فاطمة حسّونة وأخلاقية التعاطي مع الشهود

إيطاليا تلغراف

 

 

 

فاطمة العيساوي
أستاذة لبنانية في جامعة إيسيكس البريطانية.

 

 

قتلت إسرائيل المصوّرة الصحافية فاطمة حسّونة ضمن قتلها الممنهج للشهود على جرائم حرب الإبادة في غزّة، إلا أن قتل الشابة مع أفراد عائلتها جاء بعد يوم من خروج الفيلم السينمائي عن حياتها (احمل روحك على كفّك وامض) إلى العالمية عبر عرضه في المهرجان الموازي لمهرجان كان السينمائي للعام 2025، ما يطرح بالضرورة مسؤولية مخرجة الفيلم الإيرانية سبيدة فارسي في عدم محاولة حماية المصوّرة الشابة التي قضت عن عمر 25 عاماً، قبل عرض الفيلم ومنذ بدء عملية إعداده. قد يقول قائل ان كلمة “حماية” غير واقعية في غزّة، حيث بات القتل المجّاني والسادي عادياً، إلا أن مسؤوليات الباحث الأخلاقية، وأولها عدم تعريض موضوع البحث للخطر، لا تختلف بحسب الظروف، بل هي أكثر أهميةً وإلحاحاً في بيئات الحروب.

ساهم الفيلم، إلى حد كبير، في إخراج معاناة فاطمة وعائلتها وشعبها إلى العالمية. خلّدت كلمات النجمة الفرنسية جولييت بينوش قصة فاطمة في خيارها افتتاح مهرجان كان العالمي لهذا العام برواية قصتها، إلا أن فاطمة حسّونة قُتلت قبل يوم من عرض الفيلم، في رسالةٍ واضحةٍ بأن إسرائيل ستقتل كل الأصوات المؤثرة ناقلة الحقيقة عن الإبادة من الداخل. ألم يخطُر على بال المخرجة، وهي تصوّر لقطات الفيلم وتحضّر له، أن إخراج قصة الشابّة إلى العلن بهذا الشكل الصارخ سوف يعرّض حياتها بالضرورة للخطر في وقت قتلت إسرائيل إلى حينه أكثر من مائتي صحافي، بعضهم في استهداف مباشر؟ في الفيلم الذي خرج إلى الصالات أخيراً، تتلقّى فاطمة خبر خروج الفيلم بفرح كبير، خصوصاً أن المخرجة تقول لها إنها قد يكون في وسعها أن تحضر المهرجان شخصياً، وهو وعدٌ لا يجوز أن يقدّم إلى سجينة حرب إبادة، ليس لديها أي أمل بالخروج من سجنها، ولا يبدو أن المخرجة حاولت أساساً إخراجها منه. تقول سبيدة فارسي لفاطمة بلهجة خفيفة: هل تفكّرين بالانتقال من منزلك بعد أن خرج الفيلم إلى العلن؟ تردّ فاطمة بأنها في بيتها ولا مكان آخر لديها تقصده مع عائلتها. هل خيّل للمخرجة فعلاً أن بإمكان المصورة الصحافية أن تختار سكنها أو أن لديها مكاناً آمناً لحمايتها من الانتقام الإسرائيلي؟ ألم يكن من المفترض أن يكون هذا السؤال أول ما تهتم به المخرجة قبل الشروع بإنتاج الفيلم، وخصوصاً قبل إخراجه إلى العلن في مهرجان عالمي؟

مسؤوليات الباحث الأخلاقية، وأولها عدم تعريض موضوع البحث للخطر، لا تختلف بحسب الظروف، بل هي أكثر أهميةً وإلحاحاً في بيئات الحروب

