ينهاها عن الاحتفال وإظهار السرور والبهجة، ولكنه ترك ذلك مفتوحا.

فلما كان الظرف مواتيا في الشرق والغرب للاحتفال بذكرى المولد النبوي، ودعت الحاجة إلى ذلك لنقصان التدين مع مرور الزمن، ولتثبيت عقيدة حب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، دعا العلماء والملوك إلى الاحتفال بذكرى مولد سيد المرسلين.

في المملكة المغربية:

في المملكة المغربية، وضع أبو العباس السبتي ‏العزفي، كتاب «الدر المنظم في مولد النبي المعظم» ‏عندما وجد المسلمين في سبتة يعظمون أعياد النصارى، كالنيروز والمهرجان، بل ويشاركونهم في الاحتفال، فخاف من ‏انجرار بعض المسلمين إلى المسيحية، فبدأ يذهب إلى الكتاتيب ويوضح أمر ‏هذا الاحتفال للأطفال، حتى جاء ابنه أبو قاسم العزَفي وأصبح واليا على سبتة ‏واستمر في الاحتفال بالمولد.

قال المقري في «أزهار الرياض»: “وكان السلطان المرحوم أبو عنان فارس، ابن سلطان أبي الحسن المريني يجل هذا الشريف، ويعترف له بالفضل، ويعطيه العطاء الجزل، وكان يستدعيه كل سنة إلى حضرته فاس، لحضور المولد السعيد، الذي سنّه ببلاد المغرب الشيخ أبو العباس العزفي، وتلك السنة إلى الآن بحسن نيته، واعتنائه بالجانب العلي، نفعه الله بذلك”([61])، وقال: “وقد تقدم أنَّ ‌العزفي ‌صاحب سبته هو الذي سن ذلك في بلاد المغرب، وأتى بزلفى تدينه إلى الله وتقرب؛ واقتفى الناس سننه، وتقلدوا مننه؛ تعظيماً للجناب الذي وجب له السمو والعلو”([62]).

قال الناصري في «الاستقصا»: “وفي سنة إحدى وتسعين وستمائة أمر السلطان يوسف ابن يعقوب بن عبد الحق بعمل المولد النبوي ‌وتعظيمه ‌والاحتفال له، وصيره عيدا من الأعياد في جميع بلاده، وذلك في شهر ربيع الأول من السنة المذكورة، وكان الأمر به قد صدر عنه وهو بصبره من بلاد الريف في آخر صفر من السنة فوصل برسم إقامته بحضرة فاس الفقيه أبو يحيى بن أبي الصبر، واعلم أنه قد كان سبق السلطان يوسف إلى هذه المنقبة المولدية بنو العزفي أصحاب سبتة فهم أول من أحدث عمل المولد الكريم بالمغرب، والله تعالى أعلم»([63]).

في مصر

قال المقريزي في خططه: “وكان للخلفاء الفاطميين في طول السنة: أعياد ومواسم، وهي: ‌موسم ‌رأس السنة، وموسم أوّل العام، ويوم عاشوراء، ومولد النبيّ صلى الله عليه وسلم، ومولد عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، ومولد الحسن، ومولد الحسين عليهما السلام، ومولد فاطمة الزهراء عليها السلام، ومولد الخليفة الحاضر، وليلة أوّل رجب، وليلة نصفه، وليلة أوّل شعبان، وليلة نصفه”([64]).

وعندما استتب الأمر للمعز لدين الله الفاطمي قرر جمع الناس على الاحتفال بالمولد النبوي، قال حسن السندوبي في «تاريخ الاحتفال بالمولد النبي»: “فهداه تفكيره إلى أن يقرر إقامة مواسم حافلة، وأعياد شاملة، فى مواعيد مقررة، وأيام مقدّرة. وكان من أوّلها وأجلها وأفضلها الاحتفال بذكوى المولد النبوى الشريف. فنهضت الدولة بأعباء هذا الاحتفال، وافتنت فيه، وحشدت له، واتجهت فى أهدافها الصالحة إلى أن يعم الناس فى أيام هذه الذكرى الكريمة ولياليها، صنوفُ الخيرات، وأن تشملهم ضوافي المبّرَّات”([65]).

وقال:  “فوزعت الأموال على الناس كافة، وعمهم الإحسان باختلاف طبقاتهم، ومنح أهل الستر منهم سنيّ الصلات، وأُوثروا بالعطايا والهبات، ووزعت فيهم الهدايا والنفحات. كما تبارى أعيان الدولة، ووجوه الأمة، في إقامة الزينات، وصنائع الولائم والمآدب، وإسداء الصدقات والعوارف، وتلاوة القرآن الكريم فى المساجد الجامعة، والزوايا والرُّبُط وأما كن العبادة، وذكر اللّٰه، والصلاة والسلام على خيرة خلق اللّٰه محمد صلى اللّٰه عليه وسلم”([66]) إلى آخر ما قال.

