ذكرى وفاة جمال عبد الناصر مغالطة “هزيمة 67″ و”حرب الاستنزاف” واتفاقية “ويليام روجرز”

 

 

 

 

إدريس عدار

 

 

تعرضت الفترة الفاصلة ما بين 5 يونيو 1967 و8 غشت 1970 لأكبر عملية تضليل، تم فيها التركيز على الضربة التي تلقتها مصر من قبل “إسرائيل” فقط، لكن لم لا يطرح أحد السؤال: لماذا سارعت أمريكا لتوقيع اتفاق إطلاق النار بين البلدين في الثامن من غشت 1970؟
قاعدة يمكن استنتاجها من تتبع تاريخ الصراع مع “إسرائيل”: لما تكن هذه الأخيرة منتصرة تتركها أمريكا مطلوقة اليدين تعبث في المنطقة، لما تتلقى الضربات الموجعة تسابق واشنطن الزمن لتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار. قاعدة ينساها المحللون الذين اعتلوا منابر الإعلام في هذه الجغرافية.
“هزيمة 67” هي العنوان الذي عبره تم تمرير مشاريع الخنوع. كامب ديفيد اعتبرها المنهزمون ذكاء من السادات. لكن هنري كيسنجر في مذكراته استهزأ من الطريقة التي تفاوض بها حول سيناء، والتي ضيعت السيادة بشكل نهائي، بل اعتبرها بنيامين نتنياهو في كتابه “مكان تحت الشمس” معيارا لـ”الحدود الأمنية” لإسرائيل، أي حتى لو فكرت مصر مرة أخرى في الحرب سيكون لدى “إسرائيل” الوقت الكافي لإعداد جيشها، وهو النموذج الذي يقترحه في لبنان وسوريا وذلك منذ 1993.
الوقوف عند يونيو 67 عملية إعلامية أنتجها الغرب وشارك فيها العرب وفرح بها “الإخوان المسلمون”.
ما وقع هو ضربة في سياق الحرب. الهزيمة تعني التوقيع على صك الاستسلام. في إطار شهود الحاضر على الماضي، يمكن تشبيه ما وقع في مصر بما وقع في إيران يوم 13 يونيو الماضي. ضربة موجعة حقيقة لكن تم استيعابها وقلب المعادلة خلال 12 يوما اضطرت أمريكا للبحث عن وقف لإطلاق النار دون أي شرط بخلاف أهداف الحرب المعلنة.
إذا كانت حرب 67 هزيمة فأين صك الاستسلام؟
في أقل من شهر استعادت الجيش المصري روحه القتالية، بعدما تمكنت قوة صغيرة من صد محاولة الاستيلاء على مدينة قريبة من قناة السويس.
ولم يمض وقتا طويلا حتى سجلت البحرية المصرية واحدة من أكبر العمليات، حيث هاجمت المدمرة الإسرائيلية “إيلات” في أكتوبر 1967، وتمكنت الزوارق المصرية القتالية من إغراق “إيلات” أمام شواطيء بورسعيد.
كانت عملية نوعية شكلت منعطفا جديدا أعادت التوازن للجيش المصري، الذي خسر السيطرة على الجو بالضربة التي تلقاها من قبل، وشكلت هذه العملية أهم داعم نفسي للجيش المصري ولكل داعم للمواجهة مع الإمبريالية. ومثلما يوجد الآن من يفرح لانتصار الصهيوني كان حينها من يفعل ذلك، وقد اعتبرت جماعات الإسلام السياسي الضربة الإسرائلية “انتصارا إلاهيا”، ونتذكر يوسف القرضاوي لما هاجمت أمريكا القوات السورية شكرها لأنها “وقفت وقفة لله” وطالبها بالمزيد.
واستمرت حرب الضربات المصرية طوال هذه المدة لتأخذ في مارس 1969 شكل حرب شاملة، تمثلت في قصف مدفعي مكثف على طول الجبهة، وتم خلال هذه المرحلة تدمير العديد من تحصينات العدو على “خط بارليف”، ونفذت القوات المصرية الخاصة عمليات نوعية ضد أهداف صهيونية.