أكثر ما يحزن في الفيلم ضحكة فاطمة العريضة، حتى يخيّل للمشاهد أنها فعلا مرحة. من أين جاءت هذه الشابّة بتلك العزيمة والقدرة على الاستمرار في الضحك، وهي سجينة حرب إبادةٍ مرعبة، تضع روحها على كفّها كل يوم، وتمشي من دون أن تعرف إن كان الغد ممكناً أو إن كانت المخابرة مع المخرجة عبر “واتساب”، وفي صعوبة التواصل عبر الإنترنت، هي المخابرة الأخيرة. تقول فاطمة إنها تشتاق لقطعة شوكولاتة أو بعض “التشيبس” وتروي رحلة نزوحها وعائلتها، في ما يبدو وكأنه كابوس من التنقّل من منطقة إلى أخرى، ومن بيت إلى آخر، كل بضعة أيام. في المقابل، تعيش المخرجة حياتها العادية وتصوّر أجزاء من منزلها الباريسي الفسيح، قطط المنزل ونباتات الشرفة. تسأل فاطمة أين تقيم، فتجيب الأخيرة، من دون أن تتنبه إلى التبعات المحتملة لهذه المعلومات على الشابة وعائلتها. تسألها أيضاً عن رأيها في هجمات 7 أكتوبر (2023)، وانتخاب يحيى السنوار، فتجيب الصبية بصراحة وثقة من دون حذر. هل فكّرت المحاورة مرّتين في تبعات نشر معلومات وتصريحات من هذا النوع على لسان الشابة في فيلم عُرض في مهرجانٍ عالمي؟

تتحدّث المخرجة عن رحلاتها من باريس إلى كندا إلى المغرب إلى إيطاليا، فتصرُخ فاطمة قائلة إن هذه هي الحياة التي تريدها. قد يسأل المشاهد عن الفائدة من الإشارة إلى هذه الرحلات وأثرها على الصبية التي تبدو في المحادثات الأخيرة في حالة نفسية متردّية، تصفها بالتشتت، من دون أن تطرح عليها المحاورة السؤال البديهي في هذه الحالة: كيف يمكن أن أساعدك؟ والسؤال هنا: هل من الإنساني أن نتحدّث عن حياتنا العادية في الأكل والشرب والسفر وكأنها أمر طبيعي أمام من هو محروم من أبسط شروط الحياة، بل يقارب الموت كل يوم؟

أكثر ما يحزن في الفيلم ضحكة فاطمة العريضة، حتى يخيّل للمشاهد أنها فعلاً مرحة

موجة من الكآبة أصابتني بعد حضور الفيلم، لعل مصدرها عجزي عن فهم قدرة فاطمة حسونة العجيبة على مقارعة الخوف والعدم والدمار بهذا القدر من التماسك والتفاؤل. من أين لها القدرة على الضحك في هذه الظروف المرعبة؟ إلا أن مشاهدتي الفيلم من موقع الباحثة التي تحقّق في الصحافة في بيئات الحروب والقمع أصابتني بموجةٍ من الذهول ثم الغضب. لا شك أن الحوارات الهاتفية بين المرأتين، واحدة في سجن الإبادة والأخرى حرة وآمنة في الغرب، أنتجت صداقةً غير متوقّعة بينهما. لا شك أن هذه الحوارات دعمت قدرة فاطمة على الصمود في ظروفٍ رهيبة، وعزّزت لديها الأمل والفخر بما تقوم به. لا شك أيضاً أن الفيلم أخرج قصة فاطمة ومثيلاتها بقوة إلى العالم، فبات صرخة مدوّية تمثل مأساة أهالي غزّة، وهي (فاطمة) التي قالت على وسائل “السوشال ميديا” إنها لا تريد موتاً صامتاً، بل مدوّياً يبقي ذكراها طويلاً. إلا أن المخرجة، رغم صدق عاطفتها وتعلقها بالشابة العالقة في ساحة الحرب، أخلّت بواجباتها الأخلاقية تجاه موضوع بحثها عبر إهمالها العواقب المحتملة لإخراج هذه المواد إلى العلن، من دون حتى محاولة حماية المصوّرة الصحافية، أو أقله إبلاغها بالمخاطر المحتملة. أما سؤالها عن حجاب الصبية، ولم تضعه في كل مكالمة، وهي الإيرانية التي يفترض أنها تعرف الجواب، فذلك مجرّد إضافة ضرورية للاستهلاك الأوروبي.

كانت آخر كلمات فاطمة حسّونة: “إذا متُّ أريد موتاً مدوّياً، لا أريدني مجرّد خبر عاجل. أريد موتاً يسمع به العالم، وأثراً يظلّ مدى الدهر، وصوراً خالدةً لا يدفنها الزمانُ ولا المكان”. صارخاً ومدوّياً جاء قتل الشابة، لكن حياتها، لو استمرّت، لكانت أقوى بكثير من موتها ومن الفيلم عن حياتها.

ملاحظة:
الآراء الواردة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف.

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...