عبد القادر الفرساوي
في السنوات الأخيرة، شاع الحديث عن جلسات العلاج النفسي الجماعي، وكأنها اكتشاف باهر سيغير وجه الصحة النفسية في المغرب والعالم. يُقدم الأمر في مقالات وتقارير على أنه معجزة حديثة، قادرة على تخفيف القلق والاكتئاب والصدمات، وأن الدراسات تقول كذا والتحليلات تشير إلى كذا. غير أن من يقرأ بين السطور يفهم أن وراء هذه الموجة خطابا تسويقيا لا أكثر، غايته إقناع الناس بأن الحل يكمن في جمعهم داخل قاعة واحدة، ثم تسويق هذا الجمع على أنه علاج، بينما هو في الحقيقة وسيلة لربح سريع يختبئ خلف لافتة “العلم”.
المريض يدخل الجلسة الجماعية مثقلا بآلامه الخاصة، فإذا به يغادر مثقلا بأوجاع الآخرين أيضا. يسمع قصصا لم يعشها، صدمات لم يختبرها، لكنه يحملها على كتفيه كأنها ملكه. فتاة تتحدث عن محاولة انتحار، شاب يروي تفاصيل اغتصاب طفولته، آخر يحكي انهياره في الشارع… فيجد المريض نفسه في دوامة من المقارنات والتأثر. بدل أن يتخفف من حمله، يُضاف إليه حمل جديد. بدل أن يتعلم أن يواجه، ينكسر تحت ثقل التجارب التي لا تخصه. إن ما يسمى بالتشارك يصبح عدوى نفسية، وما يُسوَّق على أنه شفاء يتحول إلى تفاقم للأعراض.
الأدهى أن الدراسات التي يُستشهد بها لا تقول ما يروَّج عنها. مراجعات كثيرة تؤكد أن العلاج الجماعي لا يتفوق على العلاج الفردي في شيء، بل أحيانا يكون أقل فعالية، بل قد يزيد من احتمال انتكاس بعض الحالات الحساسة، مثل اضطراب ما بعد الصدمة. ورغم ذلك، يعاد تدوير النتائج في عناوين براقة: “العلاج الجماعي يحسن جودة الحياة”، “العلاج الجماعي يقلل القلق”. أين التفاصيل؟ التفاصيل تقول إن الفائدة متوسطة، وإن التأثير محدود، وإن الفشل وارد، وإن كل هذا ليس إلا تلميعا أكاديميا يخدم غاية واحدة: تبرير الجلسات الرخيصة والسريعة. إنها دراسات فاشلة، بلا قيمة تطبيقية حقيقية، لو وُضعت أمام الواقع المغربي حيث الاضطرابات النفسية لها سياقات اجتماعية وثقافية أعقد بكثير.
الأرقام في بلادنا وحدها تكفي لتكذيب البريق. نصف المغاربة تقريبا، 48.9 في المئة ممن هم فوق الخامسة عشرة، مروا باضطراب نفسي في مرحلة من حياتهم. أكثر من ربع السكان يعيشون مع الاكتئاب، تسعة في المئة مع اضطرابات القلق، خمسة في المئة مع الذهانات، وأكثر من واحد في المئة مع الفصام. هذه ليست نسبا هامشية، بل واقع مرعب يكشف أن المرض النفسي لم يعد استثناء بل صار جزءا من الحياة اليومية. وفي مواجهة هذا الزحف، كم لدينا من أسرّة في مستشفيات الأمراض النفسية؟ حوالي 2400 سرير فقط لبلد بأكمله. وكم لدينا من أطباء نفسيين؟ أقل بكثير مما يحتاجه الشعب. هنا يُطرح العلاج الجماعي كحل سحري: اجمع عشرة أو عشرين مريضا في قاعة واحدة، دعهم يتكلمون، وادّعِ أن الدعم المتبادل سيفعل ما عجزت عنه الدولة. لكن النتيجة أن المريض يتحول إلى رقم، مجرد مقعد مدفوع، في مسرح جماعي يختلط فيه الصراخ بالدموع.
الجانب المادي لا يمكن تجاهله. المعالج الذي يجمع عشرين مريضا في ساعة واحدة، ويتقاضى من كل واحد جزءا مما كان سيتقاضاه في جلسة فردية، يخرج في النهاية بمبلغ مضاعف. ما يبدو علاجا جماعيا هو في الجوهر اقتصاد مربح: جهد أقل، وقت أقل، دخل أكبر. المريض، في هذه المعادلة، لم يعد سوى زبون ضمن مجموعة زبائن، يُستنزف جيبه بحجة أن التكلفة أقل من العلاج الفردي، بينما الحقيقة أن التكلفة النهائية أكبر لصالح المعالج. هذه ليست مهنة الرحمة، بل تجارة مقنّعة بعناوين أكاديمية.
العلاج النفسي، في جوهره، ليس بيع مقاعد ولا حساب أرباح. العلاج الحقيقي يقوم على خصوصية المريض، على إصغاء معالج واحد لصوت واحد، على علاقة ثقة تُبنى على مدار الوقت. في الجلسة الفردية، المريض لا يخشى أن تُفضح أسراره، ولا ينهار تحت ثقل قصص الآخرين، ولا يُقاطع حين يصل إلى لحظة اعتراف. وحده هناك، في مواجهة ذاته، برفقة معالج يحترم خصوصيته.
إن الذين يدافعون عن العلاج الجماعي يتجاهلون أن مجتمعاتنا ليست متشابهة، وأن الوصمة والحياء والخوف من الانكشاف تجعل المريض المغربي أضعف ما يكون أمام فكرة الحديث عن جراحه وسط غرباء. كيف نطلب من شاب ناج من اعتداء جنسي أن يسرد مأساته أمام عشرة أشخاص؟ كيف نطلب من مريض بالذهان أن يتوازن وسط فوضى من السرديات
المتناقضة؟ هذه ليست معالجة، هذه مغامرة غير محسوبة، قد تترك ندوبا إضافية في نفس المريض بدل أن تداويها.
ولذلك، حين نقرأ مقالات تُلمع هذه الجلسات بالدراسات والبيانات، علينا أن نتذكر أن وراءها خطابا تجاريا أكثر منه علميا. ما يُسوَّق على أنه علمي ليس إلا دراسات فاشلة تخفي هشاشتها خلف لغة الأرقام. وما يُروَّج على أنه رحمة ليس إلا ربحا سريعا لمعالج يختصر جهده بجلسة جماعية واحدة بدل عشر جلسات فردية. المريض لا يحتاج أن يحمل على ظهره قصص الآخرين، يكفيه أن يجد من يسمع قصته وحدها. العلاج ليس عدوى، والشفاء لا يتحقق بالجملة.





