عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا
في المغرب، لم تعد الاحتجاجات ظاهرة موسمية أو ردود أفعال معزولة، بل أصبحت مرآة صافية تعكس عمق أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسة السياسية. الجديد هذه المرة ليس فقط في تصاعد الغضب، بل في هوية من يقوده: جيل Z، ذلك الجيل الذي ترعرع في ظل الإنترنت ووسائل التواصل، لكنه اليوم ينزل إلى الشارع حاملاً مطالب واضحة وأسئلة مؤجلة منذ سنوات.
الاحتجاجات الأخيرة، التي عمّت أكثر من مدينة مغربية، لم تكن بدعوة من حزب، أو تحت مظلة نقابة، ولا بتأطير من جمعية. كانت تعبيرًا تلقائيًا عن خيبة أمل جماعية، يقودها شباب لا يرتبطون بالأشكال التقليدية للعمل السياسي، ولا يثقون كثيرًا في وسطاء المنظومة. شباب يعتبر أن لا أحد يمثله، لكنه يعرف تمامًا كيف يعبّر عن ألمه.
جيل Z المغربي نشأ على متابعة الشأن السياسي والاجتماعي من خلال المحتوى الرقمي الساخر، وتحليل القرارات الحكومية عبر فيديوهات قصيرة، ومشاركة همومه اليومية في منصات مثل TikTok وInstagram. لكن حين لا يعود الهزل كافيًا، يصبح الشارع هو المساحة البديلة. وهنا تبرز المفارقة: جيل يُتهم باللامبالاة، لكنه أول من يخرج للتظاهر حين يشعر أن الكرامة والعيش الكريم لم يعودا ضمن المعادلة.
ما تكشفه هذه التحركات هو أن الفجوة بين المواطن والمؤسسة الحكومية لم تعد تتعلق فقط بالأداء، بل بالعقد نفسه: من يمثل من؟ ومن يصغي لمن؟ وهل لا تزال المؤسسات قادرة على احتواء التحولات المجتمعية؟
الاحتجاج هنا ليس رد فعل عاطفي على واقعة آنية، بل نتيجة تراكمية لملفات لم تُفتح بجدية:
ارتفاع أسعار المواد الأساسية
صعوبة الولوج إلى الشغل
تدهور المنظومة الصحية والتعليمية
غياب الأفق بالنسبة لفئات واسعة من الشباب
هذه ليست مجرد شعارات، بل واقع يومي يعيشه المغاربة، وخصوصًا أبناء الطبقات المتوسطة والهشة، الذين لم يلمسوا وعود النموذج التنموي الجديد، ولا لمسوا فرقًا بين لغة الحملات الانتخابية، وصمت ما بعد الوصول إلى السلطة.
لكن من الضروري التأكيد هنا على نقطة جوهرية: هذا الجيل لا يخرج إلى الشارع بحثًا عن الفوضى، ولا يطالب بالمواجهة مع الدولة، بل يعبر عن مطالب اجتماعية عادلة، تمس الحياة اليومية والكرامة الإنسانية. إنهم يطالبون بخدمات صحية تحفظ الإنسان ولا تبتزّه في لحظات ضعفه، حيث أصبح الدخول إلى مستشفى عمومي أو خاص يشبه عبور اختبار قاسٍ، تبدأ فيه معاناة المريض من قلة الموارد، وتنتهي بابتزاز مالي لا يرحم.
كما يطالبون بتعليم يليق بطموحاتهم، لا تعليم يزرع الإحباط ويعيد إنتاج الفشل. إنهم يدركون، مثل أي جيل واعٍ، أن لا تقدم دون تعليم عمومي قوي، يحمي الفقير ويفتح له باب الأمل.
وفوق كل ذلك، يطالب هذا الجيل بالعيش الكريم، ومناهضة غلاء المعيشة المتصاعد، لأن المواطن المغربي لم يعد يحتمل ارتفاع الأسعار المتوالي، ولا تهرّب الحكومة من مسؤولياتها الاجتماعية. لم تعد هناك فوارق كثيرة بين الطبقة المتوسطة والهشة، بعدما التهمت الأسعار القدرة الشرائية للجميع، من الغذاء إلى النقل، ومن الدواء إلى السكن.
أزمة الثقة ليست في الحكومة فقط، بل تمتد إلى الأحزاب، والنقابات، ومجمل الهيئات الوسيطة. لم يعد الشارع يرى في هذه الكيانات قنوات فعلية للنقاش أو الحل. وحتى حين ترتفع الأصوات، يكون الرد الرسمي غالبًا متأخرًا، أو شكليًا، أو محصورًا في الزاوية الأمنية.
لكن أخطر ما في الوضع الحالي هو أن الاحتجاجات غير المؤطرة، رغم مشروعيتها، قد تفتح الباب أمام توترات يصعب ضبطها. الغضب الشعبي حين يُترك دون آذان صاغية، قد يتحول إلى حالة جماعية من الرفض العام، وهذا ما يستدعي من الدولة أن تتحرك ليس أمنياً فقط، بل سياسيًا واجتماعيًا وبشكل عاجل.
الإنصات الحقيقي: لا يمكن التعامل مع جيل Z بالطرق القديمة. هذا جيل ذكي، نقدي، ويتابع التفاصيل. يحتاج إلى مخاطبة مباشرة، صادقة، وإشراك حقيقي في القرارات التي تهم مستقبله.
استعادة الوساطة السياسية: لا بد من إصلاح حقيقي للمشهد الحزبي والنقابي، حتى تُستعاد الثقة في المؤسسات. الفراغ الحالي لا يخدم الاستقرار ولا التنمية.
إجراءات فورية: خفض أسعار المواد الأساسية، تحسين الولوج للخدمات، والتعامل بشفافية مع الملفات الاجتماعية الملحة، أصبحت أولويات لا تقبل التأجيل.
اعتراف رسمي بمشروعية الغضب: الاعتراف هو بداية الحل. تجاهل صوت الشارع أو شيطنته لا يزيد إلا من حدة التوتر.
جيل Z اليوم لا يطالب بالمستحيل. يطالب بالعدالة، بالكرامة، بمكان له في هذا الوطن. يطالب بأن يكون حاضرًا في القرار، لا مجرد متلقٍ للنتائج. هذه ليست أزمة شباب، بل أزمة رؤية. أزمة تستدعي مراجعة شجاعة لطريقة التفكير في الحاضر والمستقبل، في كيفية إدارة العلاقة مع المواطنين، ومع الأجيال الجديدة بالخصوص.
حين يحتج هذا الجيل، فإن على الجميع أن ينصت جيدًا. فالصوت الذي يصدر من الشارع اليوم، قد يكون آخر ما تبقى من رصيد الثقة.