في العراق

وأما في العراق، فقد قال السيوطي في «حسن المقصد» في أول مع احتفل بالمولد النبوي: “وأول من أحدث فعل ذلك [صاحب إربل] الملك المظفر أبو سعيد كوكبري بن زين الدين علي بن بكتكين، أحد الملوك الأمجاد، والكبراء الأجواد، وكان له آثار حسنة، وهو الذي عمر الجامع المظفري بسفح قاسيون”([67]).

وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» عن المظفر أبي سعيد: “كان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول، ويحتفل به احتفالاً مائلاً، وكان شهماً شجاعاً بطلاً ، عاقلاً، عالماً رحمه اللّه وأكرم مثواه. قال: وقد صنف  له الشيخ أبو الخطاب ابن دحية مجلداً في المولد النبوي، سماه «التنوير في مولد البشير النذير»، فأجازه على ذلك بألف دينار، وقد طالت مدته في الملك إلى أن مات وهو محاصر الفرنج بمدينة عكا، عام ثلاثين وستمائة، محمود السيرة والسريرة”([68])اهـ.

وقال السخاوي في «التبر المسبوك في ذيل السلوك»: “وكان للملك المظفر صاحب إربل بذلك أتم عناية واهتمام جاوز الغاية، بحيث أثنى عليه لذلك الإمام العلامة أبو شامة فى كتابه : الباعث على إنكار البدع والحوادث، وقال: إن مثل هذا يحسن ويندب إليه، ويشكر فاعله ويثني عليه، ولو لم يكن فى ذلك إلا إرغام الشيطان، وسرور أهل الإيمان من المسلمين. وإذا كان أهل الصليب اتخذوا ليلة مولد نبيهم عيدًا أكبر، فأهل الإسلام أولى بالتكريم وأجدر، فرحم الله أمرءا اتخذ ليالي هذا الشهر المبارك وأيامه أعيادًا([69]). انتهى

اعتراضات وردود

الاعتراض الأول: ينبغي الاحتفال به صلى الله عليه وآله وسلم باتباع سنته.

جوابه: لا يصح الاعتراض إلا إذا قلنا بإحلال الاحتفال بمولده صلى الله عليه وآله وسلم محل اتباع سنته وهديه في الحياة اليومية، وترك التصلية والتسليم عليه. أما مع إمكان الجمع وتيسُّرِه فلا اعتبار لهذا الاعتراض، فالأعداد كبيرة من القائلين بجواز الاحتفال، لا يفترون عن القيام والصيام، والتزام بما استطاعوا من اتِّبَاع سنته في حيواتهم اليومية الخاصة، انفرادا واجتماعا.

الاعتراض الثاني: أنتم تحتفلون بتاريخ وفاته لا بتاريخ مولده، فلماذا تحتفلون في هذا اليوم؟

جوابه:

  1. إن الله أمرنا بالفرح عموما بهذا الدين وبسيدنا محمد على وجه الخصوص، فقال تعالى: ]قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ[[يُونُس:58]، ونهانا عن إقامة المآتم والمنائح؛ ففرِحْنا بميلاد سيد البشر الذي بعثه الله إلينا لهدايتنا وإخراجنا من الظلمات إلى النور، كشكرٍ على أعظم نعمة أنعم الله بها علينا، والشكر يكون بالقول والفعل.
  2. أمرنا الله تعالى بتذكير الناس بأيام الله، فقال تعالى: ]وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ[، [إِبْرَاهِيم:5]، في هذه الآية أمر الله نبيه موسى بتذكير بني إسرائيل بما أنعم الله عليهم يإخراجهم مِنْ أسرِ فِرعون وتنجيتهم من استعباده؛ ونعلم قطعا بأن نعمة ميلاد سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ميلاد الهدى والنور، ميلاد رحمة الله للعالمين، أفضل من نعمة تنجية بني إسرائل من ظلم فرعون وجنوده.

فأطلق الحكم على الأخص وهو تنجية بني إسرائيل من ظلم فرعون وجنوده، وأريد به الأعم وهو كل الأيام ذوات البال، كالأعياد وأيام الانتصارات والإنجازات والنِعم التي أنعمها على عباده، فأيام الحج نحتفل برمي سيدنا إبراهيم للجمرات إرغاما للشيطان الذي وسوس لسيدنا إبراهيم بعدم استجابته لأمر الله، ونحتفل بمشي أمّنا هاجر بين الصفا والمروة وعتقها وابنها من العطش بماء زمزم، ونحتفل بفداء سيدنا إسماعيل بالذبح العظيم في عيد الأضحى.. وكل هذه من أيام الله.

