حين يسقط الملك و تبقى الكراسي مشدودة بالحديد

 

 

 

 

عبد القادر الفرساوي

 

 

لم يكن المجد يوما وعدا دائما، ولا العروش ضمانا ضد السقوط.
فالملك الإسباني خوان كارلوس، الذي حملته أمواج التاريخ يوما إلى قمة المجد حين قاد بلاده من ظلام الديكتاتورية إلى نور الديمقراطية، وجد نفسه أخيرا يواجه الحقيقة وحيدا: أن التاج لا يحمي من الندم، وأن الجماهير التي تصفق اليوم قد تدير ظهرها غدا.

في مذكراته الجديدة المعنونة بـ «المصالحة»، يطل الملك السابق من منفاه الذهبي في أبوظبي، متحدثا بصوت يحمل نبرة الندم أكثر من الاعتذار. يقول إنه أخطأ، وأنه لم يكن يملك إلا أن يكون إنسانا في عالم لا يغفر للملوك ضعفهم. يعترف بعلاقات خارج الزواج، لكنه يصر على أن الرقم الذي تردده الصحف ــ 4786 عشيقة ــ محض خيال.

ومع ذلك، يعترف بندم واحد فقط: امرأة واحدة كانت كافية لتزلزل العرش، ولتسقط الصورة التي طالما صنعها التاريخ والإعلام لشخصه.
يعترف الملك اليوم بأنه يفتقد زوجته، الملكة صوفيا، وأن ابنه فيليبي هو من قطع بينهما خيط الوصال. لا يلوم القدر، بل يلوم السياسة، لأنها تحولت في حياته من تاج إلى منفى، ومن مجد إلى صمت بارد في قصر بعيد عن الوطن.
لكن، ما أندر أن نسمع في عالمنا العربي ملكا أو رئيسا يتحدث بلغة الندم!
في بلدان كثيرة من مشرق ومغرب، لا يكتب القادة مذكراتهم إلا ليمجدوا أنفسهم، لا ليواجهوا أخطاءهم.
في حين يسقط خوان كارلوس في نعومة الخيبة، يتمسك غيره بالكرسي كمن يخاف أن يبتلعه الفراغ.
هناك من يستقيل بشرف، وهناك من يُسجن من يطالب برحيله.
في إسبانيا، سقط الملك بفعل الحب.
وفي بعض البلاد، لا يسقط الطاغية حتى تغرق المدن بالدم.
الفرق بين رجل يعترف بخيانته لامرأة، ورجل يخون وطنا بأكمله، هو الفرق بين سقوط إنساني وسقوط أخلاقي.
لم يكن خوان كارلوس قديسا، لكنه كان بشرا أدرك بعد فوات الأوان أن التاج لا يحمي من الندم.
أما أولئك الذين جعلوا من الحكم دينا، ومن الزعيم نبيا، فهم لا يعترفون بالإنسان فيهم، بل بالهيبة التي فرضوها بالحديد والنار.
كم من زعيم عربي حكم نصف قرن باسم الثورة!
وكم من رئيس شيد السجون بدل المدارس، ورفع صورته على جدران الخبز والجوع!
في الغرب، يعتزل القائد حين تثقل كاهله الأخطاء.
وفي عالمنا، تعتقل الحقيقة حين تقترب من العرش.
في مدريد، يتحدث الملك السابق عن المصالحة.
وفي عواصم عربية، لا حديث إلا عن المؤامرات والخونة والمتآمرين.
ربما يغفر للملك الإسباني ما فعله، لأنه لم يقتل أحدا دفاعا عن ملكه، بل اكتفى بالرحيل في صمت.
لكن كيف يغفر لمن حرق المدن دفاعا عن صورته؟
كيف يسامَح من جعل الوطن مرادفا لاسمه، والكرسي جزءا من جسده؟
لقد أخطأ خوان كارلوس حقا حين خلط بين شهوة العاطفة ومجد الحكم، لكنه بقي في النهاية إنسانا خسر ذاته قبل أن يخسر ملكه.
أما الطغاة الذين يظنون أن الأرض تدور حولهم، فهم لا يخسرون شيئا لأنهم لم يمتلكوا يوما ضميرا ليخسروه.
في نهاية مذكراته، يكتب الملك: «ليس لي الحق في البكاء، لكن لي الحق في المصالحة مع البلد الذي أحبه».
جملة قصيرة، لكنها تحمل ما عجزت عنه خطب الطغاة في عقود طويلة.
إنها نغمة الاعتراف، تلك التي لا يعرفها من جعلوا من الخوف دستورا، ومن الرعب نشيدا وطنيا.
ربما كان خوان كارلوس آخر الملوك الذين يسقطون بترف الاعتراف.
أما الآخرون، فيسقطون تحت أنقاض الشعوب التي جف صبرها.
سقوط بنعومة الحبر في مدريد، وسقوط بضجيج الرصاص في مدننا.
وفي الحالتين، يعلمنا التاريخ أن الكراسي، مهما اشتدت براغيها، لا تُخلد أحدا.

الملوك لا يكتبون مذكراتهم إلا حين تنكسر التيجان، ولا يواجه الطغاة الحقيقة إلا حين يصمت الجمهور.
لكن الشعوب، وحدها، هي من تكتب المذكرات الحقيقية للتاريخ:
تسجل من أحب وطنه ومن باعه، من اعتذر ومن أنكر، من ترك الكرسي ومضى، ومن ربط مصير البلاد بمصيره حتى الهلاك.
قد يسقط ملك في عزلته بأبوظبي، وتغلق عليه الأبواب بهدوء، لكن ملايين البشر في الضفة الأخرى ما زالوا يساقون إلى السجون لأنهم تمنوا فقط أن يرحل الملك الذي لم يندم بعد.
وهكذا يظل الفرق بين الملك والديكتاتور فرقا في درجة الوعي والضمير،فالندم شرف لا يمنح لمن لم يعرف يوما معنى الإنسانية.

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...