وقدم الجيش المصري تضحيات كبيرة، على رأسها استشهاد الفريق عبد المنعم رياض، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية، الذي كان في موقع متقدم مع جنوده، وانتقاما لاستشهاده تم تنفيذ عملية بطولية تسمى “لسان التمساح”، التي أظهرت مهارات كبيرة للجيش المصري، وكانت إيذانا بانطلاق عشرات العمليات. وحسب مذكرات قادة الجيش، الذين عايشوا الواقعة، لقد تم التخطيط لها بدقة متناهية من حيث التغطية النارية أو العبور عبر الزوارق وصولا إلى تدمير الموقع.
حاول جيش العدو بداية إنكار العملية والاشتباك، لكن بعد البيان العسكري المصري اضطرت للاعتراف لكن مع التقليل من الخسائر مثلما فعلت في حرب 12 يوما من إيران.
ومارس الجيش المصري اختراقات عبر القاذفات الجوية، لكن كان هناك تفوق للعدو بالنظر للإمكانات الموضوعة رهن إشارته من قبل أمريكا والدعم الغربي المتواصل.
لكن ما ينبغي التأكيد عليه أنه منذ 30 يونيو 1970 وإلى حدود 8 غشت من السنة نفسها، تمكنت الدفاعات الجوية المصرية من إسقاط سبعة طائرات “فانتوم” وكانت حينها أعلى صناعة حربية أمريكية، ناهيك عن عدد آخر من الطائرات.
تيار الهزيمة لا يقرأ ما حصل إلا تحت عنوان الضربة الأولى، لكن هنري كيسنجر، الذي يعتبر ثعلب الخارجية الأمريكية، وكان حينها مساعدا لروجرز قال في مذكراته، إن خسائر إسرائيل في حرب الاستنزاف تعادل خسارة الولايات المتحدة الأمريكية لـ20 ألف قتيل و100 ألف جريح، وأن الرد الإسرائيلي على الضربات المصرية كان عبر غارات في العمق ضد المدنيين المصريين قصد إقناع الشعب المصري بفشل عبد الناصر في حمايتهم.
ويضيف كيسنجر أن إسرائيل كانت تريد مفاوضات مباشرة لتوقيع اتفاقية سلام، بينما عبد الناصر كان يريد مفاوضات غير مباشرة تؤدي إلى حل شامل لقضية الصراع العربي الإسرائيلي، وتنفذ قرارات الأمم المتحدة بخصوص اللاجئين الفلسطينيين إما بعودتهم لفلسطين أو بتعويضهم مادياً، حسب تعبير كيسنجر.
ودفعا للمغالطة التي تحصر الحرب في يونيو 67، ينبغي استحضار مذكرات قادة الجيش مثل وزير الحربية حينها الفريق أول محمد فوزي، الذي عنون مذكراته بـ”حرب الثلاث سنوات 1967-1970″، فهي ليست حرب الستة أيام ولكنها حرب الثلاث سنوات، ويرصد فيها كافة الأحداث وخصوصا مجزرة الطائرات الإسرائلية، التي سرّعت باتفاقية روجرز.
وحملت هذه المبادرة اسم وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية، التي اقترحت وقفا لإطلاق النار لمدة 90 يوما، بين مصر و”إسرائيل”، بعد أن أسقطت القوات المصرية عدة طائرات إسرائيلية من الصنع الأمريكي الحديث، لهذا قلت في البداية أمريكا لا تأتي باتفاق إلا عندما تكون إسرائيل منهزمة.
لقد تعرض عبد الناصر لهجوم كبير بعد موافقته على المبادرة الأمريكية، والتي قال عنها روجرز فيما بعد بأن عبد الناصر كان أخطر مفاوض، ففي الوقت الذي قبل وقف إطلاق النار تمكن من بناء جيش قوي ودفاعات كبيرة وقدرات هجومية هي التي صنعت نصر أكتوبر، الذي أصبح الإخوان المسلمون بعد المصالحة مع السادات يسمونه “حرب رمضان”.
في الحرب مع إسرائيل أنت أمام عدو له إمكانات “الدنيا” وتحت إمرته مخابرات من شتى أنحاء العالم، ولا يحاسب عندما يرتكب المجازر ضد المدنيين وهذا مارسه حتى مع مصر.

إيطاليا تلغراف

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...