المغرب في مرآة الجنازة … الريف يعانق الصحراء

 

 

 

 

 

نور الهدى سعودي
كاتبة وباحثة مغربية، ماجستير في الفلسفة.

 

 

 

الموت لحظة تفضح ضعف اللغة، لكنه أيضاً يكشف قدرتها على أن تقول ما لا يُقال. والجنازة، حين تخرُج عن طقوسها العادية، تصبح حدثًاً يتجاوز الوداع لتغدو مرآة يُطلّ منها وطنٌ على نفسه. هناك، في حضرة الغياب، يتكلم الصمت وتتكثّف الأسئلة، ويولد المعنى من مكان لم نتوقعه.

هكذا بدا المشهد في الحسيمة، حين ودّع ناصر الزفزافي والده أحمد. لم يكن الأمر مجرّد وداع عائلي، بل لحظة انكشاف لوطنٍ يرى صورته في مرآة الفقد. الكلمة التي استحضر فيها الوطن “بصحرائه وشماله وجنوبه وشرقه وغربه”. كانت لحظة عانقت فيها جبال الريف رمال الصحراء، في تراتبيّةٍ لم تكن اعتباطية. من رجل خبر ثقل الزنازين يعرف أن الكلمات ألغام، وأن ترتيبها قد يفتح أفقاً أو يغلقه. جاءت الصحراء أولاً، كأن الوداع نفسه تحوّل إلى درسٍ في الوحدة.

ومن تلك اللحظة الرمزية، انفتح معنى آخر: الحرّية ليست غياب القضبان فحسب، بل ومضة قادرة على تبديل المعنى. الانتقال من فضاء ضيّق إلى فضاء فسيح، من انتظارٍ ثقيلٍ إلى هواء عابر، كان أشبه باستعارة وجودية. في ومضته القصيرة، قيل فيها ما يبقى أبعد من الفقد.

لا يكتفي الموتُ بالغياب، بل يأخذ معه أسراراً ويترك أسئلة. هكذا رحل أحمد الزفزافي وقد ترك خلفه ثِقل الهوية: كيف عاش أن يكون “والد ناصر”، لقباً طغى على هوياته الأخرى؟ كيف نظر إلى ابنه وهو يتحوّل من شابٍّ عاديٍّ إلى رمز؟ هذه الأجوبة طواها الموت، لكنه أورث صموداً وكرامة وأسئلة معلّقة كغسيل لا يجف.

في امتداد هذا المشهد، حدث ما لم يكن متوقّعاً. لم تكن كلمات الشكر التي وُجّهت في تلك اللحظة بروتوكولاً عابراً، بل اعترافاً بالإنسانية وسط سياق يطمسها. الموت الذي يسوّي بين الجميع صنع جسراً غير مرئي، كأن الإنسان التقى بالإنسان خارج الأدوار المؤقتة. ومن هذا اللقاء الخاطف، وُلدت بذرة جديدة، لم تتشكّل بعد، لكنها بدأت تنبت.

ذلك ما يجعل المغرب الذي تردّد اسمُه في تلك اللحظة يتجاوز خرائطه المرسومة. إنه مغربٌ متخيَّل ومُعاشٌ في آن: يحمله المهاجر في حقيبته، والسجين في زنزانته، والأم في دعائها. مغربٌ يتكوّن يوميّاً في الأسواق، حيث يلتقي الريفي بالصحراوي، الفاسي بالسوسي، المراكشي بالجبلي. مغرب لا يُختزل في لغة واحدة أو لونٍ واحد، بل فسيفساء حيّة تستمد جمالها من اختلافها.

