عندما يكون همّ الحاكم الأول رضا شعبه

 

 

 

 

مصطفى عبد السلام
صحافي مصري.

 

 

في اليابان يسارع الوزير لترك منصبه في حال زيادة سعر السلع والخدمات، ويستقيل رئيس الوزراء عندما يعجز عن خفض سعر تلك السلعة ومواجهة التضخم في الأسعار، أما في دولنا العربية فإن المسؤول لا يعرف كلمة الاستقالة، وليس في قاموسه ترك منصبه. وعندما يعجز مسؤول عن إدارة شؤون الدولة واقتصادها وجهازها الإداري بطريقة ذات كفاءة، والاستفادة من ثرواتها، وفي مقدمتها الثروة البشرية، فعليه أن يترك منصبه ويفسح الطريق لغيره لإدارة الدفة لصالح المواطن والدولة والاقتصاد.

وعندما تتسبب السياسات الاقتصادية والمالية لأي مسؤول في تأزيم الاقتصاد الوطني، وتدمير الوضع المعيشي للمواطن وزيادة معاناته اليومية، ورهن مقدرات الدولة للدائنين والمستثمرين الأجانب، وإغراقها في الديون الخارجية والمحلية، فعليه أن يترك الفرصة لشخص آخر أو فريق، لعل وعسى ينقذ السفينة قبل غرقها.

ومن أبرز المهام المكلفة بها الحكومات العمل على تحقيق الراحة للمواطن، والارتقاء بالمستوى المعيشي له، وتلبية الاحتياجات الأساسية من مأكل وتعليم وصحة وسكن وخدمات عامة، وتوفير السلع بأسعار مناسبة للدخل والأجور، وتنشيط الاقتصاد بما يساهم في توفير فرص عمل ومكافحة التضخم وخفض الأسعار، والعمل كذلك على توفير النقد الأجنبي اللازم لسداد فاتورة الواردات والدين الخارجي، ودعم استقرار سوق الصرف، باعتبار أن ذلك كله هو المدخل الطبيعي لاستقرار أسعار السلع ومكافحة موجات الغلاء.

عندما تعجز تلك الحكومات عن تحقيق هذه الأهداف مجتمعة، والوفاء بوعودها الانتخابية، ومنها تحسين مستوى الفرد فيجب عليها الاستقالة فوراً، بل ومحاسبتها على هذا التقصير

وعندما تعجز تلك الحكومات عن تحقيق هذه الأهداف مجتمعة، والوفاء بوعودها الانتخابية، ومنها تحسين مستوى الفرد فيجب عليها الاستقالة فوراً، بل ومحاسبتها على هذا التقصير وفقاً لنصوص الدستور القائم والقوانين المطبقة.

وعندما يشعر المواطن أنه غريب في بلده وتُشعره السلطات القائمة دوماً أنه عالة على دولته وأنه مجرد مستهلك، لا منتج، أو أنه مجرد أجير عند الدولة مطالب بسداد كل أنوع الضرائب والرسوم بلا مقابل، وبأسعار تفوق تكلفة الخدمة المقدمة، هنا يجب على المسؤول أن يغادر موقعه، وليس المطلوب من المواطن مغادرة بلده لأن له كل الحقوق في ثروات بلده.

وحتى لا يكون الكلام إنشائياً لنأخذ مثالاً ما يجري في اليابان، حيث يسارع المسؤول للاستقالة من منصبه في حال التقصير، وأحدث مثال على ذلك هو إعلان رئيس الوزراء الياباني شيغيرو إيشيبا، الاستقالة من منصبه، والسبب المعلن هو فقدان حزبه الأغلبية في مجلسي البرلمان.

لكن ما لا يعرفه الكثير أن هذا الموقف ليس وليد اليوم بل وليد شهور مضت، حيث عانت اليابان، صاحبة أقوى رابع اقتصاد في العالم، من أزمات معيشية متلاحقة، وعانت الأسر اليابانية من زيادات ملحوظة في الأسعار، خاصة في الفترة التي أعقبت اندلاع حرب أوكرانيا.

وبعضنا تابع أزمة الأرز وقفزة سعره والتي أطاحت وزير الزراعة، فقد ارتفعت الأسعار بنسبة 99.2% في يونيو/ حزيران الماضي على سبيل المثال، واختفت السلعة الرئيسية من الأسواق، وتابعنا كيف أن اليابان واجهت أول أزمة غلاء معيشة منذ عقود، كما عانت الأسواق من موجة غلاء تسللت إلى كل وجبة، وكيف أن أسعار 1932 صنفاً من الأغذية والمشروبات شهدت ارتفاعاً خلال يونيو الماضي.

وكيف أن الموظفين اتجهوا إلى الوجبات الرخيصة بسبب الغلاء، وأن العائلات اضطرت إلى ترشيد نفقاتها، وأنه حدثت زيادة في تكاليف المواد الخام والطاقة والعمالة، ما شكل ضغطاً متزايداً على المنتجين والمستهلكين. وامتدت الأزمات داخل اليابان إلى مؤشرات الاقتصاد الكلي، فقد فقدت الدولة موقعها كأكبر دولة دائنة في العالم للمرة الأولى منذ 34 عاماً. ودخل الاقتصاد في كماشة الركود والتضخم، ورفع بنك اليابان المركزي أسعار الفائدة إلى أعلى مستوياتها منذ الأزمة المالية العالمية في 2008 مع تشديد السياسة النقدية لمواجهة موجة الغلاء.

والنتيجة النهائية هي أنه بسبب تلك الأزمات الجماهيرية وحالة الإحباط الكبيرة من زيادة تكاليف المعيشة وغيرها عاقب الناخب الحزب الحاكم، وزادت الضغوط على رئيس الوزراء شيغيرو إيشيبا، خاصة بعد خوضه حرباً تجارية شرسة مع إدارة دونالد ترامب، وتراجع الدعم الشعبي لحكومته إلى أدنى مستوى له منذ توليه منصبه العام الماضي، وواجه صعوبات في إدارة اقتصاد البلاد وسط انقسام ملحوظ داخل حزبه الحاكم، والمحصلة النهائية أن الرجل سارع بالاستقالة من منصبه، بعد أن شعر بالتقصير تجاه المواطن والفشل في خفض كلفة المعيشة وتحقيق الرفاهية التي يتمته بها الشعب الياباني منذ عقود.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...