إلى أين يسير المغرب ؟!

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

سارة بصراوي

 

 

 

يعيش بلدنا هذه الايام على وقع مشهد يثير القلق والأسف في آن واحد. شباب من جيل جديد، جيل Z، خرجوا الى الشارع في اكثر من مدينة مغربية، يحملون معهم مطالب بسيطة ومشروعة: حرية، كرامة، عدالة اجتماعية، صحة وتعليم. هي مطالب لم تأت من فراغ، بل من واقع معاش يزداد ضيقا كل يوم. الغلاء ينهش القدرة الشرائية للأسر ، البطالة تدفع آلاف الطاقات الشابة الى حافة اليأس ..وجودة التعليم والصحة تتراجع بشكل مقلق، بينما لا يلوح في الافق ما يبعث على الطمأنينة أو يفتح أفاقا حقيقية للمستقبل.
لكن بدل ان تتلقف الدولة هذه الرسائل كجرس انذار وتفتح قنوات للحوار مع الجيل الجديد، كان الرد عنيفا وقاسيا. صور وفيديوهات تناقلها من التقطها من ساحات الاعتقالات التي كانت بالجملة، ضربا واهانة في حق شباب خرجوا للتظاهر سلميا، في خرق واضح للدستور الذي ينص على حق المواطنين في التظاهر السلمي، وعلى ضرورة إخبار المعتقل بسبب اعتقاله قبل اقتياده !!!؟
أين نحن اذا من الدستور؟
وأي معنى له إذا كان يظل مجرد وثيقة جميلة الحروف معلقة على الجدران بينما الواقع يسير في اتجاه معاكس تماما؟!!!!
هذا التناقض العميق بين النصوص الدستورية والممارسة على أرض الواقع يطرح سؤالا جوهريا: هل المغرب في طريقه إلى تعزيز الحقوق والحريات أم إلى تراجع خطير يعيد عقارب الساعة إلى الوراء؟ في ظل انتعاش صارخ للفساد ورعاته…
عشرات الشباب يجدون أنفسهم في مواجهة آلة أمنية ضخمة بلا رحمة، بينما الإعلام الرسمي يصمت صمتا مطبقا، وكأن ما يحدث لا يستحق التغطية ولا النقاش.
ان تجاهل الاعلام لهذه الاصوات يزيد من شعور القطيعة بين المواطن والدولة، ومن في مصلحته هذه القطيعة والنفور ؟؟!!
جيل Z الذي خرج إلى الشارع هو جيل نشأ في زمن التكنولوجيا والانفتاح، لا يعرف الخوف من التعبير، لا يعترف بأسلوب الضرب.ويصعب إخضاعه للطرق القديمة التي اعتادت الانظمة استعمالها والتي ضننا ان زمنها قد ولى. إن قمع هذا الجيل لن يؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان، لأن أسباب الغضب لم تعالج، بل بالعكس، تتفاقم يوما بعد يوم بفعل الازمات الاقتصادية والاجتماعية. فالغلاء المستمر في الأسعار يرهق الأسر المغربية الفقيرة وطال حتى الطبقة المتوسطة، وتراجع فرص العمل يوسع دائرة الفقر، وتدهور الخدمات الأساسية في الصحة والتعليم يجعل الناس يشعرون أن الحكومة غائبة عن أدوارها الأساسية . المؤسف أكثر هو أن الاعتقالات والعنف لم توجه فقط إلى من يطالبون بمطالب مستحقة، بل وجهت ايضا رسالة سلبية الى المجتمع بأسره، مفادها أن حرية التعبير ما زالت هشة، وأن الكلمة الحرة قد تكلف صاحبها الإعتقال والإهانة والتجرجير. كيف يمكن لشباب يطالب بكرامة وعدالة إجتماعية أن يصدق وعود الإصلاح والديمقراطية إذا كان ثمن وقفة سلمية هو العنف والاعتقال؟ الإستقرار لا يبنى بالقمع، بل بالحوار. الأمن لا يتحقق بالهراوة، بل بالثقة بين المواطن ومؤسساته. الشرعية الحقيقية لا تترسخ بالشعارات، بل باحترام الحقوق والحريات وضمان العدالة الاجتماعية. إن البلد الذي يغلق أبواب الحوار ويفتح ابواب السجون أمام النشطاء السياسيين وأمام شباب سلميين يغامر بمستقبله، ويدفع ثمن ذلك في شكل مزيد من فقدان الثقة والشرخ بين الدولة والمجتمع. وحين تغلق كل الأبواب امام الكلمة الحرة فإن البلد يضع نفسه على حافة الانفجار الاجتماعي.
إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...