الجراح لا تُختزل في الأرض وحدها، بل في الكائن الذي يحيا فوقها، في أحلام الأطفال وهم يدخلون فصولهم

وبالعودة إلى هذه الفسيفساء، يظهر سرّ قوة المغرب: تنوّعه. ذلك التنوّع الذي يتجلّى في الألسن والأطباق والملابس والطقوس يشبه أوركسترا لا تعزف إلا حين تتناغم آلاتها المختلفة. يشبه نسيجاً لا يكتمل إلا بتعدّد خيوطه. في تعدّده وحدته، وفي اختلافه ائتلافه. ولعل هذا ما عبّرت عنه الجموع التي خرجت تودّع الأب. لم تودّع شخصاً واحداً فقط، بل زمناً بأكمله، لتستقبل آخر. والهتافات التي علت لم تكن موجّهة إلى الميت الذي لا يسمع، بل للأحياء الذين يشتركون في المصير. كأن الرسالة كانت تقول: الوطن أرخبيلٌ من الجزر، لكل جزيرةٍ خصوصيّتها، لكنها متصلة بالباقي بجسور من التاريخ والمصير المشترك.

لا يجيء الموتُ كنهاية فقط، بل كإزاحة للستار. في لحظة رحيل أحمد الزفزافي انفتحت طبقاتٌ خفيةٌ من المعنى: وجع يختبئ في العيون، رجاء يتسلّل من بين الشفاه الصامتة، ولمحة إنسانية تبرق من حيث لا نتوقع. بدا وكأن الجدران التي تفصل بين الناس أوهى مما اعتقدناه، وأن الغياب نفسه قادرٌ على أن يكشف ما يغطيه الحضور. وتماماً مثل لوحةٍ من المتناقضات، بدا المشهد: وقوفٌ عابر في فضاء مفتوح تعقبه عودة إلى القيود. لكنه في جوهره درسٌ عميق، فالحرية ليست غياب القضبان وحدها، والسجن ليس وجودها فقط. ثمّة من يبقى حرّاً وهو محاصر، وثمّة من يظل سجيناً وهو طليق. المغزى لا يقاس بما يُغلق علينا، بل بما يُفتح أمامنا من أفقٍ يجعل الكلّ أكبر من أجزائه. وهنا يتضح أن اللحظة لم تخصّ مدينة بعينها، بل وطنًا بأكمله. كانت مرآةً يطل منها المغرب على نفسه: يرى جراحه وأحلامه، ماضيه وأسئلته المعلّقة، ويبحثُ عن أفقٍ جديد. في هذه اللحظة من التأمل الجماعي، وُلد فهم آخر، فُتحت نوافذ كانت موصدة، ودخل هواء جديد إلى غرفٍ أُغلقت طويلًا.

بدا المغرب كياناً يتألم ويأمل في آن، يتعثّر لكنه لا ينكسر، يواجه عتماته لكنه يظل مفتوحاً على الضوء

رحل أحمد الزفزافي، لكن رحيله لم يكن إغلاقاً لباب بل فتحاً لنوافذ كثيرة. فتح باباً للكلام عن الوطن حين يواجه جراحه، عن الإنسان حين يعثر على قوته وسط ضعفه، عن المستقبل الذي يولد من قلب الفقد. ولعل الوطن، وهو يطوي جراح أرضه، سيجد السبيل إلى تضميد جراحه الأخرى: في التعليم، في الصحة، وفي تفاصيل الحياة التي تترقب نهاراً أرحب. فالجراح لا تُختزل في الأرض وحدها، بل في الكائن الذي يحيا فوقها، في أحلام الأطفال وهم يدخلون فصولهم، في أجساد المرضى وهي تنتظر عناية تستحقها، في يوميات الناس وهم يبحثون عن كرامة تليق بانتمائهم.

وهكذا، في مرآة الجنازة، بدا المغرب كياناً يتألم ويأمل في آن، يتعثّر لكنه لا ينكسر، يواجه عتماته لكنه يظل مفتوحاً على الضوء. لم يكن الضوء وعداً جاهزاً، بل إشارة خفية بأن هذا الوطن كلما انكسر يجد في داخله قدرة على إعادة تركيب ذاته. وفي ذلك الانكشاف الجماعي تكمن قوة صامتة: أن نرى أنفسنا بما نحن عليه، وأن نفهم أن المعنى لا يُمنح مرّة واحدة، بل يُعاد اكتشافه مع كل محنة، ويُعاد توليده مع كل غياب.

 

ملاحظة:
الآراء الواردة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف.

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...