  1. يمكننا قياس الاحتفال بالمولد النبوي الشريف على الفرح في أيام السنة الموافقة ليوم تنجية بني إسرائيل من فرعون، وذلك لجامع العلة، وهي أن ذلك اليوم هو يوم من أيام الله. من الأدلة على ذلك، ما رواه البخاري عن عروة قال: “وثُوَيْبَةُ مولاة لأبي لهب، كان أبو لهب أعتقها فأرضعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله ‌بشر ‌حِيبَة([70])، قال له: ماذا لقيت؟ قال أبو لهب: لم ألق بعدكم غير أني سقيت في هذه بعتاقتي ثويبة”([71]).

قال السهيلي في «الروض الأنف»: “وفي غير البخاري أن الذي رآه من أهله هو أخوه العباس، قال: مكثت حولا بعد موت أبي لهب لا أراه في نوم، ثم رأيته في شر حال، فقال: ما لقيت بعدكم راحة إلا أن العذاب يخفف عنى كل يوم اثنين، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد يوم الاثنين، وكانت ثويبة قد بشرته بمولده”([72]).

وإن كان عروة لم يلق ثويبة، وبهذا يكون السند مرسلا، بالإضافة إلى أن المنام لاحجة شرعية فيه، إلا أن التخفيف عنه استفدناه بما هو متفق عليه من التخفيف على أبي طالبٍ لنصرته النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأبي لهب لعتقه لثويبة. ونعلم أن هذا الأثر ليس فيه حجة لأن الأحكام لا تثبت بالرؤى، ولكننا نأخذ منه ومن حديث صومه عليه الصلاة والسلام ليوم الاثنين شيئا مهِمَّا وهو أن يوم ميلاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس كيوم ولادة أحد من الناس؛ فيكون إظهار محبته طول السنة باتباعه والصلاة وعليه وتوقيره وحفظ مقامه بطاعته، ثم تتويج ذلك، بإظهار الفرحة والسرور في اليوم الذي يوافق يوم ميلاده صلى الله عليه وآله وسلم، غاية في الشكر والحمد والمدح والاقرار والاعتراف..

  1. كما يمكن أن نستدل بعموم لفظ “أيام الله”، لأنه ينسحب على كل أفراد أيام الله، لعدم وجود قرينة التخصيص التي تقضي بقصر اللفظ على بعض أفراده، لا من جهة خصوص سببه، وإنما من جهة باقي أفراده.
  2. قال الطاهر بن عاشور رحمه الله: “فقد جعل الله للمواقيت المحدودة اعتبارا ‌يشبه ‌اعتبار الشيء الواحد المتجدد، وإنما هذا اعتبار للتذكير بالأيام العظيمة المقدار، كما قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ[ [إبراهيم: 5]، فخلع الله على المواقيت التي قارنها شيء عظيم في الفضل أن جعل لتلك المواقيت فضلا مستمرا تنويها بكونها تذكرة لأمر عظيم، ولعل هذا هو الذي جعل الله لأجله سنة الهدي في الحج، لأن في مثل ذلك الوقت ابتلى الله إبراهيم بذبح ولده إسماعيل وأظهر عزم إبراهيم وطاعته ربه ومنه أخذ العلماء تعظيم اليوم الموافق ليوم ولادة النبيء صلى الله عليه وسلم ويجيء من هذا إكرام ذرية رسول الله وأبناء الصالحين وتعظيم ولاة الأمور الشرعية القائمين مقام النبيء صلى الله عليه وسلم في أعمالهم من الأمراء والقضاة والأئمة”([73]).

الاعتراض الثالث: ألا نكتفي بعيدي الفطر والأضحى؟ فلا يوجد مقتضٍ لابتداع عيد آخر، ويكفينا ما كفى سلفنا الصالح.

