الذاتية في سرد الخيال والإعلام: من التنفيس إلى التجسيد

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

مهدي غلاّب
كاتب تونسي

 

أسماء معتبرة برزت في صناعة السرد الذاتي المتخيّل، أو الخيال السردي الذاتي بأنواعه كافة، منهم ماري دارياساك وفيليب فيلين وكلوي دولون وفي العالم العربي – وإن بنظرة مغايرة – نجد جمال الغيطاني – المستفيد من العالمي نجيب محفوظ – بروايته السرد ذاتية «الزيني بركات»1974، الناقلة للواقع المصري في فترة المماليك، بإسقاطات استعارية لمسيرة تتعدى حدود شخصه، اعتمد فيها على المجاز والفنتازيا. كما نجد بجديّة بصمات ذات خصوصيّة للجزائرية أحلام مستغانمي، التي حققت نجاحات شخصية بنصوص أقرب إلى الرواية، مدونة بتأثيرات ذاتية تطبع سيرة مُجزّأة لا تخلو من الشعرية، وهي خصال سرديّة حاضرة بقوّة في «فوضى الحواس»، 1997 و»ذاكرة الجسد»، 1993، رغم أن التوجه ظل ثائرا وارتبطت فيه الكتابة بالهويّة والثورة بالوجع أكثر من التصريحات النفسية.
لذلك تبتعد الكتابة الغربية في هذا المجال، وربما تتخصص في زاوية معالجة نفسية متصالحة مع استشرافات فنيّة، يقول سارج دوبروفسكي، كأول ناقد أدبي استعمل مصطلح السرد ذاتي في كتابه «ابن» الصادر سنة 1977: «السرد ذاتية هي عندما نعهد مغامرة اللغة إلى لغة المغامرة»، وهي عمليّة معقّدة تتعدى بانخراطها في الحدود السيريّة المنحى الأدبي، لتحط في أبعاد بحثية يتعقد فيها الزمن السردي ويتجاوز مجرد القول والشهادة والتعبير ليلمس مساحات يرتبط فيها النتاج الروائي بالسينما، على غرار الرؤية العربية التقريبية (المختلفة) في عمل «الزيني بركات» (الغيطاني) بطولة أحمد بدير، الذي قدّم للتلفزيون، لأول مرة عام 1995.
لكن ما الذي يجعلنا نعوّل على السرد الذاتي المتخيّل في مهمة «التنفيس»، ما دام التناول العربي لا يسمح بذلك؟ وما أهميّة ذلك في ظل التصنيفات المتفرعة والمختلفة بين الأجناس وداخلها؟ لا شك في أن التنفيس أو «الكاتارسيس» مصطلح قديم ذكر في كتابات أرسطو، يتعلق بإيصال مشاعر الشفقة والخوف لاختبار الجمهور، وفي تصنيفات أخرى يصل هذا المجال لحد التطهير النفسي بعد استحضار زلات واضطرابات وأحلام وتكرار لهواجس غير محددة.
من منطلق هذا السرد الذاتي المتخيل تنفتح الآفاق لعرض الحالة والوسيلة في آن. فأما الحالة فتتجه مباشرة لعرض نفسية الكاتب، باعتماد آلية صوريّة مرجعيّة أو منقولة عبر حوار داخلي عفوي واع وشفوي، وأما الوسيلة فتتجه مباشرة للسرد الذاتي الإعلامي عبر التجسيد والتمثيل بالتعويل على إطار تكنولوجي تثريه وتثمنه المواقع والمنابر الاجتماعية وتشترك في ذلك مع أشكال التعبير الموجهة للفرد والعامة منها، الإعلامية البصرية والتشكيلية والصوتية والحركية. وهو ما يسميه الناقد الجمالي كليمان غرينبرغ في كتابه «الصباغة الحداثية» (1960) بالوسيط الذاتي أو الواسطة. يرتبط الحضور التشكيلي للوسيط الفني كإطار تقديم بمقدار صفائه وانبساطه، نجد ذلك في أشكال الإبداع الحديثة المتعددة وأجهزة البث والتعبير، التي تمثل في الوقت نفسه المادة والمحيط الإطاري المحدد لحضورها، لذلك عند بحثنا عن العلاقة بين السرد الذاتي المتخيل والسرد ذاتي الإعلامي، نجد المسافة بعيدة أمام أدوات متقاربة تجمعها الصورة والحدس الفني، سواء كان لاواعيا أو مفروضا من الأنا الأعلى بتعبير فرويد، لكن المساحة تضيق أكثر كلما اقتربنا من المنطق السيري المطبوع بالسرد وتتابع الأحداث، والتحكم في الزمن والشخصية الساردة، لنجد الحدود السيرية الذاتية الحاضرة في الشكل الروائي، تتأرجح بين القص الذاتي الغارق في المغامرات الخيالية على غرار «كولونا» لدانتي والسيرة الأدبية على شاكلة أعمال ميشال ليريس، وأمثلة أني إرنو الباحثة عن حقيقة عبر خنق وإفشال التخييل الذاتي.
من هذا المنظور، يمكن القول إنّ الانتقال من التنفيس إلى التجسيد، لا يتمّ في النصّ وحده، بل داخل البنية الاجتماعية التي تحتضنه وتؤطّر تلقيه. فكما توضح الباحثة الاجتماعية ناتالي هينيش في مقاربتها السوسيولوجية للفعل الإبداعي، لا يمكن لأيّ سرد ذاتي أن يُفهم بمعزل عن نظام الاعتراف، الذي يحدّد مكانة صاحبه داخل الحقل الثقافي، ويبيّن مختلف أطراف الوساطة المتدخلة في بناء الشخصية النصيّة لكل عمل، سواء كان سيريا أدبيا، أو صحافيا إعلاميا. إنّ التعبير الذاتي في هذا السياق لا يظلّ مجرّد بوحٍ أو تطهيرٍ نفسيّ، بل يتحوّل إلى تموضُع رمزيّ للذات داخل منطق الاعتراف الاجتماعي، حيث يصبح النصّ وسيطًا لتشييد هوية قابلة للرؤية والتداول. توضح هينيش في كتابها «في الرؤية: الظهور، التفوّق والتفرّد في نظام الوساطة الإعلامية» (2012)، أنّ الذات لا تُرى إلا بقدر ما تنخرط في أنساق الوساطة، التي تصنع صورتها وتمنحها شرعية الوجود، لذلك يغدو السرد الذاتي الإعلامي امتدادا لسوسيولوجيا فنيّة بالفهم الحديث، بما في ذلك إخراج الداخلي المستور في حدود التجربة وتحويل الخصوصي إلى مشهديّ عمومي، والذاتي إلى اجتماعيّ، والفعل الكتابي إلى تجربة اعتراف متبادلةٍ بين المبدع داخل الركح المجتمعي الواسع ومجاله الرّمزي.

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...