السويداء بين العدالة المعلقة والاستقرار الهش في قلب اتفاق إقليمي واسع.

إيطاليا تلغراف

 

 

 

الدكتور حسن مرهج خبير الشؤون السورية والشرق أوسطية.

 

 

تمثل الخطة السورية الأردنية الأمريكية بشأن محافظة السويداء محاولة معقدة وحساسة لاستعادت الاستقرار في إقليم شهد على مر السنوات الماضية تجاذبات ذات أبعاد طائفية وقبلية وسياسية عميقة، انعكست على معاناة السكان المدنيين بشكل مأساوي. لكنّ هذا الاتفاق، بعيدًا عن كونه مبادرة محلية محدودة، هو في العمق جزء من اتفاق أوسع يشمل الجنوب السوري، حيث تتقاطع فيه مصالح إقليمية ودولية عدة، وهو يعكس استراتيجيات متشابكة لمصلحة الأطراف المعنية في إدارة الصراع وتحجيم انعدام الأمن، وتهيئة بيئة سياسية وأمنية تسمح باستمرارية الحكم والإدارة في هذه المناطق التي شهدت تاريخًا من الانتهاكات والتوترات الشديدة. إذ لا يمكن فهم هذا الترتيب بمعزل عن خلفيات تعرض السويداء لفترات متواصلة من العنف المسلح، الاعتقالات التعسفية، والخطف، التي أثرت بأبعاد إنسانية واجتماعية على بنية المجتمع المحلي، وأدت إلى نزوح واسع وجرح عميق في النسيج الاجتماعي، مما يجعل توقيع هذا الاتفاق محكًا لتفعيل آليات إعادة بناء الثقة وإرساء العدالة.

ينطوي البند الأول الخاص بمحاسبة كل من اعتدى على المدنيين وممتلكاتهم بالتنسيق مع المنظومة الأممية على مسعى صعب للغاية بسبب المعتاد على التعقيدات السياسية وقصور حكم القانون في الساحة السورية. قد يواجه هذا البند تحديات تضطر أطراف الاتفاق إلى التصدي لها، بدءًا من تحييد الجهات المتورطة سياسيًا وعسكريًا إلى تحقيق محاسبة شفافة ومحايدة، وهو ما قد يكون له أثر مهم في استعادة الثقة المتآكلة، لكنه في الوقت ذاته يحمل إمكانية لإثارة مناخات من التوتر إذا تم تطبيقه بشكل انتقائي أو مجتزأ. إن استمرار تدفق المساعدات الإنسانية والطبية يعد بوابة حيوية لبقاء السكان واحتواء انفجار اجتماعي وشيك، إلا أنه مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأمن على الأرض وبالإرادة السياسية لجميع الأطراف، حيث عادة ما تكون خطوط التزود عرضة للقطع في الأوقات الحرجة مما يضعف جدية خطوات إعادة الاستقرار.

أما التعويضات وترميم القرى والبلدات فتمثل منعرجًا حيويًا لإصلاح ما أفسدته سنوات الصراع، لكنها تتطلب موارد ضخمة وإدارة دقيقة لمنع نشوب نزاعات جديدة حول توزيعها، خصوصًا وسط مناخ قبلية وتوترات عميقة. هذا لا يغني عن ضرورة إعادة الخدمات الأساسية التي تشكل عماد عودة الحياة الطبيعية، بدءًا من الكهرباء والمياه وصولاً إلى التعليم والصحة، حيث أن فشل إعادة هذه الخدمات يمكن أن يعيد تعقيد الأزمة ويعمق الانقسام داخل المجتمع. أما تعزيز الأمن عبر نشر قوات محلية من وزارة الداخلية فهو مشروع يحمل في طياته رهانات كبرى، إذ يعتمد نجاحه على طبيعة تمثيل هذه القوات لكل مكونات المجتمع، وقدرتها على العمل بنزاهة بعيدًا عن مصالح زمر قبلية أو طائفية، مما قد يضمن حماية سلاسة حركة الناس والتجارة، وهو أمر مركزي في أي خطة لتحقيق الاستقرار.