جوابه: هذه المحدثات التي أحدثها أهل العلم ولم تكن في عهد سلفنا الصالح الأول، لم تكن لغير غاية أو مقصد، أو اتباعا للهوى والشهوات، فإن العلماء والخلفاء اجتهدوا باعتبار وقائعَ ونوازلَ كانت تحتاج إلى اجتهاد ملائم، حفظا لدينهم وأمنهم واستقرارهم، فإن علمنا أن كثيرا من أبناء المسلمين يخرجون في أعياد النصارى ويحتفلون معهم، ولا يرجعون من هذه الاحتفالات إلا عند الفجر، ويطلقون اللعب النارية، بل يتعدون إلى فعل ما لا يرضاه الله تعالى في تلك الليالي .. ألا نعوضهم بعيد يحتفلون فيه بالاحتفال بمولد نبيهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ونستغل هذه الفرصة للتعريف بسيرة سيد البشر وسنته ورسالته وأخلاقه، وتعويدهم على محبته وتوقيره واتباعه والتخلّق بأخلاقه والتحلي بأوصافه.

الاعتراض الرابع: لم يبتدع عمر بن الخطاب أمرا جديدا في التراويح بجمع الناس على أبي ابن كعب، وإنما ردهم إلى السنّة، التي تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم مخافة أن تفرض عليهم.

جوابه: الأمر ليس كما تقولون، فإنه ابتدع بدعة حسنة، هو امتدحها رضي الله عنه، وبيان ذلك:

  1. إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يجمع الصحابة رضوان الله عليهم عليه، وإنما كانوا يلحقون به، دون أن يأمرهم بالصلاة معه، فقد روى البخاري عن عائشة أم المؤمنين أنها أخبرت عروة: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات ليلة من جوف الليل، فصلى في المسجد، فصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا، فاجتمع أكثر منهم فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة، عجز المسجد عن أهله، حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد، ثم قال: أما بعد، فإنه لم يخف علي مكانكم، لكني خشيت ‌أن ‌تفرض ‌عليكم، فتعجزوا عنها»([74]). فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي لنفسه، ولم يدعهم إلى اللحوق به في صلاته.
  2. علم سيدنا عمر رضي الله عنه بانقضاء علة الخوف من أن تفرض على الصحابة بعد موته صلى الله عليه وآله وسلم، فسنّ لهم الصلاة وراء إمام واحد بدلا من الصلاة أوزاعا متفرقين.

روى مالك في موطئه واللفظ له، ومن طريقه البخاري في صحيحه، عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال: “خرجت مع عمر بن الخطاب في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط. فقال عمر: والله إني لأراني (لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل)، فجمعهم على أبي بن كعب قال: ثم خرجت معه ليلة أخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر: (نعمت ‌البدعة ‌هذه، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون) يعني آخر الليل وكان الناس يقومون أوله”([75])اهـ.

  1. لو كان الاجتماع على إمام واحد في التراويح سنة، لاختار الصحابة إماما منهم يصلون وراءه، ولم ينتظروا عمر بن الخطاب ليجمعهم، ولكنهم لم يفعلوا وصلوا متفرقين حسب ما كان عليه الأمر بعد الليلة الرابعة من رمضان، وعدم خروج سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم في تلك الليلة.

خاتمة

إن الاحتفال بعيد المولد النبوي سنة حميدة، وبدعة حسنة، دامت قرونا في المجتمعات الإسلامية، وصارت عرفا شعبيا، وعيدا دينيا، وفرصة تاريخية للتعريف بخير الورى، وسيد ولد آدم، سيدنا محمد السابقِ للخلْق نورُه، ورحمة للعالمين ظهورُه؛

فمضى الاحتفال مهرجانا عالميا، تقام فيه تظاهرات دولية تَعُمّ فيها الفرحة؛ وتُعَدُّ فيه محافل مزدانة تنتشر فيها البهجة؛ وتحضَّر فيه ملتقيات علمية تُسرد فيها سيرته الشريفة، وتروى فيها شمائله العطرة، ويذكّر فيها بصفاته النيّرة.

إنه احتفال تُجَدِّد فيه الأمّة البيعة لـجنابه الشريف صلى الله عليه وآله وسلم على السمع والطاعة والنصرة، وتعلن فيه أنها على العهد الأول وعلى العروة الوثقى.

إنه احتفال عرفان لجنابه صلى الله عليه وآله وسلم بفضله على هذه الأمة، وإرقار بنور هدايته، وتصريح ببياض رسالته، وإعلان بـجميل عنايته، وشهادة بـتمام تضحيته، وبَوْحٌ بكمال تحققه، وتأكيد على قمة وفائه.

وأي دعوة لترك وإلغاء هذا الاحتفال، يعد بدعة في المجتمع المسلم، وخروجا على ما ألفه الناس وعهدوه، ومناداةً بالفرقة، ونزعا ليد الطاعة.

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الاثنين 8 ربيع الأول 1447 هـ الموافق لــ 1 شتنبر 2025م

مصطفى بن عبد الرحمن الشنضيض

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...