بخصوص ملف المفقودين والمحتجزين والمخطوفين، فهو من أكثر القضايا حساسية إنسانيًا وسياسيًا، وهو يضع هذه الخطة أمام امتحان حقيقي يتعلق بالشفافية والقدرة على التفاوض مع جميع الأطراف، إذ أن الفشل في معالجة هذا الملف من شأنه أن يقوّض أواصر الثقة ويهدد فرص المصالحة الداخلية التي يسعى الاتفاق إلى إطلاقها في نهايته، حيث تمثل المصالحة مشاركة شاملة لأبناء السويداء بكل مكوناتهم العراقية والطائفية بمثابة مدخل ضروري لإنهاء حالة الانقسام وبناء سرد مشترك جديد قائم على العدالة والمصالحة لا على الإقصاء أو الانتقام.

تأتي تصريحات المبعوث الأمريكي توم باراك لتسلط ضوءًا مهمًا على طبيعة الدعم الأمريكي، حيث يؤكد التزام بلاده بدعم الحكومة السورية وهو ما يجعل التداخلات والسياسات الأمريكية في سوريا بعيدًا عن المواجهة المباشرة مع دمشق، بل في إطار بناء ثقة تدريجي، رغم ما تواجهه من تحديات وعقبات، مع التأكيد على أن تجميع قوى من ثقافات وأديان مختلفة والتعاون الفعّال بينها هو أفضل من العمل المنعزل، وهو مؤشر على أهمية الاحتكام إلى العمل الجماعي في هذا المحيط المتشابك. ورغم تأكيده على وجود مطبات ومحطات صعبة في طريق الحل، إلا أن هذا الاعتراف يضفي واقعية على التوقعات ويبرز أن الطريق للسلام والاستقرار طويل ومشوب بالتحديات التي تتطلب صبرًا ومثابرة.

يظل هذا الاتفاق، غير منفصل عن سياق أكبر يتضمن الجنوب السوري بأكمله، والذي يشهد تناقضات ومعارك نفوذ متجددة بين كل من القوى المحلية والإقليمية والدولية، مما يجعل استقراره مرهونًا بمدى القدرة على صياغة رؤية سياسية شاملة تنسجم مع مصالح الأطراف كافة، وتتناول الجذور العميقة للصراع دون الاقتصار على معالجة أعراضه الظاهرية. إن نجاح هذه الخطة في السويداء لن يتحقق بمعزل عن إيجاد توازنات حقيقية في الجنوب، بوصفها وسط التفاعلات السياسية والعسكرية التي تؤثر على كل الجبهات، ويجب أن تكون مجهودات إعادة الإعمار والمصالحة شاملة وعاملة على تطوير إطارات مؤسسية تخدم إعادة بناء الدولة السورية على أسس العدالة والمساواة.

في الختام، إن خطة السويداء تمثل فرصة نادرة لتجاوز سنوات من الانتهاكات والدمار، لكنها في الوقت ذاته اختبار حقيقي لإرادة الأطراف المحلية والدولية في التعامل بجدية ومصداقية مع الملف الإنساني والسياسي في سوريا. يبقى التحدي الأكبر هو كيفية ترجمة هذه البنود الطموحة إلى واقع ملموس يضمن حماية المدنيين، ويعيد بناء النسيج الاجتماعي المنكوب، ويؤسس لمسار مصالحة شامل وعادل، يقوم على احترام الحقوق وتوحيد المجتمع، بعيدًا عن التوترات الأقليمية أو المصالح الضيقة. لا يمكن لهذا الاتفاق أن يكون ذي جدوى إن لم يكن هناك التزام صادق وشفاف من كل من الأطراف المعنية، مع الحرص على متابعة مستمرة وقوية تضمن تحقيق العدالة الإنسانية والأمن المستدام في محافظة السويداء وما يحيط بها.

إيطاليا تلغراف

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...